﻿1
00:00:01.050 --> 00:00:18.150
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى اله وصحبه اجمعين

2
00:00:18.900 --> 00:00:38.800
اما بعد فقد تقدم ذكر حديث النعمان ابن بشير رضي الله عنهما ان نبي الله صلى الله عليه وسلم قال الاوان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت فسد الجسد كله

3
00:00:39.000 --> 00:01:04.900
الا وهي القلب فالقلب مضغة صغيرة في صدر العبد عظيمة الخطر كبيرة الاثر صلاحه صلاح البدن كله والجوارح جميعها وفساده فساد البدن كله والجوارح جميعها وسميت في الحديث مضغة اشارة الى تصغير هذا العضو

4
00:01:05.050 --> 00:01:25.600
لان اصل المضغة قدر ما يمضغه الانسان في فيه فما اعظم خطر هذه المضغة وما اكبر اثرها فكل حركة وسكون تقع من الانسان وكل فعل او ترك فرع عن مراد هذه المضغة

5
00:01:25.650 --> 00:01:45.900
بل لا يمكن للجوارح ان تتخلف عن ذلك فاذا كان القلب صالحا بما فيه من الايمان علما وعملا قلبيا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالايمان المطلق فما احوج العبد

6
00:01:46.050 --> 00:02:06.850
الى العناية بهذه المضغة اصلاحا وتنقية وتزكية وتطهيرا ومن الدعوات المأثورة في هذا الباب ما ورد في حديث زيد بن ارقم رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم ات نفسي

7
00:02:06.850 --> 00:02:30.150
لتقواها وزكها انت خير من زكاها انت وليها ومولاها وان اهم ما ينبغي مراعاته في هذا المقام معرفة الغاية التي خلقت القلوب لاجلها واوجدت لتحقيقها الا وهي توحيد الله واخلاص الدين له. ومدى حظه

8
00:02:30.400 --> 00:02:50.000
ومدى حظ القلوب منها والقلوب في هذا الامر على قسمين الاول قلب مشغول بالله. عاقل للحق. مفكر في العلم. مجتهد في تحقيق هذه الغاية وهو بهذا يكون قد وضع في موضعه الصحيح

9
00:02:50.250 --> 00:03:14.000
وحينئذ يكون له وجهان وجه مقبل على الحق علما وعملا سعيا واذعانا رغبة وطلبا تحقيقا وتطبيقا ووجه معرض عن الباطل منصرف عنه حذرا من الوقوع فيه ويقال له القلب الزكي والقلب الطاهر والقلب السليم

10
00:03:14.050 --> 00:03:33.700
لان هذه الاسماء تدل على سلامة القلب من الشر وبعده عن الخبث وخلاصه من الافات الثاني قلب منصرف الى الباطل منحرف عن الغاية التي اوجد لاجلها وخلق لتحقيقها وله وجهان

11
00:03:33.900 --> 00:03:55.800
وجه مقبل على الباطل مشغول به ووجه معرض عن الحق غير قابل له وهما في الحقيقة افتان افة الصدود عن الحق وافة الاقبال على الباطل ولكل منهما اظراره الجسيمة ونتائجه الوخيمة

12
00:03:56.500 --> 00:04:19.450
والباطل الذي ينشغل به القلب عن هذه الغاية نوعان اولا نوع يشغل القلب عن الحق ويزاحم الخير الذي فيه دون ان يعانده ويصادمه كالافكار والهموم والغموم والاحزان الناشئة عن علائق الدنيا وشهوات النفس

13
00:04:20.100 --> 00:04:47.500
ثانيا نوع يعاند الحق الذي في القلب ويصادمه ويصد عنه مثل الاراء والاهواء المرضية من الكفر والنفاق والبدع ونحو ذلك فالاول يزاحم القلب والثاني يصادم ما فيه وعلاج الاول بالعودة بالقلب الى التوحيد الخالص والايمان الصحيح الذي خلق القلب لاجله

14
00:04:47.650 --> 00:05:03.450
وعدم شغله بامر اخر ومن الاحاديث الواردة في ذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب لا اله الا الله العظيم

15
00:05:03.450 --> 00:05:29.400
اليم لا اله الا الله رب العرش العظيم لا اله الا الله رب السماوات ورب الارض ورب العرش الكريم متفق عليه وعن اسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم الا اعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب او في الكرب الله

16
00:05:29.400 --> 00:05:49.400
الله ربي لا اشرك به شيئا. رواه ابو داوود وابن ماجة وعن ابي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال دعوات المكروب اللهم رحمتك ارجو فلا تكلني الى نفسي طرفة عين

17
00:05:49.450 --> 00:06:11.200
واصلح لي شأني كله لا اله الا انت رواه ابو داوود وعن سعد ابن ابي وقاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة ذي النون اذ دعا وهو في بطن الحوت لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين

18
00:06:11.250 --> 00:06:33.250
فانه لم يدعو بها رجل مسلم في شيء قط الا استجاب الله له رواه الترمذي وجميع هذه الكلمات الواردة في هذا الحديث كلمات ايمان وتوحيد واخلاص لله عز وجل وبعد عن الشرك كله كبيره وصغيره

19
00:06:33.350 --> 00:06:55.650
وفي هذا ابين دلالة على ان اعظم علاج للكرب واصلاح للقلب هو تجديد الايمان وترديد كلمة التوحيد. لا اله الا الله فانه ما زالت عن العبد شدة ولا ارتفع عنه هم وكرب بمثل توحيد الله واخلاص الدين له

20
00:06:55.700 --> 00:07:18.200
وتحقيق العبادة التي خلق العبد لاجلها واوجد لتحقيقها فان القلب عندما يعمر بالتوحيد والاخلاص ويشغل بهذا الامر العظيم الذي هو اعظم الامور واجلها على الاطلاق تذهب عنه الكربات وتزول عنه الشدائد والغموم

21
00:07:18.250 --> 00:07:40.150
ويسعد غاية السعادة قال ابن القيم رحمه الله التوحيد مفزع اعداءه واوليائه فاما اعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها. فاذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين. فلما نجاهم الى البر

22
00:07:40.150 --> 00:08:04.650
لايذاهم يشركون واما اولياؤه فينجيهم من كربات الدنيا والاخرة وشدائدها ولذلك فزع اليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات وفزع اليه اتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا. وما اعد لهم في الاخرة

23
00:08:04.850 --> 00:08:27.100
ولما فزع اليه فرعون عند معاينة الهلاك وادراك الغرق لم ينفعه لان الايمان عند المعاينة لا يقبل. هذه سنة الله في عباده فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد

24
00:08:27.250 --> 00:08:48.300
ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب الا فرج الله كربه بالتوحيد فلا يلقي في الكرب العظام الا الشرك ولا ينجي منها الا التوحيد فهو مفزع الخليقة وملجأها وحصنها وغياثها وبالله التوفيق

25
00:08:49.300 --> 00:09:08.150
وعلاج الثاني بالهداية لهذا الدين الحنيف والتوفيق للدخول فيه قال الله تعالى افمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه وكل منحرف عن هذا الدين منصرف عن الهدى

26
00:09:08.200 --> 00:09:26.700
فقلبه مريض ولا شفاء له الا بالدخول في هذا الدين وهو في غاية الظمأ والعطش لا يرويه الا معين هذا الدين الصافي ومنهله العذب قال احد المهتدين لهذا الدين العظيم

27
00:09:26.850 --> 00:09:46.500
ان غير المسلمين على اختلاف نحلهم ومللهم ظمأ بل يكادون يهلكون من شدة الظمأ وذلك لانهم لم يجدوا ما يروي ظمأهم في عقيدتهم البالية. محرفة كانت او مؤلفة من ارث

28
00:09:46.500 --> 00:10:08.900
عقولهم ويا لله العجب كلما شربوا منها ازدادوا ظمأ وما كنت الا واحدة من هؤلاء ووالله ما ارتويت الا من بعد ان نهلت من نهر هذا الدين العذب الصافي فلله الحمد رب السماوات ورب الارض رب العالمين

29
00:10:09.450 --> 00:10:30.300
ومن المعلوم ان الانسان قد يلم به بعض الملمات. وقد تصيبه بعض المصائب وقد يبتلى ببعض الالام التي تكدره وتؤلم قلبه وتعصر فؤاده وربما جلبت له الكثير من الحزن او الهم او الغم

30
00:10:30.750 --> 00:10:53.100
وهذه اذا وصلت الى القلب اتعبته وارقته وكدرت صفوه ولا يكون وضعه مع وجودها سويا طبيعيا وعند النظر في طريقة علاجها والسعي في ابعادها وازالتها عن القلب نجد ان الناس يتفاوتون في هذا الباب تفاوتا عظيما

31
00:10:53.500 --> 00:11:15.450
وينحون في العلاج مناح شتى. ولكن لا علاج ولا دواء ولا شفاء ولا سلامة من ذلك كله الا بالعودة الصادقة الى الله جل وعلا فبالعودة الى الله وذكره وتعظيمه وعمارة القلب بتوحيده والايمان به

32
00:11:15.550 --> 00:11:38.700
واللجوء الصادق اليه والافتقار اليه والذل بين يديه. والانكسار له سبحانه تذهب ولا يبقى منها شيء قال الله تعالى من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم باحسن ما كانوا يعملون

33
00:11:39.000 --> 00:11:58.500
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله فاخبر تعالى ووعد من جمع بين الايمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة في هذه الدار وبالجزاء الحسن في هذه الدار وفي دار القرار وسبب ذلك واضح

34
00:11:58.650 --> 00:12:21.450
فان المؤمنين بالله الايمان الصحيح المثمر للعمل الصالح المصلح للقلوب والاخلاق والدنيا والاخرة معهم اصول واسس يتلقون فيها جميع ما يرد عليهم من اسباب السرور والابتهاج واسباب القلق والهم والاحزان

35
00:12:21.700 --> 00:12:47.200
يترقون المحاب والمسار بقبول لها وشكر عليها واستعمال لها فيما ينفع فاذا استعملوها على هذا الوجه احدث لهم من الابتهاج بها والطمع في بقائها وبركتها ورجاء ثواب امورا عظيمة تفوق بخيراتها وبركاته هذه المسرات

36
00:12:47.250 --> 00:13:13.700
التي هذه ثمرتها ويتلقون المكاره والمضار والهم والغم بالمقاومة لما يمكنهم مقاومته وتخفيف ما يمكنهم تخفيف والصبر الجميل لما ليس لهم منه بد وبذلك يحصل لهم من اثار المكاره من المقاومة النافعة والتجارب والقوة

37
00:13:13.950 --> 00:13:36.450
ومن الصبر واحتساب الاجر والثواب امور عظيمة تظمحل معها المكاره وتحل محلها المسار والامال الطيبة والطمع في فضل الله وثوابه كما عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا في الحديث الصحيح انه قال

38
00:13:36.500 --> 00:14:06.100
عجبا لامر المؤمن ان امره كله خير. ان اصابته سراء شكر فكان خيرا له. وان اصابته ظراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك لاحد الا للمؤمن رواه مسلم فالمؤمن يتضاعف غنمه وخيره وثمرات اعماله في كل ما يطرقه من السرور والمكاره. بحسب حظه من

39
00:14:06.100 --> 00:14:30.500
ايماني والعمل الصالح فيتلقى بهما الخير والشر شكرا على النعماء وصبرا على الضر والبلاء فيحدث له السرور والابتهاج وزوال الهم والغم والقلق وضيق الصدر وشقاء الحياة وتتم له الحياة الطيبة في هذه الدار

40
00:14:30.950 --> 00:14:54.750
فيجتمع للمؤمن عند النعم والسراء نعمتان نعمة حصول ذلك المحبوب ونعمة التوفيق للشكر الذي هو اعلى من ذلك وبذلك تتم عليه النعمة ويجتمع له عند الظراء ثلاث نعم نعمة تكفير السيئات

41
00:14:55.100 --> 00:15:20.400
ونعمة حصول مرتبة الصبر التي هي اعلى من ذلك ونعمة سهولة الضراء عليه لانه متى عرف حصول الاجر والثواب والتمرن على الصبر هانت عليه وطأة المصيبة وخف عليه حملها والايمان ملجأ المؤمنين

42
00:15:20.500 --> 00:15:45.000
بكل ما يلم بهم من سرور وحزن وخوف وامن وطاعة ومعصية وغير ذلك من الامور التي لابد لكل احد منها فعند المحاب والسرور يلجأون الى الايمان فيحمدون الله ويثنون عليه ويستعملون النعم فيما يحب المنعم

43
00:15:45.800 --> 00:16:09.250
وعند المكاره والاحزان يلجأون الى الايمان من جهات عديدة يتسلون بايمانهم وحلاوته ويتسلون بما يترتب على ذلك من الثواب ويقابلون الاحزان والقلق براحة القلب والرجوع الى الحياة الطيبة المقاومة للاحزان والاتراح

44
00:16:09.950 --> 00:16:32.550
ويلجأون الى الايمان عند الخوف فيطمئنون اليه ويزيدهم ايمانا وثباتا وقوة وشجاعة ويضمحل الخوف الذي اصابهم كما قال تعالى عن اخيار الخلق الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم

45
00:16:32.700 --> 00:16:56.000
فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء لقد اظمحل الخوف من قلوب هؤلاء الاخيار وخلفه قوة الايمان وحلاوته وقوة التوكل على الله والثقة بوعده

46
00:16:56.850 --> 00:17:23.200
ويلجأون الى الايمان عند الامن فلا يبطرهم ولا يحدث لهم الكبرياء بل يتواضعون ويعلمون انه من الله ومن فضله وتيسيره فيشكرون الذي انعم بالسبب والمسبب. الامن واسبابه ويعلمون انه اذا حصل لهم ظفر بالاعداء وعز انه بحول الله وقوته

47
00:17:23.250 --> 00:17:51.150
وفضله لا بحولهم وقوتهم ويلجأون الى الايمان عند الطاعة والتوفيق للاعمال الصالحة فيعترفون بنعمة الله عليهم بها وان نعمته عليهم فيها اعظم من نعم العافية والرزق وكذلك يحرصون على تكميلها وعمل كل سبب لقبولها وعدم ردها او نقصها

48
00:17:51.600 --> 00:18:17.250
ويسألون الذي تفضل عليهم بالتوفيق لها ان يتم عليهم نعمته بقبولها. والذي تفضل عليهم بحصول اصلها ان يتمم لهم منها ما انتقصوه منها ويلجأون الى الايمان اذا ابتلوا بشيء من المعاصي. بالمبادرة الى التوبة منها وعمل ما يقدرون عليه من الحسنات

49
00:18:17.250 --> 00:18:40.350
لجبر نقصها قال الله تعالى ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون فالمؤمنون في جميع تقلباتهم وتصرفاتهم ملجأهم الى الايمان ومفزعهم الى تحقيقه ودفع ما ينافيه ويضاده

50
00:18:40.550 --> 00:19:03.550
وذلك من فضل الله عليهم ومنه سبحانه وتعالى وبالله وحده التوفيق والسداد نسأله جل في علاه ان يوفقنا اجمعين لكل خير وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد واله وصحبه اجمعين

51
00:19:03.600 --> 00:19:07.700
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته