﻿1
00:00:11.980 --> 00:00:13.030
السَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ

2
00:00:13.216 --> 00:00:18.315
أيُّها الأحبَّةُ، سنَبدأُ اليومَ بأصلِ الأصولِ، بإثباتِ وجودِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-

3
00:00:18.338 --> 00:00:22.113
لِنُؤسِّسَ القاعدةَ الَّتي منها ننطلقُ إلى ما بعدَها

4
00:00:22.389 --> 00:00:24.964
بدايةً إخوانِي، ما الَّذِي يدُلُّنا على وجودِ اللهِ؟

5
00:00:25.200 --> 00:00:26.570
إنَّها الفِطْرةُ والعقلُ

6
00:00:26.972 --> 00:00:29.950
وسنتكلَّمُ في البدايةِ عنِ الأدلَّةِ الفطريَّةِ

7
00:00:30.266 --> 00:00:31.131
ما هيَ الفطرةُ؟

8
00:00:31.371 --> 00:00:36.633
كثيرًا ما نسمعُ هذهِ الكلمةَ، ماذا تعنِي؟ وكيفَ تدُلُّ على وجودِ اللهِ تعالى؟

9
00:00:40.041 --> 00:00:43.587
الفطرةُ هي قُوًىً واندفاعاتٌ مودَعَةٌ في نفسِ الإنسانِ،

10
00:00:43.868 --> 00:00:47.567
تظهرُ آثارُها أثناءَ نموِّهِ وتفاعلِهِ معَ بيئتِهِ،

11
00:00:47.797 --> 00:00:50.090
بدءًا مِن الْتِقامِهِ ثديَ أُمِّهِ ليرضعَ،

12
00:00:50.267 --> 00:00:52.989
ثمَّ انجذابِهِ إلى الحقائقِ والأخلاقِ السَّليمةِ

13
00:00:53.173 --> 00:00:58.178
يمكنُ تشبيهُ الفطرةِ للإنسانِ بنِظامِ التَّشغيلِ للحاسوب "Operating System"

14
00:00:58.919 --> 00:01:06.736
نظامُ التَّشغيلِ هذا لهُ مكوِّناتٌ تتعاونُ وتأتلفُ فيما بينَها لتُعطيَ إنسانًا سَوِيًّا

15
00:01:07.125 --> 00:01:11.697
لاحِظْ قولَ اللهِ تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» [القرآن 95: 4]

16
00:01:12.190 --> 00:01:18.281
فأحسنُ تقويمٍ يشملُ المكوِّناتِ الفطريَّةَ اللّازمةَ لتحقيقِ الغايةِ مِنْ خلقِ الإنسانِ

17
00:01:18.439 --> 00:01:20.590
وهيَ تُفهَمُ كذلكَ منْ قولِ اللهِ تعالى،

18
00:01:20.841 --> 00:01:26.475
حِكايةً عن موسى عليهِ السَّلامُ: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [القرآن 20: 50]

19
00:01:26.869 --> 00:01:28.553
فإنَّ مِمَّنْ هدَى: الإنسان؛

20
00:01:28.553 --> 00:01:32.261
فاللهُ تعالى أحسنَ تقويمَ الإنسانِ، وهداهُ بالفطرةِ

21
00:01:32.276 --> 00:01:33.672
فهداهُ بالفطرةِ إلى:

22
00:01:33.672 --> 00:01:37.439
1- الإقرارِ بأنَّ لهُ ولهذا الكونِ خالقًا مُدبِّرًا،

23
00:01:37.888 --> 00:01:42.158
والشُّعورِ بالحاجةِ إلى هذا الخالقِ، وكذلكَ اللُّجوءِ إليهِ عندَ الشَّدائدِ

24
00:01:42.432 --> 00:01:46.271
2- وهداهُ بالفطرةِ الَّتي ستُكَوِّنُ لديهِ المُسَلَّماتِ العقليَّةَ،

25
00:01:46.431 --> 00:01:50.316
والَّتي بِها يَفهمُ خطابَ هذَا الخالقِ وتكليفَهُ إِيَّاهُ

26
00:01:50.948 --> 00:01:55.162
3- وهداهُ إلى السُّؤالِ عنِ الغايةِ منْ وجودِهِ، ومصيرِهِ بعدَ موتِهِ،

27
00:01:55.360 --> 00:02:00.208
بما يُكَوِّنُ القوَّةَ الدّافعةَ للبحثِ عن أمرِ خالقِهِ، والعملِ بهِ

28
00:02:00.586 --> 00:02:06.105
4- وهداهُ أيضًا إلى النَّزعةِ الأخلاقيَّةِ مِنْ محبَّةٍ فطريَّةٍ للخيرِ والعدلِ والصَّلاحِ،

29
00:02:06.176 --> 00:02:11.177
وكراهيةٍ للشَّرِّ والظُّلمِ والفسادِ، بما ينسجمُ معَ أوامرِ الخالقِ الشَّرعيَّةِ،

30
00:02:11.335 --> 00:02:13.509
فيميلُ إلَيها الإنسان ُويحبُّها

31
00:02:13.837 --> 00:02:19.884
5- وهداهُ للشُّعورِ بالإرادةِ الحُرَّةِ بما يجعلُهُ مختارًا لأفعالِهِ في طاعةِ الخالقِ أو معْصيَتِهِ:

32
00:02:20.188 --> 00:02:21.617
«وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ» [القرآن 90: 10]

33
00:02:22.221 --> 00:02:25.772
6- وهداهُ إلى الغرائزِ اللّازمةِ لِمَعيشتِهِ بشكلٍ سَويٍّ،

34
00:02:25.978 --> 00:02:30.980
ما دامَ في فترةِ الاختِبارِ على هذهِ الأرضِ؛ كغريزةِ الأمومِة، وغريزةِ حُبِّ البقاءِ

35
00:02:34.179 --> 00:02:39.269
هذا التَّعريفُ المُوَسَّعُ للفطرةِ تجدُ قريبًا منهُ في كلامِ ابنِ عاشورَ في (التَّحريرِ والتَّنويرِ)

36
00:02:39.269 --> 00:02:43.633
عندَ قولِ اللهِ تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» [القرآن 95: 4]

37
00:02:43.869 --> 00:02:49.909
فهيَ إذًا حُزْمةٌ فطريَّةٌ تتعاونُ بشكلٍ عجيبٍ لتُنتجَ إنسانًا سوِيًّا يعملُ لغايةٍ

38
00:02:50.213 --> 00:02:53.204
قد يحجُبُ الفطرةَ ما يحجُبُها أثناءَ مسيرِ الإنسانِ...

39
00:02:53.533 --> 00:02:57.044
قد يُغالِبُها الإنسانُ، ويَصُمُّ أُذُنَيْهِ عنْ ندائِها،

40
00:02:57.044 --> 00:03:01.212
بلْ ويكبِتُها ويطمِسُها، فلا يعودُ يسمعُ هذا النِّداءَ العميقَ

41
00:03:01.353 --> 00:03:08.173
لكنَّ هذا كُلَّهُ لا يُلغي حقيقةَ أنَّها موجودةٌ أصالةً وابتداءً فيهِ، قبلَ هذِهِ المُغالَبةِ

42
00:03:08.173 --> 00:03:10.962
وتبقى تهجُمُ عليهِ الفَيْنةَ بعدَ الفَيْنةِ،

43
00:03:11.307 --> 00:03:15.667
وتنجذبُ لما ينبشُ عنها وينفضُ الرُّكامَ المُتجمِّعَ عليها

44
00:03:16.073 --> 00:03:19.178
لذا فالفطرةُ تشكِّلُ مأزقًا كبيرًا للملحدينَ؛

45
00:03:19.441 --> 00:03:22.579
فالفطرةُ تشكِّلُ بالنِّسبةِ لهمْ تدخُّلًا خارجيًّا

46
00:03:22.579 --> 00:03:27.781
من قوَّةٍ مُريدةٍ عليمَةٍ مُتعاليةٍ عن التَّفاعلاتِ الحيويَّة الكيميائيَّةِ العشوائيَّةِ

47
00:03:31.543 --> 00:03:36.886
وَرْطةُ الملحدينَ هيَ كوَرْطةِ شخصٍ قالَ لكَ: "هذا جهازُ حاسوبٍ تكوَّنَ بِمَحْضِ الصُّدفةِ

48
00:03:37.101 --> 00:03:39.854
تركَّبتْ أجزاؤُهُ وتناسقَتْ دونَ صانعٍ

49
00:03:40.016 --> 00:03:43.303
وإنَّما رياحٌ عاصفةٌ هَوْجاءُ جمَّعتْهُ على هذا النَّحْوِ..."

50
00:03:43.841 --> 00:03:44.888
فتحْنَا الحاسوب

51
00:03:45.991 --> 00:03:50.331
فإذا فيهِ نظامُ تشغيلٍ كاملٌ متناسقٌ، وبرامجُ لكلٍّ منها غايةٌ

52
00:03:51.022 --> 00:03:53.714
كيفَ تُفسِّرُ وجودَ هذهِ البرامِجِ أيُّهَا الملْحِدُ؟

53
00:03:54.266 --> 00:03:57.755
إنْ بَلعْنا أُكْذوبَتَكَ المُضحِكةَ عن (بالإنجليزيَّة) الجسمِ الصُّلبِ للحاسوبِ،

54
00:03:57.755 --> 00:04:01.699
فكيفَ تُفسِّرُ وجودَ هذا (بالإنجليزيّة) المُحتوَى البرمَجِيِّ في الجهازِ؟

55
00:04:02.445 --> 00:04:07.816
التَّفاعلاتُ الحيويَّةُ الكيميائيَّةُ المجرَّدةُ، والطَّفراتُ العشوائيَّةُ والانتخابُ الطَّبيعيُّ...

56
00:04:07.816 --> 00:04:10.324
لو تجاوزْنَا أنَّها لا يمكِنُها خلقُ إنسانٍ

57
00:04:10.324 --> 00:04:14.061
وسلَّمْنا لكُم، وقلْنا: خَلقَتْ إنسانًا وبثَّتْ فيه الحياةَ،

58
00:04:14.335 --> 00:04:16.017
هذهِ المعاني العمياءُ كلُّها

59
00:04:16.555 --> 00:04:22.313
مِنْ أينَ لها أنْ تودِعَ في عقلِ هذا الإنسانِ ونفسِه هذهِ الحزمةَ المتناسقةَ الموجَّهةَ؟

60
00:04:23.184 --> 00:04:29.267
وكيف تُفسِّرونَ تكوُّنَ هذهِ الحُزْمةِ -هِيَ هِيَ- في كلِّ نفْسٍ جديدةٍ تولَدُ؟

61
00:04:29.826 --> 00:04:31.624
أقرَّ بعضُ الملحدينَ بالمأزقِ

62
00:04:31.624 --> 00:04:37.893
ومنهُمُ الفيلسوفُ البريطانيُّ الملحِدُ (توماس نيجل) "Thomas Nagel" في كتابِهِ المعروفِ بعنوانِ:

63
00:04:37.893 --> 00:04:47.300
Mind and Cosmos: Why the Materialist" Neo-Darwinian Conception Of Nature is

64
00:04:47.301 --> 00:04:48.692
"؟Almost Certainly False

65
00:04:49.245 --> 00:04:50.552
(العقلُ والكونُ:

66
00:04:50.911 --> 00:04:56.064
لماذا التصوُّرُ النِّيو داروِينيُّ للطَّبيعةِ يكادُ يكونُ خطأً قطْعًا؟)

67
00:04:58.396 --> 00:05:04.545
والكتابُ يستعرضُ ثلاثَ قضَايَا أساسيَّةٍ، موضِّحًا عجزَ المادِّيَّةِ الدَّاروينيَّةِ عن تقديمِ حلٍّ لها

68
00:05:04.858 --> 00:05:07.346
وهي: الوعيُ، والإدراكُ، والقِيَمُ

69
00:05:07.429 --> 00:05:09.892
ومعَ ذلِكَ، بقيَ الكاتبُ مُلحدًا!

70
00:05:10.100 --> 00:05:12.654
أمّا عامَّةُ الملحدينَ فكيفَ تعامَلُوا معَ الورْطَةِ؟

71
00:05:13.109 --> 00:05:15.958
تردَّدوا بينَ إنكارِ فِطْريَّةِ هذهِ المُكوِّناتِ؛

72
00:05:16.205 --> 00:05:21.047
أيْ أنَّ منهُمْ منْ أنكرَ وجودَ هذهِ المكوِّناتِ في الإنسانِ -ابْتداءً- معَ ولادتِهِ،

73
00:05:21.374 --> 00:05:25.662
واعتبرَها من تأثيراتِ التَّربيةِ والبيئةِ الاجتماعيَّةِ

74
00:05:26.126 --> 00:05:31.309
ومنهمْ منْ أقرَّ بوجودِها لكنْ حاولَ إيجادَ تفسيراتٍ ماديَّةٍ لها

75
00:05:31.508 --> 00:05:37.741
والطَّرفانِ وقَعَا في أعاجيبِ التَّخبُّطِ والتَّناقضِ واللَّا معقولِ -كما سنرى بإذنِ اللهِ-

76
00:05:40.803 --> 00:05:44.874
كانَ هذا بيانًا لتعريفِ الفطرةِ، ولإشكاليَّةِ الملحدينَ الإجماليَّةِ معَها

77
00:05:45.158 --> 00:05:46.387
في الحلَقاتِ القادمةِ...

78
00:05:46.452 --> 00:05:52.072
سنرَى ورَطاتِ الملحدينَ البائسةَ معَ كلِّ مُكوِّنٍ منْ مُكوِّناتِ الفطرةِ المذكورةِ

79
00:05:52.324 --> 00:05:54.261
لتقولَ بِملءِ فيكَ بعدَها:

80
00:05:54.421 --> 00:05:59.490
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [القرآن 7: 43]

81
00:06:00.673 --> 00:06:04.968
ويجدرُ بالذِّكرِ أنِّي في هذهِ الحلَقاتِ عنِ الأدلَّةِ الفطريَّةِ على وجودِ اللهِ تعالى

82
00:06:04.968 --> 00:06:11.026
قدِ استفدْتُ كثيرًا منْ كتابِ (شُموعِ النَّهارِ) للمهندسِ عبدِ اللهِ العُجَيْرِيِّ -حفظَهُ اللهُ-

83
00:06:11.252 --> 00:06:14.832
ستكونُ حلَقتُنا القادمةُ -بإذْنِ اللهِ تعالى- عن (نزْعةِ التَّديُّنِ)

84
00:06:14.832 --> 00:06:15.807
فكونوا معَنا

85
00:06:15.807 --> 00:06:17.020
والسَّلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللّهِ