﻿1
00:00:06.320 --> 00:00:07.310
السَّلام عليكم

2
00:00:07.400 --> 00:00:10.292
نَعُود إليكم يا كِرام لِنَسير في رحلة اليقين.

3
00:00:10.450 --> 00:00:14.470
المحطَّة الرَئيسَة التَّالية هي مناقشة أصلُ الإنسان:

4
00:00:14.550 --> 00:00:18.110
تَطَوُّر، أمْ تَطوير، أمْ خلقٌ مباشر؟

5
00:00:18.620 --> 00:00:20.458
قبْل الوُصول إلى هذه المحطَّة،

6
00:00:20.458 --> 00:00:24.137
سنعرض لكم حلقاتٍ تُلخِّص بعض المفاهيم المُهمَّة،

7
00:00:24.476 --> 00:00:26.992
نافعة للمتابعين من البداية،

8
00:00:26.992 --> 00:00:30.081
وللمُنضمِّين الجُدُد لرحلة اليقين.

9
00:00:30.320 --> 00:00:33.330
تُعينك على فهمٍ معمَّقٍ للعلاقة

10
00:00:33.330 --> 00:00:36.657
بين العِلْم، والعلم التجريبي، والإيمان، والغيب،

11
00:00:36.960 --> 00:00:40.241
وتُجِيب عن استفساراتٍ مُؤرِّقةً للكثيرين

12
00:00:40.900 --> 00:00:44.092
سننشر هذه الحلقات المركَّزة بشكلٍ مُتَتابع،

13
00:00:44.092 --> 00:00:48.925
ثم نطبِّقها على أصل الإنسان كدراسة حالة (case study)

14
00:00:48.925 --> 00:00:49.683
بإذن الله

15
00:00:49.690 --> 00:00:53.429
حلقة اليوم هي مناقشةٌ لمقولةٍ شائعة،

16
00:00:53.560 --> 00:00:57.098
خلاصتها: (لا تخلطوا الإيمان بالعلم التجريبي)

17
00:00:57.320 --> 00:01:00.425
فالإيمان يَقُوم على قناعاتٍ غيبيَّة؛

18
00:01:00.645 --> 00:01:03.651
بينما العلم التجريبي يقوم على علومٍ مادِّيَّة.

19
00:01:04.320 --> 00:01:07.190
دعونا نناقش هذه العبارات.

20
00:01:07.192 --> 00:01:12.825
هل بالفعل العلم التجريبي مادِّي، ويجب عدم خلطه بالإيمان؟

21
00:01:12.830 --> 00:01:15.524
إذن نحن في حلقة اليوم نحاول أن نرسم

22
00:01:15.524 --> 00:01:20.288
العلاقة بين الإيمان بالخالقيَّة، والمادِّيَّة، والعلم التجريبي.

23
00:01:20.730 --> 00:01:23.100
دعونا بدايةً نُعرِّف مصطلحات.

24
00:01:23.506 --> 00:01:28.645
الإيمان بالخالقيّة: هو الإيمان بأنَّ هناك خالقًا خَلَق الكون والحياة.

25
00:01:29.120 --> 00:01:31.546
المادِّيَّة: تعني استثناء الغيب

26
00:01:31.546 --> 00:01:33.649
-أيَّ شيءٍ خارج إطار المادَّة-،

27
00:01:33.649 --> 00:01:40.983
استثناؤه تمامًا من تفسير الكون والحياة، بما في ذلك استثناء وجود خالق للكون والحياة.

28
00:01:41.140 --> 00:01:43.981
والعلم التجريبي يعني العِلم التَّجريبي الرَّصدي؛

29
00:01:44.130 --> 00:01:45.623
لا أختصره بالعِلم

30
00:01:45.623 --> 00:01:50.297
لأنَّنا سنبرهن على أنَّ العلم التجريبي ليس الشَّكل الوحيد للعِلم،

31
00:01:50.488 --> 00:01:53.800
فالعِلم أعم والعلم التجريبي شكلٌ من أشكاله.

32
00:01:53.800 --> 00:01:57.943
العلم التجريبي يشمل الاختراعات والاكتشافات النَّافعة للإنسان

33
00:01:57.943 --> 00:02:02.019
في الصحَّة، والاتصالات، والنقل، والعمران، وغير ذلك.

34
00:02:02.049 --> 00:02:04.668
تعالوا نر على ماذا يعتمد العلم التجريبي،

35
00:02:04.668 --> 00:02:07.838
ثُمَّ نر هل هذه الأشياء التي يَعتمِد عليها

36
00:02:07.838 --> 00:02:12.704
موجودة في منهج الإيمان بالخالقيَّة، أم في المادِّيَّة؟

37
00:02:12.704 --> 00:02:15.404
لنحكم على العبارات التي ذكرناها.

38
00:02:15.880 --> 00:02:19.201
أوَّلًا: لا شكَّ أن العلم التجريبي يعتمد على العقل

39
00:02:19.389 --> 00:02:26.255
العقل الذي يحلِّل المعلومات، يستنتج، يتوقَّع، يربط، يصوغ الفَرَضيَّات،

40
00:02:26.255 --> 00:02:28.681
يحكم على أشياء بالصِحَّة والبطلان.

41
00:02:28.681 --> 00:02:32.820
ثانيًا: العلم التجريبي يعتمد على مُسَلَّمات، بَدَهِيَّات:

42
00:02:32.820 --> 00:02:35.660
أمور لا يختلف عليها العقلاء.

43
00:02:35.940 --> 00:02:40.953
هذه البَدَهِيَّات ينطلق منها العقل في الرَّبط، والتَّوقع، والاستنتاج؛

44
00:02:40.960 --> 00:02:45.369
ولذلك تُسَمَّى الضَّرورات العقليَّة أو الأوَّليَّات العقلية.

45
00:02:45.440 --> 00:02:46.577
مِثْل ماذا؟

46
00:02:46.747 --> 00:02:50.281
مثل مبدأ السببيَّة: أنَّ كلَّ شيءٍ حادث له سبب.

47
00:02:50.608 --> 00:02:57.392
يعني كلُّ شيءٍ وُجِدَ بعد أن لم يكن موجودًا لا بد أن يكون له سبب.

48
00:02:57.563 --> 00:03:01.749
كلَّما رأيت في العلم التجريبي كلمة (لماذا؟)، فأنت تبحث عن السَّبب.

49
00:03:02.096 --> 00:03:04.779
يعني (ما السَّبب لحصول كذا وكذا؟)

50
00:03:05.000 --> 00:03:07.539
كلَّما رأيت كلمة آليَّة (mechanism)؛

51
00:03:07.539 --> 00:03:08.898
فهي وصفٌ للسَّبب.

52
00:03:09.290 --> 00:03:12.393
في علم الأدوية مثلًا -والذي هو مجالي الأصلي-

53
00:03:12.393 --> 00:03:14.438
ما هي استخدامات دواءٍ معيَّن؟

54
00:03:14.438 --> 00:03:18.954
نعرفها إذا وجدنا أنَّ هذا الدواء كان سببًا للشفاء

55
00:03:18.954 --> 00:03:20.895
في هذه الاستخدامات والأمراض.

56
00:03:21.347 --> 00:03:23.087
حسنًا، كيف يعمل هذا الدواء؟

57
00:03:23.087 --> 00:03:25.967
ما هي الآليَّة لعمله الـ(mechanism)؟

58
00:03:26.190 --> 00:03:29.465
هنا نبحث كيف تسبَّب هذا الدواء في الشفاء؟

59
00:03:30.042 --> 00:03:33.362
لماذا تَحْدث الأعراض الجانبيَّة الفلانيَّة من هذا الدواء؟

60
00:03:33.620 --> 00:03:36.402
نبحث عن السَّبب لنتجنَّب هذه الأعراض.

61
00:03:36.402 --> 00:03:40.606
لماذا تتداخل هذه الأدوية مع أدويةٍ أخرى (interactions)؟

62
00:03:40.836 --> 00:03:44.381
نبحث عن الآليَّة -أي السَّبب- لهذا التداخل.

63
00:03:44.820 --> 00:03:48.336
العلوم في مجملها بحثٌ عن علاقاتٍ سببيَّة،

64
00:03:48.336 --> 00:03:53.533
ونحن ننطلق من قناعةٍ مسبقة، بَدَهِيَّة، مُسَلَّمة،

65
00:03:53.533 --> 00:03:58.926
أنّه لا بدَّ لكلِّ شيءٍ حادث في هذا الكون من سبب.

66
00:03:59.180 --> 00:04:03.067
ونضحك إذا قِيلَ لنا في الجواب عن أيٍّ من هذه الأسئلة:

67
00:04:03.067 --> 00:04:04.802
"هكذا حصل بلا سبب".

68
00:04:05.080 --> 00:04:08.927
بل نوقن أنَّ هناك سببًا ونسعى في اكتشافه.

69
00:04:09.280 --> 00:04:12.570
ثالثًا: العلم التجريبي يعتمد على تراكُم المعرفة؛

70
00:04:12.570 --> 00:04:15.800
أي على ما يُخبِر به الباحثون قبلنا

71
00:04:15.800 --> 00:04:18.467
من نتائج أبحاثهم واكتشافاتهم.

72
00:04:18.467 --> 00:04:23.347
لا يمكن لأي باحثٍ أن يعيد كل شيءٍ من البداية تمامًا

73
00:04:23.347 --> 00:04:24.426
(from the scratch).

74
00:04:24.700 --> 00:04:27.044
ليس عليه أن يعيد اكتشاف ما تَمَّ اكتشافه،

75
00:04:27.225 --> 00:04:31.518
بل يبني على إخبار الباحثين السابقين عن نتائجهم،

76
00:04:31.678 --> 00:04:36.485
مع مراعاة آليات التأكد من مدى موثوقية هذه الأخبار

77
00:04:36.485 --> 00:04:38.160
-يعني هذه النتائج-

78
00:04:38.160 --> 00:04:42.610
وأنها (reproducible)، أي قابلةٌ للإنتاج مرةً أخرى.

79
00:04:42.775 --> 00:04:48.550
أيُّ بحثٍ علمي جديد فإنه يقوم بخطوة مراجعة ما تم نشره (literature review)

80
00:04:48.550 --> 00:04:50.797
لِيُبيِّن أين وصل العلم التجريبي؛

81
00:04:50.797 --> 00:04:53.086
ما الذي أَخْبر به الباحثون السابقون؟

82
00:04:53.086 --> 00:04:55.331
فيبني عليه ويستفيد منه.

83
00:04:55.460 --> 00:05:01.662
ثم قد يُبيِّن ما هي المعلومات الناقصة التي لم يجربها أو يبحث فيها الآخرون

84
00:05:01.662 --> 00:05:05.416
ليجربها هذا البحث الجديد ويضيف إلى البناء المعرفي.

85
00:05:05.803 --> 00:05:08.114
رابعًا: العلم التجريبي يعتمد على الحِسّ،

86
00:05:08.114 --> 00:05:11.255
والذي يُدخِل مدخلات إلى هذه المنظومة المعرفيَّة.

87
00:05:11.496 --> 00:05:15.920
الحِسّ قد يرصد الأشياء وقد يرصد آثارها،

88
00:05:16.193 --> 00:05:19.230
فمِن تفاعل الحِسِّ مع العقل والبَدَهيِّات،

89
00:05:19.293 --> 00:05:25.551
يستنتج الإنسان وجود هذه الأشياء من آثارها، وإن لم تكن مرصودة بذاتها.

90
00:05:25.993 --> 00:05:31.073
سؤال يا كرام: حتى الآن، هل هناك عاقلٌ يخالف فيما ذكرناه؟

91
00:05:31.611 --> 00:05:35.909
هل هناك عاقل يُنكر اعتماد العلم التجريبي على هذه الأشياء الأربعة؟

92
00:05:36.290 --> 00:05:39.707
إذن دعونا نسميها مصادر العلم التجريبي:

93
00:05:39.990 --> 00:05:45.943
العقل، والمُسلَّمات البَدَهيَّة مثل أن لكل شيءٍ حادث في الكون سببا،

94
00:05:46.385 --> 00:05:48.941
والخبر: يعني الأبحاث السابقة،

95
00:05:49.219 --> 00:05:52.941
والحِسّ والذي يشمل رصد الأشياء أو رصد آثارها.

96
00:05:53.303 --> 00:05:57.591
العلم التجريبي ينتج عن تفاعل هذه العناصر الأربعة.

97
00:05:57.880 --> 00:06:01.110
أهذه المصادر الأربعة التي يعتمد عليها العلم التجريبي

98
00:06:01.114 --> 00:06:06.359
موجودةٌ يا تُرى لدى منهج الإيمان بالخالقيَّة أم لدى المادِّيَّة؟

99
00:06:06.708 --> 00:06:07.690
تعالوا نر.

100
00:06:07.860 --> 00:06:09.629
أولًا: بالنسبة للعقل،

101
00:06:09.956 --> 00:06:14.659
الإيمان بالخالقية يعني الإيمان بأنَّ الكون والحياة والإنسان

102
00:06:14.709 --> 00:06:17.319
مخلوقاتٌ من خالقٍ كامل الصفات،

103
00:06:17.319 --> 00:06:19.411
أوجدها عن علمٍ وحكمة،

104
00:06:19.582 --> 00:06:23.492
وأعطى الإنسان عقلًا موثوقًا مهيَّئًا لاكتشاف الحقائق،

105
00:06:23.492 --> 00:06:28.288
وبالتالي يمكن الاعتماد على هذا العقل في التحليل، والاستنتاج،

106
00:06:28.288 --> 00:06:32.064
والحكم على الأشياء أنَّها صحيحة أو خاطئة،

107
00:06:32.064 --> 00:06:34.820
فيمكن استخدامه في إنتاج العلم التجريبي.

108
00:06:35.317 --> 00:06:39.314
في المقابل، المادِّيَّة ترفض هذه المقدِّمة

109
00:06:39.314 --> 00:06:42.672
(أنَّ الكون والحياة والإنسان هي مخلوقاتٌ لخالق)،

110
00:06:42.720 --> 00:06:47.154
وتفترض المادِّيَّة بديلًا عن ذلك أنَّها نتيجة الصُّدفة.

111
00:06:47.300 --> 00:06:50.764
كما في هذه الورقة مثلًا عن تاريخ العلم التجريبي الغربي،

112
00:06:50.764 --> 00:06:56.263
والتي تضع عنوان: افتراضات العلم الغربي عبر تطوره التاريخي،

113
00:06:56.263 --> 00:06:59.950
ثم تذكر من هذه الافتراضات أن العالَم المادِّي

114
00:06:59.950 --> 00:07:06.953
متجمِّعٌ بالصُّدفة من أصغر وحدةٍ فيزيائيَّةٍ فيه إلى أكبر التركيبات والعلاقات.

115
00:07:07.160 --> 00:07:12.262
إذن فحسب المادِّيَّة، الدماغ وأدوات الإدراك جاءت بالصُّدفة

116
00:07:12.262 --> 00:07:15.023
وبالتَّالي فالعقل جاء بالصُّدفة

117
00:07:15.151 --> 00:07:16.546
دون قصدٍ من أحد.

118
00:07:16.990 --> 00:07:22.869
حسنًا كيف أثق بعقلٍ جاء بالصُّدفة أن يدلَّني على الحقائق؟

119
00:07:23.312 --> 00:07:26.688
كيف أثق باستنتاجاته وتحليلاته وفهمه

120
00:07:27.007 --> 00:07:32.267
إذا كان جاء بالصُّدفة ولم يُهَيَّأ أصلًا لاكتشاف حقائق الأشياء؟

121
00:07:32.505 --> 00:07:36.986
بل ليس مُصمَّمًا، ولا مخلوقًا بقصدٍ أصلًا!

122
00:07:37.397 --> 00:07:44.348
هذا السُّؤال وحده كافٍ في إثبات القطيعة التامَّة بين المادِّيَّة والعلم التجريبي.

123
00:07:44.659 --> 00:07:47.240
واسمحوا لي أن أركِّز على هذه النُّقطة

124
00:07:47.240 --> 00:07:50.358
لأنَّها كافيةٌ في بيان تفاهة المادِّيَّة.

125
00:07:50.660 --> 00:07:54.551
بدايةً: قد تُفاجأُ إذا علمتَ أنَّ داروين "Darwin" نفسه

126
00:07:54.551 --> 00:07:56.339
طعن في مصداقية العقل،

127
00:07:56.380 --> 00:07:59.838
حيث قال في مراسلاته مع ويليام غراهام "William Graham":

128
00:07:59.838 --> 00:08:05.636
"ينتابني دائمًا شكٌّ فظيع حول ما إذا كانت قناعات عقل الإنسان،

129
00:08:05.974 --> 00:08:15.212
والذي بدوره تطوَّر من عقول حيوانات أدنى، تتمتَّع بأيَّة قيمة أو تستحقُّ أدنى ثقة."

130
00:08:15.557 --> 00:08:18.805
وستجد مثل كلامه هذا في ملحق كتابه

131
00:08:18.805 --> 00:08:21.827
(أصل الأنواع طبعة Ontario: Broadview)

132
00:08:21.827 --> 00:08:29.298
حيث يصف عقل الإنسان بأنَّه تَطوَّر عن عقلٍ كعقل أدنى حيوان وعليه يُشكِّك في مصداقيته.

133
00:08:29.610 --> 00:08:34.975
طبعًا عندما تسمع هذا الكلام لداروين، ستتصوَّر أنَّه كان صادقًا مع نفسه،

134
00:08:34.975 --> 00:08:38.795
يُبدِي حيرته هذه أمام الناس في سبيل الوصول إلى الحقّ.

135
00:08:39.550 --> 00:08:41.893
في الواقع، دارون كان يقول هذه العبارات

136
00:08:41.893 --> 00:08:45.918
على سبيل إنكار أن يكون للكون والحياة خالق.

137
00:08:46.210 --> 00:08:50.985
يقول: "الإنسان إذا نظر إلى الكون والكائنات الحيَّة فلا يمكن لعقله

138
00:08:50.985 --> 00:08:53.480
إلا أن يُقِرَّ بأنَّه لا بُدَّ لها من خالق،

139
00:08:53.480 --> 00:08:56.570
وأنَّه يستحيل عقلًا أن تأتي هذه كلها بالصُّدفة.

140
00:08:56.570 --> 00:09:02.815
لكن، لماذا نُصدِّق عقولنا وقد تطورت بالصُّدفة عن عقول كائناتٍ أدنى؟".

141
00:09:03.790 --> 00:09:08.840
حسنًا يا داروين، لماذا تشكِّك في صدق العقل عندما يدلُّك على وجود الخالق فقط؟

142
00:09:09.295 --> 00:09:13.398
لماذا لا تشكِّك في عقلك عندما جاء بسيناريوهاتك

143
00:09:13.398 --> 00:09:15.206
عن التطوُّر الصُّدفي الأعمى؟

144
00:09:15.450 --> 00:09:19.039
إذا كان عقلك غير موثوق فلا تصدقه في أي شيء.

145
00:09:19.310 --> 00:09:22.676
ليس لك أن تصدِّقه في شيءٍ وتكذِّبه في آخر.

146
00:09:23.170 --> 00:09:27.400
قد يقول قائل: يا أخي ما لي وما لداروين ومقولات داروين القديمة.

147
00:09:27.400 --> 00:09:29.928
مر على وفاة دارون حوالي قرن ونصف.

148
00:09:30.362 --> 00:09:36.296
حسنًا ماذا إذا علمت أنَّ كثيرًا من كبار المادِّيِّين بعده نَصُّوا على نفس النتيجة،

149
00:09:36.590 --> 00:09:41.791
أن العقل لا يمكن تصديقه والوثوق به لمعرفة الحقيقة.

150
00:09:42.223 --> 00:09:44.530
وسآتي لكم بمقاطع موثَّقة

151
00:09:44.792 --> 00:09:46.876
من محاضرة الدكتور سامي العامري

152
00:09:46.876 --> 00:09:50.652
(الداروينية حجةٌ للإلحاد أم حجةٌ عليه؟).

153
00:09:50.780 --> 00:09:52.303
[هل تعرف فرانسيس كريك (Francis Crick)؟

154
00:09:52.909 --> 00:09:55.649
البيولوجي الشهير جدًّا، والملحد الشهير جدًّا،

155
00:09:55.649 --> 00:09:57.112
وهو حاصل على جائزة نوبل.

156
00:09:57.112 --> 00:10:01.579
هذا رجل من أشدِّ الملاحدة تطرُّفًا.

157
00:10:02.189 --> 00:10:04.835
يقول في كتابه (The Astonishing Hypothesis)

158
00:10:05.273 --> 00:10:07.499
يقول بالحرف الواحد:

159
00:10:07.499 --> 00:10:12.171
"لم تتطوَّر أدمغتنا المتقدِّمة للغاية تحت ضغط اكتشاف الحقائق العلمية

160
00:10:12.397 --> 00:10:18.391
ولكن فقط لتمكيننا من أن نكون أذكياء بما يكفي للبقاء على قيد الحياة".]

161
00:10:18.760 --> 00:10:23.830
تعالوا نر كلام علماء من رؤوس الماديين لا زالوا أحياء.

162
00:10:24.237 --> 00:10:28.572
يقول الفيلسوف جون غري "John Gray"

163
00:10:28.572 --> 00:10:32.222
بهذه العبارة: "إذا كانت نظرية دارون

164
00:10:32.222 --> 00:10:33.963
في الانتقاء الطبيعي صحيحةً،

165
00:10:33.963 --> 00:10:39.227
فإنَّ العقل البشري يخدم النجاح التطوري، وليس الحقيقة."

166
00:10:39.360 --> 00:10:43.370
وكذلك عالم النفس الملحد ستيفن بينكر "Steven Pinker" في كتابه

167
00:10:43.370 --> 00:10:44.860
(كيف يعمل العقل).

168
00:10:45.190 --> 00:10:48.082
يقول: "أدمغتنا شُكِّلت للمُلاءمة

169
00:10:48.400 --> 00:10:52.919
-يعني على مبدأ البقاء للأصلح أو الأكثر ملاءمةً للطبيعة- "وليس للحقيقة.

170
00:10:52.920 --> 00:10:56.861
أدمغتنا شُكِّلت للملاءمة وليس للحقيقة،

171
00:10:56.861 --> 00:10:58.220
(not for truth)

172
00:10:58.220 --> 00:11:03.254
أحيانًا تكون الحقيقة تكيُّفيَّة، ولكن أحيانًا أخرى لا تكون كذلك."

173
00:11:03.890 --> 00:11:06.641
يعني أثناء تطوُّرنا عن كائناتٍ أدنى،

174
00:11:06.641 --> 00:11:09.847
تطوَّرت عقولنا بما يكشف الحقيقة أحيانًا

175
00:11:09.847 --> 00:11:11.218
ويساعد على البقاء.

176
00:11:11.530 --> 00:11:16.692
وأحيانًا أخرى، نشأت لدينا أوهام ساعدتنا على التكيُّف مع الطبيعة.

177
00:11:16.692 --> 00:11:23.403
أوهام مخالفة للحقيقة، لكنها بقيت لدينا في عقولنا لأنها حقَّقت لنا البقاء.

178
00:11:23.680 --> 00:11:27.292
وهو ما يؤكده أيضًا دوكينز في جلسته مع كراوس "Krauss"

179
00:11:27.292 --> 00:11:32.300
وهما يحاولان إقناع الناس بأنَّ الكون أوجد نفسه بنفسه من لاشيء.

180
00:11:32.482 --> 00:11:40.714
طبعا البداهة العقلية جاءت مما كان ضروريا لبقائنا في أفريقيا.

181
00:11:40.714 --> 00:11:44.996
كان عليهم أن يعيشوا، أن يعرفوا كيف يصطادون جواميس البافلو، كيف يجدون نبع ماء

182
00:11:45.071 --> 00:11:49.222
كيف يتسلفون شجرة عندما يهاجمهم أسد أو ما شابه

183
00:11:49.306 --> 00:12:00.215
وبالتالي فالانتخاب الطبيغي لم يشكل عقولنا أبدا لنفهم نظرية الكم أو النظرية النسبية

184
00:12:00.281 --> 00:12:08.631
إنه حقيقة لإنجاز مدهش للعقل البشري أن يكون بعض البشر على الأقل قادرين على الفهم

185
00:12:09.428 --> 00:12:11.870
إذًا ببساطة يريد دوكينز أن يقول لك:

186
00:12:11.870 --> 00:12:15.200
إذا رأيت كلامنا عن كونٍ أوجد نفسه بنفسه

187
00:12:15.200 --> 00:12:22.221
وما شابه مُصادمًا لعقلك، فهذا لأنَّ عقلك تطوَّر فقط بالمقدار الذي يسمح لك بالبقاء

188
00:12:22.347 --> 00:12:24.952
كباقي البهائم، لا لِيدركَ الحقائق.

189
00:12:25.160 --> 00:12:29.972
فعليك أن تثق بمن تطوَّر عقلهم أكثر بدرجةٍ سمحت لهم أن يفهموا

190
00:12:29.972 --> 00:12:31.682
ما لم تفهمه أنت من نظريات،

191
00:12:31.682 --> 00:12:37.455
وبالتالي يستنتجوا عن الكون والحياة ما تظنُّه أنت جنونًا أو مصادمًا للعقل.

192
00:12:37.910 --> 00:12:41.457
سُئل أحد المروجين للإلحاد مات ديلاهنتي "Matt Dillahunty"،

193
00:12:41.900 --> 00:12:48.308
كيف تستطيع أن تثق بعقلك وأنت تؤمن أنه جاء صدفة بلا تصميم؟

194
00:12:48.802 --> 00:12:54.685
هل تثق بعقلك لمجرد أن هذا العقل الذي جاء بالصُّدفة أخبرك أن تثق به؟

195
00:12:55.070 --> 00:13:00.526
انظر إلى التخبُّط والتهرُّب في جواب هذا الملحد والذي سنضعه لكم في التعليقات.

196
00:13:00.526 --> 00:13:06.970
قد يقول أحد المادِّيِّين يا أخي ما لي وما لهؤلاء كلّهم لست ملزما بكلامهم ولا يمثُّلني،

197
00:13:06.970 --> 00:13:09.815
أنا مادِّي ومع ذلك أحترم العقل وأثق به.

198
00:13:10.058 --> 00:13:10.577
آها.

199
00:13:11.240 --> 00:13:17.370
نحن نأتي بكلام هؤلاء لأنَّهم يصرِّحون بما ينتج حتمًا عن المادِّيَّة، واستثناء وجود خالقٍ

200
00:13:17.650 --> 00:13:19.295
خَلقَ العقل عن حكمة.

201
00:13:19.640 --> 00:13:22.092
هذا ما ستؤدِّي إليه المادِّيَّة حتمًا،

202
00:13:22.542 --> 00:13:26.487
فهؤلاء المادِّيُّون ببساطة حاولوا الانسجام

203
00:13:26.690 --> 00:13:31.562
مع أسسهم المادِّيَّة فخرجوا بهذه النتائج الملغية للعقل.

204
00:13:31.718 --> 00:13:37.103
أنت عندما تقول أنا ماديّ ومع ذلك أثق بالعقل، أثق بعقلي ولا أقبل كلام هؤلاء،

205
00:13:37.250 --> 00:13:42.207
فأنت ببساطة تتنكَّر لمادِّيَّتك ولا تنسجم معها.

206
00:13:42.552 --> 00:13:49.724
ثقتك بعقلك ليس لها أي أساس، اضطررتَ أن تسرق ثقتك هذه من منهج الإيمان بالخالقية.

207
00:13:50.138 --> 00:13:53.740
فالذي يقول أنه مادِّي هو أمام أحد خيارين:

208
00:13:54.177 --> 00:14:00.894
إما أن يلتزم بأسسه المادِّيَّة وبالتالي يصل لنفس النتيجة التي وصلها هؤلاء،

209
00:14:01.120 --> 00:14:02.495
أنه لا قيمة لعقله،

210
00:14:02.842 --> 00:14:07.895
وإما أن يتنكر لمادِّيَّته حتى يستطيع أن يستخدم عقله ويثق به.

211
00:14:08.523 --> 00:14:11.500
أنتم يا إخواني متصورين ما معنى هذا الكلام؟

212
00:14:11.985 --> 00:14:15.081
متصوِّرين كمِ الطرح المادِّي بائس ومنهار من أساسه؟

213
00:14:15.556 --> 00:14:17.907
يعني حينما يبدأ أحد معك بمقدمة أنه:

214
00:14:18.080 --> 00:14:20.905
استثن لي وجود خالق ونحن نتكلم في االعلم التجريبي،

215
00:14:21.510 --> 00:14:24.230
فقل له: على أيِّ أساسٍ ستناقشني؟

216
00:14:24.230 --> 00:14:26.087
سيقول: العقل.

217
00:14:26.087 --> 00:14:30.031
قل له: كيف جاء هذا العقل؟ ما دام لا خالق عنده

218
00:14:30.031 --> 00:14:33.648
سيقول: بالصُّدف، والطَّفرات العشوائيَّة، والانتخاب الأعمى.

219
00:14:34.220 --> 00:14:37.386
قل له: كيف ستثق بعقلك هذا إذن؟

220
00:14:37.386 --> 00:14:42.130
عقلك هذا لا قيمة له، ولا لأحكامه، ولا استنتاجاته،

221
00:14:42.130 --> 00:14:44.288
ولا تحليلاته، ولا تفسيراته.

222
00:14:44.400 --> 00:14:47.929
عقلٌ غير موثوق لا يستحقُّ أن أناقشه.

223
00:14:48.380 --> 00:14:54.514
تصوَّر أنَّك تقبَّلت فكرة أن هناك طائرة تشكَّلت بمجموع الصُّدف دون أن يقصد أحدٌ صنعها،

224
00:14:54.514 --> 00:14:57.098
فهل أنت مستعدٌّ بعد ذلك أن تطير فيها؟

225
00:14:57.389 --> 00:15:03.331
ونحن نسمع كيف يمكن لأدنى خلل في صناعة الطَّائرة أن يؤدِّي إلى سقوطها وتحطمها.

226
00:15:03.848 --> 00:15:09.927
هل تتصوَّرون بعد ذلك يا كرام ما معنى عقل تشكل بالصُّدف دون قصد؟

227
00:15:09.927 --> 00:15:13.360
وبالتالي إلغاء قيمة العقل في الدلالة على الحقيقة.

228
00:15:13.610 --> 00:15:19.115
إذن فالمادية التي تستثني وجود خالق عليمٍ حكيمٍ من تفسير الكون والحياة

229
00:15:19.240 --> 00:15:22.816
تهدم قيمة العقل ومصداقيته تمامًا،

230
00:15:23.232 --> 00:15:27.664
وبالتالي تهدم قيمة الاستنتاجات، والتأمُّلات، والتحليلات

231
00:15:27.890 --> 00:15:30.863
التي يمارسها العقل في إنتاج العلم التجريبي.

232
00:15:31.130 --> 00:15:37.315
وهذا وحده كافٍ في إثبات أن العلم التجريبي لا يمكن أبدًا وصفه بأنه ماديّ،

233
00:15:37.500 --> 00:15:43.005
فهو يحتاج العقل الذي لا قيمة له إلا في منهج الإيمان بالخالقيَّة.

234
00:15:43.237 --> 00:15:47.232
مضحكٌ جدًّا أن يُوصَف العلم التجريبي بعد ذلك بأنه مادي.

235
00:15:47.445 --> 00:15:49.292
هل نكتفي بهذا القدر؟ لا.

236
00:15:49.630 --> 00:15:53.164
دعونا نتابع ونتكلَّم عن المصدر الثَّاني للعلم التجريبي!

237
00:15:53.350 --> 00:15:58.635
الأمور المُسَلَّمة البَدَهيَّة، مثل أن كلَّ شيءٍ في الكون والحياة له سبب.

238
00:15:59.240 --> 00:16:03.980
في العلم التجريبي، العقل يحلِّل المدخلات الحسِّية بناءً على مُسَلَّماتٍ بَدَهيَّة،

239
00:16:03.980 --> 00:16:05.046
فيخرج بالنتائج.

240
00:16:05.401 --> 00:16:07.595
تريد أن تعرف سبب حصول سرطانٍ ما؟

241
00:16:07.813 --> 00:16:12.253
ممكن تأخذ عيِّنات من بعض المرضى المصابين بهذا السرطان،

242
00:16:12.253 --> 00:16:15.115
تحلِّلها، تكتشف فيها أشكال من الخلل،

243
00:16:15.115 --> 00:16:19.741
لكن ليس شرطًا أنَّ كلَّ هذه الاعتلالات تسبَّبت في حصول السرطان؛

244
00:16:19.926 --> 00:16:22.764
لأنَّ الاقتران لا يعني التسبُّب بالضَّرورة.

245
00:16:22.764 --> 00:16:24.660
(correlation does not imply causation)

246
00:16:24.660 --> 00:16:25.520
كما بينَّا.

247
00:16:25.710 --> 00:16:26.777
فماذا تعمل؟

248
00:16:27.250 --> 00:16:31.594
تصمِّم تجارب تجرِّب فيها إحداث واحدة واحدة من هذه الاعتلالات على حدة مثلًا

249
00:16:31.813 --> 00:16:33.747
وترى أيها السَّبب، وهكذا،

250
00:16:33.747 --> 00:16:35.902
ونستخدم عقولنا في هذا كلِّه.

251
00:16:36.160 --> 00:16:39.590
لكن، لماذا نفترض أساسًا أنَّ السرطان له سبب؟

252
00:16:39.880 --> 00:16:42.478
لا، هذه مسلَّمةٌ بدهيَّة؛

253
00:16:42.478 --> 00:16:44.817
ضرورة انطلق العقل منها

254
00:16:44.817 --> 00:16:49.539
مثلها مثل المسلَّمات الرياضيَّة أنَّ 1 + 1 = 2.

255
00:16:49.539 --> 00:16:51.842
هذه ليست أشياء يثبتها العقل

256
00:16:51.842 --> 00:16:56.592
بل هي مقدماتٌ بدهيَّة ضروريَّة ينطلق منها العقل.

257
00:16:56.953 --> 00:16:58.080
حسنًا، تعالوا نر.

258
00:16:58.579 --> 00:17:05.744
في منهج الإيمان بالخالقيَّة هذه المسلَّمات البدهيَّة هي من إيجاد خالقٍ حكيمٍ عليمٍ

259
00:17:05.991 --> 00:17:08.582
أعطى كلَّ شيءٍ خَلْقه ثمَّ هدى.

260
00:17:08.899 --> 00:17:12.501
هذه المسلمات موثوقةٌ ويُعْتَمَد عليها.

261
00:17:12.770 --> 00:17:17.744
بِغَضِّ النظر هل ستعتبرها جزءًا من العقل، من الفطرة، أو من العقل الفطري

262
00:17:17.744 --> 00:17:18.810
كما يسمِّيه البعض.

263
00:17:19.049 --> 00:17:23.129
المهم أنها جزءٌ من تكوين كلِّ إنسانٍ سويٍ غير مجنون.

264
00:17:23.520 --> 00:17:28.143
حسنًا، في المادِّيَّة، هل هذه البَدَهيَّات موثوقة ويمكن الاعتماد عليها؟

265
00:17:28.471 --> 00:17:33.472
لا؛ لأنها اعتقاد إنسانٍ جاء نتيجة الصُّدفة،

266
00:17:33.599 --> 00:17:37.872
اعتقاده بها جاء نتيجة الصُّدفة والتغيُّرات العشوائيَّة والانتخاب الأعمى.

267
00:17:38.050 --> 00:17:42.072
وحتى الذين يقولون إنَّها نتيجة استقراءٍ للمدخلات الحسِّية،

268
00:17:42.072 --> 00:17:46.820
هذا الاستقراء يتم بالعقل الذي لا يُعْتَمَد عليه في معرفة الحقيقة

269
00:17:46.820 --> 00:17:49.364
حسب المادِّيَّة وهو كذلك استقراءٌ ناقص.

270
00:17:49.480 --> 00:17:53.829
يقول دوكنز عن فكرة أن الكون أوجد نفسه بنفسه من لاشيء:

271
00:17:53.984 --> 00:17:56.704
[هذا يعارض بالفعل البدهيات

272
00:17:56.704 --> 00:17:58.734
لكن كما قلت سابقا

273
00:17:58.757 --> 00:18:00.407
لا يمكنك الاعتماد على البدهيات

274
00:18:00.407 --> 00:18:03.863
لو كان بإمكانك فعل الأشياء بالبدهيات لما احتجنا إلى فيزيائيين]

275
00:18:03.940 --> 00:18:06.155
وكذلك البروفيسور ريتشارد ليونتون "Richard Lewontin"

276
00:18:06.155 --> 00:18:12.451
الذي قال ما خلاصته: "أن التزامنا بالمادية يحتِّم علينا قبول ادِّعاءاتٍ

277
00:18:12.451 --> 00:18:15.700
تبدو سخيفةً متعارضةً مع البَدَهيَّات؛

278
00:18:15.700 --> 00:18:20.728
لأن علينا أن لا نسمح لأيِّ قدمٍ إلهيةٍ بالولوج من الباب"

279
00:18:20.931 --> 00:18:24.376
يعني يجب استثناء فكرة وجود خالقٍ من العلم التجريبي،

280
00:18:24.526 --> 00:18:28.934
حتى وإن أدَّى ذلك لأقوالٍ مصادمةٍ للبَدَهيَّات،

281
00:18:28.934 --> 00:18:33.919
كما بيَّنَّا النُقُولات عنه وعن غيره في حلقة (إله فجوات الملحدين).

282
00:18:34.111 --> 00:18:38.352
بهذا المنطق الذي ذكرناه للمادِّيِّين يُسَدُّ باب العِلم،

283
00:18:38.352 --> 00:18:42.433
ويمكن أن يُجاب عن أيِّ سؤالٍ عن السَّبب والآليَّة بجواب:

284
00:18:42.433 --> 00:18:46.727
هذا المرض حدث بلا سبب، هذا التَّفاعل ليس له آليَّة.

285
00:18:46.727 --> 00:18:50.505
وقد بيَّنَّا في حلقة (كيف يهدم الإلحاد العقل والعِلم)

286
00:18:50.675 --> 00:18:53.370
إلى أين وصل إنكار الضَّرورات العقليَّة،

287
00:18:53.370 --> 00:18:58.040
وكيف أدَّى إلى القول بعدم وجود حقائق موضوعيَّة للأشياء.

288
00:18:58.040 --> 00:19:03.791
يعني حتى كلمة "حقائق علمية" لا يعود لها أيَّة قيمة بإنكار الضرورات العقلية.

289
00:19:04.146 --> 00:19:07.383
وبهذا رأينا كيف أنَّ المصدر الثاني للعلم التجريبي،

290
00:19:07.383 --> 00:19:11.305
ألا وهو الضرورات العقليَّة، ينهدم تمامًا في المادِّيَّة،

291
00:19:11.305 --> 00:19:14.561
ولا يسلم إلَّا بالإقرار بالخالقيَّة.

292
00:19:14.561 --> 00:19:17.945
المصدر الثالث لللعلم التجريبي هو أخبار الباحثين الآخرين.

293
00:19:18.096 --> 00:19:25.006
في منهج الإيمان بالخالقيّة، الخبر معتبرٌ بعد التحقُّق من صحَّته بالوسائل المناسبة.

294
00:19:25.490 --> 00:19:29.686
فإذا تضافرت أخبار الباحثين السابقين على نتيجةٍ معيَّنة،

295
00:19:30.050 --> 00:19:33.338
بما يجعل الكذب أو الخطأ فيها مستبعدًا،

296
00:19:33.338 --> 00:19:37.418
فإنَّ هذه النَّتيجة يُعْتَمد عليها ونستطيع أن نبني عليها

297
00:19:37.632 --> 00:19:41.912
ونوظفها في اكتشاف إضافةٍ جديدةٍ للعلم التجريبي.

298
00:19:42.319 --> 00:19:47.637
لكن لحظة، حتى إن كانت النتيجة صادقةً ودقيقة، لماذا أعتمد عليها؟

299
00:19:47.930 --> 00:19:53.377
أليس من الممكن أن أقوم بنفس التجربة تمامًا، وبنفس الظروف تمامًا،

300
00:19:53.377 --> 00:19:59.230
وأحصل على نتيجة مختلفة لأنه ليس هناك قوانين ولا نظام ولا سُنَنيَّة؟

301
00:19:59.450 --> 00:20:01.007
الجواب نعم؛

302
00:20:01.007 --> 00:20:07.090
لأن الخالق الحكيم العليم جعل الكون يسير حسب سننٍ كونيَّة وقوانين ثابتة،

303
00:20:07.568 --> 00:20:11.533
بحيث تسلك الأشياء سلوكًا مشابهًا إذا وضعت في الظروف نفسها،

304
00:20:11.630 --> 00:20:14.811
وبالتالي أستفيد من علوم الآخرين وأبني عليها،

305
00:20:14.999 --> 00:20:17.432
ويصبح من السفاهة أن أشكِّك فيها

306
00:20:17.432 --> 00:20:21.345
وأعيد كلَّ شيء من الصفر قبل أن أضيف إضافة جديدة.

307
00:20:21.749 --> 00:20:26.853
أمَّا حسب المادِّيَّة، فلا يمكن التصديق إلا بالمحسوس بشكلٍ مباشر،

308
00:20:26.853 --> 00:20:32.030
وبما أني لم أقم بهذه التجارب بنفسي فلا يمكنني الاعتماد على أخبار الآخرين،

309
00:20:32.250 --> 00:20:35.425
بل عليَّ أن أقوم بها وأرى نتائجها بنفسي.

310
00:20:35.708 --> 00:20:39.182
طبعًا ليس هذا ما يقوم به المجتمع العلمي في الحقيقة؛

311
00:20:39.182 --> 00:20:44.214
بعض التجارب المهمة قد تتناقلها آلاف الأبحاث، وتحيل عليها،

312
00:20:44.214 --> 00:20:49.673
وتستشهد بها مع أن الذين باشروها بأنفسهم واحد، أو اثنان، أو ثلاثة.

313
00:20:50.041 --> 00:20:55.121
أيضًا، حسب المادِّيَّة فلا ضمانة لثبات السنن وانتظامها ووجود قوانين

314
00:20:55.121 --> 00:20:57.778
ما دام الكون والحياة نتيجة الصُّدفة

315
00:20:57.778 --> 00:21:02.007
من أصغر شيءٍ فيهما إلى أكبر شيءٍ كما تفترض المادِّيَّة.

316
00:21:02.265 --> 00:21:08.274
لذلك إذا قمت أنت بتجربة وخرجت بمشاهدة، فمشاهداتك وتجاربك لا تعنيني

317
00:21:08.532 --> 00:21:12.072
ولا يمكن الاستفادة منها ولا البناء عليها.

318
00:21:12.116 --> 00:21:17.754
إذ ما الذي يضمن لي أنِّي لو أعَدْت تجربتك فسأخرج بالمشاهدات نفسها؟

319
00:21:17.989 --> 00:21:22.554
هذا الادِّعاء يفترض أن هناك سننًا، قوانين، انتظامًا،

320
00:21:22.630 --> 00:21:25.980
وصدف المادِّيَّة لا تؤدي إلى أيِّ شيء من هذا.

321
00:21:25.980 --> 00:21:30.870
وبالتالي، فأخبار الآخرين عن تجاربهم ومشاهداتهم لا قيمة لها

322
00:21:30.870 --> 00:21:35.157
مهما كانوا موثوقين ومهما تكرَّرت مشاهداتهم.

323
00:21:35.157 --> 00:21:38.326
وبالتالي فلا مجال لتراكميَّة المعرفة

324
00:21:38.476 --> 00:21:42.135
ولا معنى للإحالة على الأبحاث السابقة (citations)،

325
00:21:42.135 --> 00:21:45.392
وقائمة المراجع (references) في أسفل كل بحث.

326
00:21:45.688 --> 00:21:48.922
ستقول: لكن ليس هذا ما يفعله العلماء المادِّيُّون،

327
00:21:48.922 --> 00:21:51.339
بل هم مقِرُّون بوجود قوانين ونظام.

328
00:21:51.891 --> 00:21:57.081
مرَّةً أخرى، المادِّيَّة نتيجتها الحتمية عدم وجود نظام ولا قوانين،

329
00:21:57.081 --> 00:22:01.655
فالصُّدف والعشوائية والعمى أبعد ما تكون عن النظام والقوانين.

330
00:22:01.855 --> 00:22:04.901
فالمادِّيُّ الذي يؤمن بوجود نظام وقوانين

331
00:22:04.901 --> 00:22:10.170
هو إنَّما يقول بلسانه أنه مادِّي ثم يتناقض مع نفسه عند التطبيق

332
00:22:10.170 --> 00:22:13.205
ويضطرُّ للسَّرقة من منهج الإيمان بالخالقيَّة.

333
00:22:13.421 --> 00:22:16.705
إذن، رأينا كيف تلغي المادِّيَّة المصدر الثالث للعلم التجريبي

334
00:22:16.705 --> 00:22:20.930
ألا وهو الخبر والذي لا قيمة له إلا في منهج الإيمان بالخالقيَّة.

335
00:22:21.255 --> 00:22:23.604
بقي المصدر الرابع للعلم التجريبي

336
00:22:23.604 --> 00:22:24.930
ألا وهو الحِسّ.

337
00:22:24.930 --> 00:22:28.372
قلنا أنَّ الحِسّ يرصد الأشياء ويرصد آثارها،

338
00:22:28.714 --> 00:22:31.574
وبتفاعل الحِسّ مع مصادر العلم التجريبي الأخرى

339
00:22:31.711 --> 00:22:35.247
يجزم الإنسان بوجود أشياء وإن لم يرها.

340
00:22:35.456 --> 00:22:40.279
فإذا رأيت إنسانًا يمسك طرف سلك فيُصْعَق ويسقط ميتًا،

341
00:22:40.279 --> 00:22:44.573
فإني أجزم بوجود كهرباء في السلك من أثرها وإن لم أرها.

342
00:22:44.710 --> 00:22:48.497
عندما أرى حركة أوراق الشجر وأستطيع التنفس،

343
00:22:48.497 --> 00:22:53.955
فإنني أستنتج وجود الهواء وإن لم أره؛ إذ لو عُدِم هذا الهواء لاختنقت.

344
00:22:53.955 --> 00:23:00.137
الأمواج الكهرومغناطيسية وُظِّفَت في الاتصالات وإن لم نرها، لكن نوقن بها من آثارها.

345
00:23:00.293 --> 00:23:03.032
الحرارة، الجسيمات الذَّرِّية،

346
00:23:03.032 --> 00:23:06.951
تركيب المواد الكيميائيَّة الذي نستنتجه من سلوك هذه المادَّة

347
00:23:06.951 --> 00:23:10.234
وإن لم نرها لكن من أثرها في التفاعلات والتحاليل

348
00:23:10.234 --> 00:23:11.500
وغيرها الكثير.

349
00:23:11.500 --> 00:23:17.088
أمَّا في منهج الإيمان بالخالقيَّة، فإن أعظم ما يُسْتدَلُّ عليه من آثاره

350
00:23:17.088 --> 00:23:22.936
هو وجود الخالق الذي يدلُّ الكون والحياة على وجوده، وعلى بعض صفاته.

351
00:23:23.432 --> 00:23:29.010
أمَّا المادِّيَّة، فقد تظنُّون أنَّه بقي لها هذا المصدر من مصادر العلم التجريبي سليمًا،

352
00:23:29.313 --> 00:23:33.150
فما نسمعه هو أنَّ المادِّيَّة تقوم على الإيمان بالمحسوسات؛

353
00:23:33.150 --> 00:23:35.683
فلا بُدَّ أنَّ الحسَّ له قيمةٌ في المادِّيَّة.

354
00:23:36.684 --> 00:23:37.870
تعالوا نرى...

355
00:23:38.275 --> 00:23:41.377
المادِّيَّة ستقف مع الحسِّ أمام أحد خيارين:

356
00:23:41.407 --> 00:23:46.630
الخيار الأول: أن ترفض التصديق بوجود الأشياء من آثارها

357
00:23:46.630 --> 00:23:50.320
وتقول: بل أصدِّق بما أراه، أسمعه، ألمسه،

358
00:23:50.320 --> 00:23:54.488
وحينئذٍ ستلغي كل العلم التجريبي القائم على آثار الأشياء.

359
00:23:54.728 --> 00:23:59.500
والأهَمُّ من ذلك أنَّ المادِّيَّة أعطبت مصادر العلم التجريبي الأخرى،

360
00:23:59.500 --> 00:24:01.877
فلم يعد للحس أيَّةُ قيمة؛

361
00:24:01.877 --> 00:24:06.046
لأنَّ العلم التجريبي لا ينتج من مجرَّد إبصار الأشياء وسماعها ولمسها.

362
00:24:06.100 --> 00:24:10.561
فالإنسان ليس مجرَّد آلةِ مسح، ولا كاميرا تلتقط الصُّور وحسب.

363
00:24:10.774 --> 00:24:15.448
بل لا بُدَّ من إعمال العقل بعد ذلك وفق ضروراتٍ عقليَّة لإنتاج العلم التجريبي.

364
00:24:15.710 --> 00:24:21.271
والخيار الثاني أمام المادِّيَّة مع الحس: أنْ تقبل بالاستدلال على أشياء من آثارها،

365
00:24:21.377 --> 00:24:23.766
كما هي الممارسة العلميَّة الحقيقيَّة.

366
00:24:24.021 --> 00:24:34.130
وحينئذٍ، فما المبرِّر العقليُّ الحقيقيّ لأن تنكر ما الكون كلُّه والحياة كلُّها آثارٌ دالَّةٌ عليه،

367
00:24:34.220 --> 00:24:37.927
ألا وهو وجود خالقٍ عليمٍ حكيم.

368
00:24:38.336 --> 00:24:43.440
بناء على ما سبق يا كرام، لا يَصِحُّ أبدًا وصف العلم التجريبي بأنَّه مادِّي؛

369
00:24:43.440 --> 00:24:45.880
فهذا وصفٌ مضحكٌ جدًّا.

370
00:24:46.185 --> 00:24:49.675
ليس هناك شيءٌ اسمه علوم مادِّيَّة في الحقيقة،

371
00:24:49.675 --> 00:24:54.082
إن كنت تقصد أنَّها علوم تقوم على أسس ماديّة تستثني الغيب،

372
00:24:54.082 --> 00:24:57.699
فالمادِّيَّة لا تؤدِّي إلا إلى العدميَّة؛

373
00:24:57.699 --> 00:24:59.806
لأنَّها تُلغي مصادر العلم.

374
00:24:59.806 --> 00:25:03.366
فالقواسم المشتركة بين الأبحاث العلمية هي:

375
00:25:03.366 --> 00:25:05.154
استنتاج وتحليل عقلّي،

376
00:25:05.154 --> 00:25:06.936
الانطلاق من ضروراتٍ عقليَّة،

377
00:25:06.936 --> 00:25:09.029
رصد علاقاتٍ سببيَّة،

378
00:25:09.029 --> 00:25:14.630
اعتماد أخبار آخرين بعد التوثُّق من مصداقيتها بناءً على أبحاثهم،

379
00:25:14.630 --> 00:25:18.664
افتراض أنَّ كلَّ شيءٍ يسير بنظام، حِسّ، تجريب،

380
00:25:18.664 --> 00:25:20.939
استنتاج وجود أشياء من رصد آثارها،

381
00:25:20.939 --> 00:25:26.150
وهذه كلُّها لا قيمة لها إلا في منهج الإيمان بالخالقيَّة

382
00:25:26.150 --> 00:25:31.044
الذي تسلم فيه مصادر العلم التجريبي هذه وتتناسق فيما بينها.

383
00:25:31.264 --> 00:25:34.546
لذلك فعبارة "لا تخلطوا الإيمان بالعلم التجريبي"

384
00:25:34.546 --> 00:25:37.546
عبارةٌ مضحكةٌ لشِدَّة جهلها،

385
00:25:37.771 --> 00:25:40.969
فالعلم التجريبي ابن الإيمان لا يستغني عنه أبدًا.

386
00:25:41.196 --> 00:25:45.025
نحن كثيرًا ما نردِّدْ "الإيمان لا يتعارض مع العلوم التجريبية،

387
00:25:45.025 --> 00:25:47.498
الإيمان يدعو إلى طلب العلوم التجريبية"،

388
00:25:47.498 --> 00:25:52.748
لكن إخواني، العلاقة بين العلم التجريبي والإيمان أعمق بكثيرٍ من ذلك،

389
00:25:52.960 --> 00:25:56.486
فالعلوم التجريبية لا وجود لها أصلًا

390
00:25:56.486 --> 00:26:00.912
لولا مصادر العِلم المستندة إلى الإيمان بالخالقيّة.

391
00:26:01.548 --> 00:26:05.266
إذن أيُّها الأحبَّة، من أهمِّ النقاط التي أثبتناها اليوم:

392
00:26:05.266 --> 00:26:08.654
أنَّ المادِّيَّة تلغي قيمة العقل،

393
00:26:08.925 --> 00:26:11.145
وأنَّ العلم التجريبي الـ (science)

394
00:26:11.145 --> 00:26:16.833
يعتمد فيما يعتمد على أخبار الباحثين الآخرين بعد التوثق من صحتها.

395
00:26:16.833 --> 00:26:21.054
وأنَّ الالعلم التجريبي هو ابن الإيمان بالخالقيَّة.

396
00:26:21.320 --> 00:26:26.874
لكن، كيف ندَّعي ذلك وكثيرٌ من العلماء المعاصرين ملحدون أو ماديون؟

397
00:26:27.234 --> 00:26:31.588
ثم نحن نعيب على المادِّيَّة أنها تستثني الغيب من تفسير الكون والحياة،

398
00:26:31.770 --> 00:26:37.687
يعني يا إياد تريدنا أن نُجِيب عن أيِّ سؤالٍ علمي بِأنَّه هكذا أراد الخالق وحسب؟

399
00:26:37.687 --> 00:26:39.403
لا داعي للبحث والاستكشاف؟

400
00:26:40.580 --> 00:26:44.395
لاحظوا يا كرام، المأمول من هذه الحلقات أن تمثل ثورةً فكرية

401
00:26:44.395 --> 00:26:47.319
تخلصنا من مفاهيم مشوَّشة ومعتقدات باطلة،

402
00:26:47.319 --> 00:26:52.871
وتُحِل محلَّها بناءً فكريًا، مرتبًا، مبنيَّا على الدليل العلميّ.

403
00:26:53.223 --> 00:26:58.419
لذلك ستلاحظون أنها ستثير لديكم في البداية الكثير من التساؤلات.

404
00:26:58.812 --> 00:27:01.923
سنعتمد أسلوب فكرة واحدة لكلّ حلقة،

405
00:27:01.956 --> 00:27:08.112
وستلاحظون أنَّ هذه التساؤلات يُجابُ عنها شيئًا فشيئًا بإقناعٍ بإذن الله.

406
00:27:08.279 --> 00:27:13.063
وسنبدأ في الحلقة القادمة بالسؤال الأوَّل من هذه الأسئلة فتابعونا،

407
00:27:13.063 --> 00:27:14.850
والسلام عليكم ورحمة الله.