﻿1
00:00:20.910 --> 00:00:21.880
السلام عليكم

2
00:00:22.140 --> 00:00:25.783
من المفاهيم الخاطئة والخطيرة، أنَّ كون الإيمان غيبيًا

3
00:00:25.783 --> 00:00:27.854
يعني أنَّه شيءٌ غير يقينيٍّ

4
00:00:27.876 --> 00:00:28.866
ليس أكيدًا

5
00:00:28.870 --> 00:00:29.900
احتمالٌ كبيرٌ جدًا

6
00:00:29.900 --> 00:00:32.028
لكن لا تستطيع أن تقول: مائةً بالمائة

7
00:00:32.270 --> 00:00:37.040
يقولون لك: لا أحد يستطيع أن يجزم بصحَّة ما لديه وخطأ الطرف الآخر؛

8
00:00:37.200 --> 00:00:40.436
لأنَّه غيبٌ في النهاية

9
00:00:41.400 --> 00:00:44.400
وترى مَن يطبِّق ذلك حتَّى على المسألة الكبرى؛

10
00:00:44.400 --> 00:00:45.730
على وجود الله تعالى

11
00:00:45.810 --> 00:00:48.300
ويقول: "الإيمان هو أن تؤمن بشيءٍ

12
00:00:48.300 --> 00:00:51.731
دون وجود كلِّ الأدلَّة الحاسمة والقاطعة عليه،

13
00:00:51.840 --> 00:00:55.693
الإيمان يحتاج إلى (بالانجليزية) قفزة إيمان؛

14
00:00:55.890 --> 00:00:58.694
أي إلى شيءٍ لا يمكن البرهنة عليه بشكلٍ قطعيٍّ،

15
00:00:58.760 --> 00:00:59.460
الإيمان

16
00:00:59.480 --> 00:01:02.380
يحتاج هذه القفزة الشجاعة في الفراغ"

17
00:01:02.490 --> 00:01:03.770
ومثل هذه العبارات

18
00:01:04.110 --> 00:01:07.480
التي تجعل الإيمان بوجود الله وبالغيب عمومًا

19
00:01:07.800 --> 00:01:11.687
أمرًا حَدْسِيًّا، تخمينيًّا، لا قطعيًّا يقينيًّا

20
00:01:12.120 --> 00:01:15.318
تجعله أمرًا بغلبة الظنِّ، احتماله كبيرٌ

21
00:01:15.390 --> 00:01:17.452
لكنَّه دون الـ(100%)

22
00:01:18.300 --> 00:01:19.934
فهل الإيمان بوجود الله

23
00:01:19.950 --> 00:01:22.688
هو كذلك فعلًا في المنظومة الإسلاميَّة؟

24
00:01:23.030 --> 00:01:23.940
يقينًا لا؛

25
00:01:24.240 --> 00:01:25.860
بل الإيمان بوجود الله

26
00:01:25.860 --> 00:01:28.710
هو إيمانٌ بما تدلُّ الأدلة عليه

27
00:01:28.710 --> 00:01:33.415
بشكلٍ قطعيٍّ حاسمٍ لا يقبل الشكَّ ولا التردُّد

28
00:01:33.420 --> 00:01:34.508
وكونه غيبًا

29
00:01:34.510 --> 00:01:37.659
لا يعني أبدًا أنَّه لا يمكن الجزم به

30
00:01:37.980 --> 00:01:41.182
غيبٌ لا يساوي مبهمًا أو غامضًا،

31
00:01:41.210 --> 00:01:42.600
ولا يعني أنَّ الإيمان بالله

32
00:01:42.600 --> 00:01:45.120
هو موقفٌ عاطفيٌّ تسليميٌّ محضٌ؛

33
00:01:45.120 --> 00:01:49.650
بل هو موقفٌ برهانيٌّ، استدلاليٌّ، فطريٌّ، عقليٌّ

34
00:01:49.650 --> 00:01:50.810
الإيمان بوجود الله

35
00:01:50.810 --> 00:01:53.298
هو إيمانٌ يدلُّك عليه العقل والفطرة

36
00:01:53.310 --> 00:01:56.076
دون أنْ يمنعك مرض القلب أو اتِّباع الهوى

37
00:01:56.190 --> 00:01:57.450
والغريب أنَّ هذه المسألة

38
00:01:57.450 --> 00:01:59.814
-التي هي أَوْلى بدَهيِّات الإسلام-

39
00:01:59.880 --> 00:02:03.289
ليست واضحةً عند بعض مَن يتصدَّى لمحاربة الإلحاد

40
00:02:03.480 --> 00:02:04.560
إنْ كان الإيمان بالله

41
00:02:04.560 --> 00:02:06.470
عند بعض أتباع الأديان الأخرى

42
00:02:06.470 --> 00:02:10.461
قد اختلط بصورة مشوَّهة عن الله تعالى وصفاته

43
00:02:10.470 --> 00:02:13.490
ممَّا جعل أتباع هذه الأديان يحتاجون القفزَ

44
00:02:13.490 --> 00:02:16.462
في الفراغ، والتسليمَ غير المستَنِد إلى العقل،

45
00:02:16.710 --> 00:02:19.273
فنحن لا نحتاجه في الإسلام -والحمد لله-

46
00:02:19.450 --> 00:02:21.087
هذه الحلقة للمسلمين

47
00:02:21.090 --> 00:02:22.860
وهي أيضًا للمتشكِّكين

48
00:02:22.860 --> 00:02:25.260
الذين قد يظنُّون أنَّنا ندعوهم

49
00:02:25.260 --> 00:02:27.804
إلى الإيمان الحَدْسيِّ العاطفيِّ التسليميِّ؛

50
00:02:27.900 --> 00:02:31.826
بل نحن ندعوهم إلى إيمانٍ فطريٍّ عقليٍّ مُبرْهَنٍ

51
00:02:32.140 --> 00:02:34.410
كما أنَّ التسليم الذي ندعو الناس إليه ليس

52
00:02:34.410 --> 00:02:35.608
في مسألة وجود الله،

53
00:02:35.790 --> 00:02:37.410
التسليم ليس هنا؛

54
00:02:37.570 --> 00:02:40.620
بل التسليم هو في أمورٍ في تفاصيل الإسلام

55
00:02:40.620 --> 00:02:44.431
المبنيَّة على إيمانٍ فطريٍّ عقليٍّ مُبرْهَنٍ

56
00:02:44.590 --> 00:02:46.670
القرآن الذي ندعو إليه يقول:

57
00:02:46.670 --> 00:02:52.469
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [القرآن 15:49]

58
00:02:52.590 --> 00:02:56.006
أي: آمنوا إيمانًا يشمل التصديق الجازم

59
00:02:56.010 --> 00:02:59.130
الذي لا يُخالطه شكٌّ، وليس غلبة ظنٍّ،

60
00:02:59.130 --> 00:03:02.092
ولا إيمانًا احتياطيًّا، ولا إيمانًا اعتباطيًّا

61
00:03:02.142 --> 00:03:04.255
نؤمن هكذا مع أنَّنا نرى

62
00:03:04.260 --> 00:03:06.661
أنَّ الأدلة على وجود الله غير قطعَّيةٍ؛

63
00:03:06.750 --> 00:03:09.090
بل المنظومة الإسلامية تنصُّ على

64
00:03:09.090 --> 00:03:12.000
أنَّ وجود الله -عزَّ وجلَّ- هو الحقيقة الكبرى

65
00:03:12.000 --> 00:03:13.690
بل الله نَفْسُه هو الحقُّ

66
00:03:13.844 --> 00:03:19.351
﴿ذالكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [القرآن 62:22]

67
00:03:19.500 --> 00:03:21.570
ولشدَّة بداهة وجود الله تعالى

68
00:03:21.570 --> 00:03:22.470
فإنَّ القرآن

69
00:03:22.470 --> 00:03:25.674
لا يجعل هذه القضية محور أدلَّته ومناقشاته؛

70
00:03:25.830 --> 00:03:28.821
بل يدلِّل على شيءٍ زائدٍ عن مجرَّد الوجود

71
00:03:28.840 --> 00:03:30.780
كالتوحيد وصفات الله تعالى

72
00:03:31.620 --> 00:03:34.217
أمَّا الوجود نفسُهُ فقضيَّةٌ محسومةٌ

73
00:03:34.284 --> 00:03:38.494
(قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [القرآن 14: 10]

74
00:03:38.780 --> 00:03:41.867
آيةٌ تتضمَّن الدليل الفِطريَّ والدليل العقليَّ

75
00:03:41.950 --> 00:03:42.900
أفي الله شكٌّ؟

76
00:03:43.140 --> 00:03:44.718
أيْ هل في وجوده شكٌّ؟

77
00:03:44.750 --> 00:03:46.427
أو هل في وحدانيَّته شكٌّ؟

78
00:03:46.540 --> 00:03:48.720
فوجوده و وحدانيته

79
00:03:48.720 --> 00:03:52.097
أمرٌ فطريٌّ مغروسٌ في النفس لا يُشكُّ فيه،

80
00:03:52.260 --> 00:03:53.884
والبرهانُ العقليُّ أنَّه

81
00:03:53.885 --> 00:03:55.530
فاطرُ السماوات والأرض؛

82
00:03:55.830 --> 00:03:58.944
فكلُّ ما في الكون يدلُّ صحيحَ العقل

83
00:03:59.160 --> 00:04:01.329
سليمَ القلب على وجود الخالق

84
00:04:01.750 --> 00:04:03.593
في مُحاجَجَةِ موسى لفرعون

85
00:04:03.750 --> 00:04:05.687
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ

86
00:04:06.100 --> 00:04:11.000
قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ [القرآن 26: 23-24]

87
00:04:11.200 --> 00:04:13.170
أيْ: بالنظر إلى هذه الكائنات

88
00:04:13.170 --> 00:04:17.703
فإن ربّ العالمين أَعْرَفُ مِن أنْ يُنكَر، وأظهرُ مِن أنْ يُشكَّ فيه

89
00:04:17.820 --> 00:04:18.880
"إنْ كنتم موقنين"

90
00:04:19.090 --> 00:04:22.003
أي: إنْ كنتم مِن أهل اليقين بأيِّ شيءٍ

91
00:04:22.080 --> 00:04:25.325
فإنَّ اليقين بهذا الربِّ أَوْلى مِن كلِّ يقينٍ

92
00:04:25.530 --> 00:04:28.985
وإنْ قلتم: "لا يقينَ لنا بشيءٍ"، فأنتم كاذبون؛

93
00:04:29.100 --> 00:04:34.088
فكلُّ إنسانٍ لا بدَّ له مِن يقينٍ بأمورٍ بَدَهيَّة ضروريَّةٍ...

94
00:04:34.910 --> 00:04:36.087
إلى أنْ قال فرعون:

95
00:04:36.230 --> 00:04:38.960
﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [القرآن 27:26]

96
00:04:39.060 --> 00:04:40.340
فردَّ عليه موسى:

97
00:04:40.590 --> 00:04:45.520
﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [القرآن 28:26]

98
00:04:45.790 --> 00:04:48.940
أي: إنْ أنكرتم اللهَ فأنتم أَوْلى بوصف الجنون؛

99
00:04:49.110 --> 00:04:51.193
لأنَّكم سُلِبتُم العقلَ النافعَ،

100
00:04:51.360 --> 00:04:52.708
فالعقل ما هو؟

101
00:04:52.780 --> 00:04:56.115
هو في الأساس علومٌ ضروريَّةٌ مثل مبدأ السببيَّة

102
00:04:56.280 --> 00:04:58.380
وهي تدلُّ على الخالق سبحانه

103
00:04:58.470 --> 00:05:00.648
فإنْ كان لكم يقينٌ عَرَفتُم اللهَ،

104
00:05:00.700 --> 00:05:03.249
وإنْ كان لكم عقلٌ عرَفْتُم اللهَ،

105
00:05:03.660 --> 00:05:04.650
بنفس المعنى أيضًا

106
00:05:04.950 --> 00:05:07.909
تأمَّل معي مَطلع سورة الجاثية:

107
00:05:07.983 --> 00:05:11.796
﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ

108
00:05:11.896 --> 00:05:17.710
وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ

109
00:05:17.801 --> 00:05:19.486
واختلاف اللّيل والنّهار

110
00:05:19.486 --> 00:05:24.737
وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا

111
00:05:24.807 --> 00:05:28.566
وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

112
00:05:28.696 --> 00:05:36.213
تِلْكَ آيَاتُ اللَّـهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القرآن 45: 3-6]

113
00:05:36.450 --> 00:05:39.026
نفسُ المفاهيم التي في حوار موسى لفرعون؛

114
00:05:39.320 --> 00:05:40.318
(يوقنون)

115
00:05:40.440 --> 00:05:42.877
فالذي عنده يقينٌ فأَوْلى اليقينِ

116
00:05:42.877 --> 00:05:45.514
اليقينُ بالله وبآياته الكونيَّة

117
00:05:45.600 --> 00:05:46.530
(يعقلون)

118
00:05:46.530 --> 00:05:48.931
فمَن عنده عقلٌ فلن ينكر ربَّه،

119
00:05:48.931 --> 00:05:51.990
ولن تكون عنده مشكلة في أن يؤمن بالغيب

120
00:05:52.110 --> 00:05:53.339
وحينئذٍ

121
00:05:53.403 --> 00:05:57.135
﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [القرآن 3:45]

122
00:05:57.600 --> 00:06:01.180
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القرآن 6:45]

123
00:06:01.530 --> 00:06:03.900
فالذي لا يؤمن بالله وآياته الكونيَّة

124
00:06:03.900 --> 00:06:07.657
مع شدَّة ظهورها فأَوْلى به ألَّا يؤمن بشيءٍ؛

125
00:06:07.980 --> 00:06:12.537
لأنَّ الله وآياته أَظْهَر ما يمكن أن يؤمن به إنسانٌ

126
00:06:13.740 --> 00:06:15.858
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القرآن 21:51]

127
00:06:16.090 --> 00:06:18.407
﴿لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [القرآن 10: 67]

128
00:06:18.630 --> 00:06:20.030
فالذي لا يؤمن بالله

129
00:06:20.030 --> 00:06:23.804
كأنَّه ما أبصَرَ ولا سَمِع ولا أحسَّ ولا عَقِل

130
00:06:23.850 --> 00:06:24.780
وقال تعالى:

131
00:06:25.000 --> 00:06:29.640
﴿قُلْ فَلِلَّـهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [القرآن 6: 147]

132
00:06:29.820 --> 00:06:32.276
لله الحُجَّة الدَّالَّةُ على صِدق كلامه

133
00:06:32.400 --> 00:06:33.249
(البالغة)

134
00:06:33.249 --> 00:06:35.880
أيْ: الواصِلة إلى ما قُصِدت لأجله،

135
00:06:35.880 --> 00:06:38.444
وهو أن يُغلَب الخصم وتَبْطُل حُجَّته

136
00:06:38.730 --> 00:06:41.040
هذا كلُّه في إثبات صفات الله تعالى

137
00:06:41.040 --> 00:06:43.430
ووحدانيَّته وتفاصيلَ مِن دِينِه

138
00:06:43.650 --> 00:06:46.640
فكيف بثُبوتِ وجود الله تعالى نفسِه؟

139
00:06:46.860 --> 00:06:49.698
أليس أوَّل اليقين؟ وأَوْلى اليقين؟

140
00:06:49.920 --> 00:06:51.730
في الحلقات القادمة -بإذن الله-

141
00:06:51.780 --> 00:06:53.180
سنزيدُ في التبيان:

142
00:06:53.280 --> 00:06:56.784
لماذا وجودُ الله تعالى أَوْلى بَدَهيَّةٍ عقليَّةٍ؟

143
00:06:56.910 --> 00:06:58.321
والسلام عليكم ورحمة الله