رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد واله واصحابه اجمعين اما بعد فينعقد هذا المجلس في قراءة ايات من كتاب الله جل ذكره وذلك في العشرين من شهر رجب من سنة خمس واربعين واربعمئة والف
من الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها رسول الله الصلاة والسلام في المسجد النبوي الشريف مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقرأ ما يتيسر من هذه الايات في ذكر بيانها وتأويلها بما يفتح الله
ويوفق اليه نسأله جل وعلا ان يوفقنا ونسددنا في فهم كتابه ومعرفة شرعي جل وعلا والعمل به نعم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد. اما بعد فهذا هو المجلس الثاني والعشرون من مجالس الاشارات والبيان
في معاني القرآن وينعقد هذا في المسجد النبوي شرح معالي الشيخ الدكتور يوسف ابن محمد الغفيص عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للافتاء سابقا. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم   من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم مجرور خوف عليهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون قال الله جل وعلا ان الذين امنوا والذين هادوا
والنصارى والصابئين من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون هذه الاية ذكرها الله جل وعلا في هذه السورة العظيمة وقد تقدمها وجاء بعدها ما ذكره الله جل وعلا
من احوال بني اسرائيل واحوال كفرة اهل الكتاب وما ذكر الله جل وعلا من الوعيد والذم لهم فان ثمة وعيدا وذما ذكره الله جل وعلا في الايات التي تقدمت ولما كان اولئك من اهل الكتاب
يقع من متقدميهم ما يكون موافقا لما امر الله جل وعلا به وهم القوم من اهل الكتاب الذين ادركوا انبيائهم او اتبعوا دين انبيائهم على هدى وعلى شريعتهم التي جاءت من عند الله سبحانه وتعالى
وقد امروا بذلك ولم تنسخ تلك الشرائع فان القوم الذين امنوا بموسى عليه الصلاة والسلام واتبعوه واهتدوا به من بني اسرائيل وكذلك القوم الذين امنوا بعيسى عليه الصلاة والسلام من الحواريين وغيرهم الذين اتبعوا دين عيسى
على توحيد الله واتباع الشريعة التي جاءت من عند الله سبحانه وتعالى فان هؤلاء  ان اندرجوا في بعض السياق من الخطاب باسم اليهودي او اسم النصارى فانهم عند الله جل وعلا من جهة ما هم عليه
من الايمان والتوحيد والتصديق بالانبياء فان الله اعد لهم هذا الثواب وهذا كأن من بحكمته والله اعلم من جهة التماس الحكمة في سياق الايات ان الله لما ذكر بني اسرائيل في هذه السورة
في كثير من الذنب بما اخلفوا الله وبما صار لهم من الاحوال الباطلة لكفرهم بالله وقتلهم الانبياء بغير حقا الى غير ذلك من الاوجه الباطلة من اقوالهم وافعالهم بين الله جل وعلا لئلا
يتوهم فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من النبوة وفيما نزل عليه وهو القرآن لان لا يتوهم ان هذا الكتاب جاء ليبطل دين الانبياء كما يطعن به من يطعن من كفرة اهل الكتاب
ولهذا نبوته هي تبع لنبوة الانبياء كما قال الله جل ذكره قل ما كنت بدعا من الرسل فانه على دين اخوانه من المرسلين وهو توحيد الله جل وعلا والايمان به
وكذلك المؤمنون باولئك الانبياء من الذين امنوا بموسى او الذين امنوا بعيسى وسموا يهودا او نصارى فان ما هم عليه من الايمان يكون ايمانا لهم عند الله سبحانه وتعالى لان هذا هو الدين الذي امرهم الله به
في دين انبيائهم. واما بعد نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فان الله اوجب على جميع المكلفين من الجن والانس ان يتبعوه عليه الصلاة والسلام وان يتبعوا الدين الذي جاء به
ان الدين عند الله الاسلام ومن يبتغي غير الاسلام دينا فلن يقبل منه فقوله ان الذين امنوا الذين امنوا هم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم هم اتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام
وذكروا هنا باشرف الاسماء المبينة لامتيازهم عن ايمان مؤمني اهل الكتاب فان صحابة رسول الله رضي الله تعالى عنهم هم افضل اتباع الانبياء وذكروا باسم الايمان كما خوطبوا به بالتشريع كقول الله يا ايها الذين امنوا
كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم فمخاطبة الله لمؤمن هذه الامة ولاتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام باسم الذين امنوا كثير في كتاب الله جل ذكره وقوله ان الذين امنوا لا يراد به جميع
المؤمنين من اتباع الانبياء وانما يراد به الذين امنوا اي هم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم هم اهل الاسلام هم صحابة رسول الله. ومن سارى على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه
والذين هادوا الذين عادوا يراد بهم في هذا المقام الذين اتبعوا دين موسى عليه الصلاة والسلام وما جاء في الدين الصحيح من دين بني اسرائيل وانبيائهم. وكانوا على توحيد الله
واتباع سنن انبيائهم التي شرع الله لهم ان يتبعوها ان الذين امنوا والذين هادوا والنصارى النصارى كذلك يراد بهم من اتبع الدين الحق من دين عيسى عليه الصلاة والسلام وقد
يظن البعض ان اسم اليهودي او اسم النصارى لا يردوا الا في مقام الدلالة على الكفر وهو ليس كذلك بل يستعمل في بعض السياق كذلك وفي بعض السياق ليس كذلك لان هذا الاسم
يتعلق بصفة سواء ابصر كما تعلم في اختلاف اهل التفسير واهل اللغة باسم اليهود اهو نسبة الى يهودا؟ ابن يعقوب عليه السلام تخففته العرب فجعلت الذال دالا فقالت يهودا ولم تقل يهودا
ام ان هذا من هذا اذا رجع ام انه من عاد اذا تاب فكل هذه الاقوال قد قيلت في كلام اهل التفسير وكلام اهل اللغة والاخبار ولكن ليس واحدا منها
ليس واحدا منها دالا باقتضائه اللغوي سواء فيما فسر به في اللغة او في غيرها على محض الكفر والشرك بالله سبحانه وتعالى ولهذا ذكروا في هذا المقام انه يقع منهم الايمان على هذا التقدير. ان الذين امنوا والذين هادوا
وكذلك النصارى سواء رد هذا الاسم الى قرية قيل ان عيسى قد ولد عليه الصلاة والسلام فيها او رد الى النصرة او رد الى غير ذلك من المعاني فانها ليست من المعاني الدالة
على مفارقة ديني النبيين عليه الصلاة والسلام بذاتها لان كلمة تدل دلالة على الكفر ككلمة الشرك بكلمة الشرك وانما هي كلمات تدل على اوصاف اما من النسبة الى احوال او نسبة الى افعال
وكذلك كلمة الصابئين فان صبأ في كلام العرب تدل على الانتقال من شيء الى شيء وتدل على الانتقال تارة من شيء الى احسن منه يطلبه الصابئ اليه ولهذا كأنها في كلام العرب
ليست على مطلق الانتقال من شيء الى شيء فان العرب لا تقول في كلامها عن كل انتقال بانه صبأ صاحبه اذا انتقل من وانما ذلك يخصونه باحوال من التنقل والتحول
ومنه لما نبذ رسول الله دينهم وبين بطلانه لهم ودعاهم الى توحيد الله جل وعلا. قالت العرب في بعض كلامها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام انه الصابر  وكذلك ايضا ما جاء
ومما يشهد لذلك ما جاء في الاخبار المروية في تلقيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم او وصيهم له بمثل هذا ومن ذلك ما روى الامام البخاري في صحيحه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر
قصر معهم الماء معه ومع اصحابه فطلب النبي صلى الله عليه وسلم ان يلتمسوا الماء فلقوا امرأة مشركة فطلبوا منها الماء وكأنها ابت فالحوا عليها او يحملوها الى النبي صلى الله عليه وسلم
فلما حدثوها به وهي اعرابية على دين الشرك ولكنها قد سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الصابئ يعني ان الرجل الذي تذكرونه هذا هو الصابر لان هذا قد قالته العرب
فصار اسم الصابة في كلام العرب هو وصف لحال من الاحوال. وكذلك التهود وكذلك النصرانية في اصله كلام العرب وعلى هذا تفارق هذه الاسماء من جهة دلالتها اسم الشرك فان الشرك لا يذكر الا ان يكون اسما باطلا في كل الاحوال
ولهذا لم يذكر المشركون هنا ولكن المشركين ذكروا في اية الفصل التي قال الله فيها ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة
فلما كان اسم الشرك اذا ذكر المشركون هذا دال دلالة لازمة مطردة على كفر اصحابه لانه ذكر للشرك بالله جل وعلا وكذلك المجوس وان كان هذا الاسم من حيث هو ليس عربيا في اصله
ولكن نطقت به العرب تعريبا له بعد ذلك ولكنه اختص بقوم اختص بقوم لم يكن لهم دين من دين الانبياء ولم يكونوا اهل ملة سماوية على الصحيح وانما كانوا منحرفين عن اصل دين الانبياء
فلما لازمهم الشرك كذلك ذكروا باية الفصل واما من انتسب الى اليهودية او النصرانية او الصابئة فان قوما منهم كانوا على دين من دين الانبياء عليهم الصلاة والسلام وان كانت هذه الاسماء التي ذكرت في هذه الاية هي في
الاحوال وليست في تزكية هذه الاسماء فان هذه الاسماء اذا اطلقت التي بعد المؤمنين هذه الاسماء اذا اطلقت الاصل فيها عند اطلاقها انها اسماء دالة على  بما غلب عليها من الحال باعتبار
ولان شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام نسخت ما قبلها بكل اعتبار ولكن لما ذكر مقام العدل وبيان المآلات عند الله جل وعلا بين الله من دلائل الحق في هذا الدين
ومن دلائل الحق في هذا الكتاب المبين وهو القرآن ان الله جل وعلا ذكر فيه ان من امن بموسى واتبعه على دينه وشريعته ولم يبدل وكذلك من امن بعيسى واتبعه على دينه وشريعته ولم يبدل
او كان صابئا على دين نبي من الانبياء. لان معنى صابع انه ترك دينا يراه باطنا الى دين يراه حقا. فهذا الصابئ قد يكون على دين باطل كما هو حال عامة من نسب اليه
فان جمهور من ينسب الى هذا هم من اهل الدين الباطل ولكن قد يسمى بذلك من يكون على دين نبي من انبياء الله ويكون ترك دينا ويكون ترك دينا باطلا
فهؤلاء الذين لم يدركوا نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولكنهم كانوا في سالف من الزمان وغابر من الاحوال والمكان والزمان وادركوا انبياء اما انهم بعثوا بين يديهم او انهم لقوا دينهم بابائهم. فاقاموا هذا الدين الحق الذي هو توحيد
الله ودين رسول من رسل الله او نبي من الانبياء فهؤلاء اذا لقبوا يهودا او لقبوا بالنصارى اذ او لقبوا صابئة اذ ذاك فان الله بين انهم لما امنوا به
واتبعوا ما انزله وما جاءت به الانبياء والرسل فان الله جل وعلا يقبل منهم هذا الايمان ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بحديث ابن عباس المتفق عليه لما قال عرضت علي الامم قال اذ رفع لي سواد عظيم فظننت انهم امتي
سواد عظيم من اهل الحق قال فظننت انهم امتي فقيل لي هذا موسى وقومه وهؤلاء القوم الذين مع موسى يكون منهم الصالح والبر ويكون منهم الفاجر والعاصي او التارك المقصود انه يعلم باجماع اهل العلم
واتفاقهم ان من كان على دين نبي قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سالف الزمان. فان الله ارسل رسلا تترا وبعث انبياء تترا ولا يعلم عدد رسل الله
الا الله سبحانه وتعالى. فان الله بين في كتابه ان رسلا لم يقصصوا على نبينا صلى الله عليه وسلم. ورسلا قد قصصها عليك من قبل ورسلا لم نقصص عليك ثم ارسلنا رسلنا تترا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني اسرائيل كما في الصحيح وغيره كانت بنو اسرائيل
تسوسهم الانبياء كلما هلك نبي خلفه نبي فالمقصود ان هذا من المعاني المتفق عليها بين العلماء وهذه الاسماء الثلاثة على اصح الطريقتين لاهل العلم ليست من الاسماء الملازمة بظرورتها لذلك الوصف المبطل. على كل تقدير. ومن هنا ذكرت على هذا الاختصاص
وجاء عن بعض السلف في الصابعة ذلك وان كان قد ينتسب الى الصابئة من يعلم انه من المشركين فهذا كثير بل هو الغالب على من انتسب الى تلك الديانات وكثر ذلك في اتباع الفلاسفة وفي عبدة الكواكب
لكن ايختص اسم الصابئة في الاخبار التي ذكرت في القرآن بعبدة الكواكب وحدهم هذا ليس بواجب هذا ليس بواجب يدخل في ذلك من كان من عبلة الكواكب لانهم فارقوا دين عبادة الاوثان السفلية
فلما فارقوا دين عبادة الاوذان السفلية الى عبادة الكواكب رأوا في ذلك فضلا ولا سيما انهم اتخذوا عبادة الكواكب بشيء من الطرق الفلسفية التي تكلموا فيها عن العقل الفعال والنفوس الفاضلة الزكية. ولهذا ولدها في كلام
كثير ممن دخل في هذه الطرق من النظار الذين انتسبوا لهذه الملة كصاحب الشفاء وامثاله وصاحب وهو صاحب الاشارات والتنبيهات ذكروا مثل ذلك في العقول العشرة والنفوس التسعة والعقل الفياض الى غير ذلك
فكل هذا من اثار دين الصابئة الذين كانوا في بلادي اه او في جملة من البلاد يعبدون الكواكب وهم القوم الذين بعث فيهم رسول الله ابراهيم عليه الصلاة والسلام ولهذا تجد في كتاب الله ان ابراهيم عليه الصلاة والسلام جادلهم في امر الكواكب
وكذلك نولي ابراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رآى كوكبا قال هذا ربي اما افلا قال لا احب الافلين. فهذا في ابطال عبادة تلك الكواكب
التي جعلوا لها هياكل نصبوها وبنوا لها في مدنهم وحواضرهم الهياكل التي يجعلونها متصلة بتلك الكواكب او اه مرمزة بها او غير ذلك من الاحوال وهم الذين قال الله في ابطال شركهم وتلك حجتنا اتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء
والله جل وعلا ابطل دين هؤلاء كما ابطل دين غيرهم من اصناف المشركين بما انزل على عباده المرسلين ولكن هذا الاسم هو من حيث هو يكون مجردا هو ليس اسما دالا على فعل
يكون بالضرورة باطلا كاسم الشرك او علما او علما على ملة مقتصرة على وجه من الضلال. ولهذا العرب لما جاء رسول الله وبهذا الدين قالوا هذه الكلمة الصابئ لان لها دلالة من جهة الانتقال من دين الى دين اخر يقول
يقول المنتقل فيه انه ترك الباطل الى الحق فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله حق عليه الصلاة والسلام وما جاء به هو الحق. لما كان رسول الله يبطل شركهم
كما ابطله الله جل وعلا سموا رسول الله صابئا بهذا الاعتبار وعلى هذا فان الاية هنا ليست في مدح الصابئة على الاطلاق وليست في مدح اليهود او النصارى على الاطلاق. وانما قوم اتبعوا الانبياء حقا
قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. وصدقوا المرسلين كاصحاب موسى واصحاب عيسى او من سار على طريقتهم فهؤلاء اذا لقبوا بهذه الالقاب كاليهودية او النصرانية او الصابئة في دين نبي اخر فان هذا
لا يبطل اعمالهم بمثل هذه الالقاب لانها القاب غير مستحكمة من جهة دلالتها اللفظية ظرورة بالباطل بخلاف اسم الشرك فانه لا يتصور فيه الا ان يكون الكفر بالله سبحانه وتعالى. ولهذا ما ذكرهم الله هنا
ولا ذكر المجوس هنا وانما ذكر اليهود والنصارى والصابئون. ان الذين امنوا والذين هادوا النصارى والصابئين واجلالا للملتين الكتابيتين اللتين اتصلتا بهذه الملة من جهة الاجلال متعلق باصول هذه الملل
التي انزلها الله وليس الاجلال متعلق يكون متعلقا بالاتباع الذين عرفوا هذه الملل وانما لان الملل الكتابية التي ادركت العرب المتأخرين الذين بعث بهم رسول الله عليه الصلاة والسلام الملل الكتابية هي اليهودية والنصرانية
ولم يكن هنالك ملة عند بعثة رسول الله تكون كتابية او اصلها كتابي غير هاتين الملتين. ومن هنا اخر ذكر في هذا المقام عن النصارى ولما ذكر الله مقام الفصل قدم ذكر الصابئة على ذكر النصارى
وقال الله جل ذكره ان الذين امنوا والذين عادوا والصابئين والنصارى وقدم الصابرون في اية الفصل ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة
وهذا يعلم من جهة هذه الاسماء. فاذا هؤلاء الذين ذكروا هم قوم مؤمنون وهذه الاية ولها نظائر في القرآن هي عند السلف من هذه الامة رحمهم الله هي اية محكمة بينة
فانهم يحملونها اما على المعنى الذي ذكرته في جملته او بعض اعيان السلف رحمهم الله من اهل التأويل من الصحابة والتابعين يحملون هذه الاية على من امن من اليهود او النصارى او الصابئة بنبوة محمد بعد ادراكها
فهم يحملونها على المعنى الاول الذي ذكرته وهو الاظهر او يحملون على انهم اليهود الذين اسلموا ودانوا بدين رسول الله او النصارى كذلك وهاتان طريقتان معروفتان للسلف. ولكن هذه الاية كغيرها من اي القرآن هي محكمة
ولا ينبغي ان ينظر ان هذه الاية فيها قدر من الاشتباه او الاشكال ان كتاب الله جل وعلا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولكن قد تكون بعض المقدمات
التي تلزم بعض العقول لقصر العلم والفقه او قصر الفهم لكلام العرب فتكون بعض هذه المقدمات اللازمة في العقول او في بعض العقول توجب بعض الاشكال ثم يقال بعد ذلك هذه اية مشكلة
لا بد من بيانها وكيف يزال اشكالها وما الى ذلك فنصب الاشكال بين يدي اي القرآن حتى ولو تكلم ناصب الاشكال بعد ذلك بما يراه او بما حقيقته تجلية لهذا الاشكال
هذا المنهج وان بدا لبعض الناظرين او السامعين انه نظر بليغ او انه علم حصيف ولكنه نظر ضعيف غريب على طريق لان اية القرآن محكمة في دلالاتها لا ينصب عليها الاشكالات ثم يجاب عن هذه الاشكالات
وانما الاشكالات تنصب على كلام الناس وقد تنصب على كلام بعض اهل العلم ثم يرد عليها او يجاب عنها واما في كتاب الله فان اية الكتاب محكمة ولهذا لما نزلت هذه الاية لم يلتبس امرها
لا هي ولا غيرها من اية الكتاب على احد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وان كان بعض هذه الاية يكون محل الوقوع فيها محتملا. فقد فسرها بعضهم بما ذكرت في الاول
بانهم اصحاب عيسى الذين سلفوا او اصحاب موسى الذين سلفوا وفسرها بعضهم بمن امن من اهل الكتاب بمحمد عليه الصلاة والسلام وترى ان هذا التفسير الاول لا يمنع الثاني وان الثاني لا يمنع الاول
اليس كذلك؟ فان هذا من المتفق عليه وهذا يشبه ان يكون من تفسير التنوع او من اختلاف التنوع وهو كثير في فهم الصحابة رضي الله سأل عنهم وهذا من سعة دلائل القرآن
ان الدليل يكون فيه ما هو من التنوع في بعض دلالته وقد يفسره قوم بهذا ويفسره قوم بهذا ولكن اذا قيل هذا الحكم الذي ذكر في الاية وهو الحكم هو قول الله فلهم اجرهم عند ربهم
ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. هذا الحكم الا ينطبق على الحواريين الا ينطبق على الحواليين اصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام؟ الجواب بلى. هذا مقطوع مجمع عليه. الا ينطبق على من امن بنبيه
من النصارى وصلحوا ايمانه وتصديقه ينطبق او بلى هذا مجمع عليك. اذا هذه المعاني محكمة فهذا الاحكام بالمعاني هو فرع عن الاحكام في الخطاب واما نصب الاشكال ثم الاجابة عنه من وجوه
هذا يقع في بعض الكلام في تفسير القرآن وهذا غريب غريب على طريقة السلف ومن وانما وقع اول ما وقع في كلام بعض المتكلمين الذين فسروا القرآن وصاروا يقولون وهذه الاية مشكلة على دليل العقل من كذا او هذه الاية مع الاية الاخرى ثم يذكرون
اية اخرى فيقولون مشكلة ثم يقال ويجاب عنه. ثم يراجع هذا الجواب فنصب ذلك في كلام اهل العلم وبحوثهم هذا من الممكن والتحرير في كثير منه مع ان بعضه قد يكون تكلفا لكن قدر منه تحرير وضبط في كلام الناس وكلام اهل العلم وتراجع اهل العلم
حلم فيما بينهم واما بين يدي الاية وايات الكتاب المبين او كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فان هذا غريب على الطريقة ومثله التكلم كما سبق بالتعارض ولهذا كل هذه الاصطلاحات لم تعرف الا في العصور المتأخرة
لم تعرف الا في العصور المتأخرة نعم  واذ اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما اتيناكم بقوة. خذوا ما اتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون. نعم. اذا الاية ان الذين امنوا
فيها مقامات فيها مقام الايمان بنبوة الانبياء فيه ان دين الانبياء واحد فيها تحقيق العدل لمن امن بالله وهو على دين نبيه قبل بعثة نبينا فكل هذه مقامات تعد من اصول الدين
وقواعده المحكمة امن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون كل امن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله ثم قال الله جل وعلا واذا اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور
اخذ الله الميثاق على بني اسرائيل وهذا الميثاق المخاطبون هنا هم بنو اسرائيل. والميثاق الذي اخذه الله هو الايمان. هو الايمان وهو الاتباع للانبياء وانما بين انهم خرجوا عن هذا الميثاق
انهم خرجوا عن هذا الميثاق لما كثر في دينهم من التحريف وقد قال طائفة من السلف بان الميثاق هنا هو الميثاق الاول الذي قال الله فيه لجملة بني ادم واذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم
قالوا بلى ولا شك ان هذا ميثاق في كتاب الله كما ترى قد ذكره الله في كتابه ولكن الميثاق الذي ذكره الله في هذا المقام الاحرى والاظهر من سياق الاي وهو قول كثير من
بهذه الامة من الصحابة وغيرهم انه الميثاق المختص بالبوة انبيائهم وان الله سبحانه وتعالى بين في هذه الاية واذا اخذنا ميثاقكم بين انهم خارجون عن دين انبيائهم لما؟ لان اقوى شبهة لاهل الكتاب ما هي
ابلغ شبهة لاهل الكتاب انهم على دين موسى او على دين عيسى هذه ابلغ شبهة لاهل الكتاب. فبين الله جل وعلا انهم تاركون لهذا الميثاق. وهو التوحيد والاتباع لان الانبياء جميعا
ولان رسل الله جميعا انما جاءوا بتوحيد الله وعبادته وحده لا شريك له. ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. فبين الله انهم تاركون لميثاق الانبياء
هذا هو الميثاق الخاص المتعلق بدين انبيائهم ورفعنا فوقكم الطور الطور على رأي او على قول كثير من اهل العربية او اكثرهم هو الجبل وبعضهم يجعله في الجبل الذي له نبت
الذي عليه نبت وليس مجردا او اجرد وبعضهم يقول انه في الجبل الذي يكون منبتا عن غيره طودا قائما وحده في لاحد من الارض فيكون منارا يرى من بعيد على لاحب مستو من الارض. فهذا يسمى
ويسمى طودا وبعضهم يجعله في الجبل مطلقا وبعضهم يقول انه الجبل في غير لغة العرب ولكن العرب تكلمت به فعرب فيجعله من حيث الاصل ليس من اسماء العربية. لكنه تكلم به في العرب فعرب. ولا شك ان الكتاب المبين وهو
القرآن كل ما فيه فانه عربي كما سبق بيان ذلك قال الله واذا اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ولهذا الميثاق كما ذكرت انه الخاص. ولهذا اضيف لهم اخذنا ميثاقكم فهو مضاف اليهم على الاختصاص
وقال جل وعلا ورفعناه فوقكم الطور رفع الطور هذا فيه للصحابة والسلف فيه قولان. منهم من يقول ان الطور رفع على الحقيقة حتى رأوه كالظل فوق رؤوسهم وهذا من جنس ما امر الله سبحانه وتعالى البحر
ومن جنس ما وقع في عصا موسى عليه الصلاة والسلام اذا هي ثعبان مبين الى غير ذلك. فهذا من ايات الله عليهم فهذا قول وطريقة. والله جل ذكره على كل شيء قدير
لكن هل هذا ورد به تفصيل على هذه الطريقة انما اخذوه من السياق انما اخذوه من السياق اي ما قالوه كما يقول من يقول انه هو السياق ورفعنا فوقكم الطور
ويستدلون لذلك بمثل قول الله جل وعلا ويجعلون هذا مما يفسر بعضه بعضا في قول الحق سبحانه واذ نطقنا الجبل فوقهم كانه ظله وظنوا انه واقع بهم هذه طريقة وهنالك
طريقة لبعض اعيان علماء العربية وبعض اعيان المفسرين ان قول الهاري جل وعلا ورفعنا فوقكم الطور اي ان الطور تزعزع بهم ان الطور تزعزع بهم وان قوله ورفعنا فوقكم الطور هو زعزعته. حتى ظنوا انه واقع بهم
رفعنا الرفع هنا لا يدل عندهم على ان يكون عليا عليهم فوق رؤوسهم وانما رفعه حركته وزعزعته وهو الذي سمي بالاية الاخرى نسقن قال الله تعالى واذ ثقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة
ولهذا جاء في الاية تلك قال الله تعالى وظنوا انه واقع بهم ولم يقل او لم يأتي بالاية انه واقع عليهم وانما واقع بهم قال ابو عبيدة معمر ابن المثنى وبعض ائمة العربية ان نتقه والزعزعة
زعزع بهم الجبل حتى ماد بهم حتى ماد بهم وظنوا انه واقع بهم وانه مندك بهم. فهذا طريق وهذا طريق العربية تحتمل هذا وهذا قال الله جل وعلا واذ نطقنا قال الله تعالى جل وعلا واذا اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما اتيناكم بقوة
بقوة اي بعزم وايمان القوة يراد بها الجد كما قاله بعض السلف وهو العزم في هذا المقام والله جل وعلا قد امر عباده بذلك. ومنه قوله جل وعلا يا يحيى
خذ الكتاب بقوة فقوله خذوا ما اتيناكم بقوة اي بقوة ايمان وعزيمة على الفعل فان العزيمة والاقبال على العمل انما يكون بقوة الايمان الذي في القلب انما يكون بقوة الايمان الذي في القلب فانه يتفرغ عنه ولابد
فان العمل يتبرع عن ما في القلب ولابد. ولهذا كان الايمان عند سلف هذه الامة هو القول والعمل قال الله تعالى خذوا ما اتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون
اذكروا ما فيه الذكر هنا هو العلم به والعمل به فهذا هو الذكر له او هذا هو الذكر فيه. قال الله تعالى واذكروا ما فيه اي اعملوا بما جاء به انبيائكم من النبوة والهدى لعلكم تتقون
عذاب الله وغضبه وسخطه الذي الم واحاط بمن كفر بالله جل وعلا. نعم فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين. تولوا بان لم يستجيبوا فكثر فيهم الفسق والمعصية حتى خرج بعضهم عن ملة انبيائهم
فكثر فيهم الفسق والمعصية من بل خرج بعضهم عن دين انبيائهم الى ما هو فوق ذاك الفسق والمعصية الى الكفر ولكن الله جل وعلا سبحانه وتعالى بين فضله ورحمته وفضل الله ورحمته عليهم
وهو ان الله سبحانه وتعالى جعل الرسل فيهم تترا. وجعل الانبياء فيهم تترا اي في عباده وهذا فضل الله على جملة بني ادم. وعلى بني اسرائيل فان الانبياء كانت تسوسهم
فهذه فاولئك الانبياء عليهم الصلاة والسلام الذين ذكرهم رسول الله بقوله كانت بنو اسرائيل تسوسهم الانبياء هو من فضل الله فانهم لم يتركوا في ذلك الجهل والضلال والاعراض. وانما جاءتهم النبوات تدعوهم الى الحق والى طريق مستقيم
ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين اولئك الذين فرطوا من اهل الكتاب. من بني اسرائيل حتى كفروا بالله سبحانه وتعالى. والذين اعتدوا في السبت
الذين قال الله فيهم ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت. اي في يوم السبت وهم القوم الذين قال الله فيهم في مقام اخر واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر
اذ يعدون في السبت اذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يثبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون. واولئك القوم كفروا بالله واحتالوا على دين الله. فلما نهاهم نبيهم عن الحيتان وهي السمك يوم السبت
نصبوا لها شراعا وجعلوا ذلك في يوم الجمعة ثم يجمعونه يوم الاحد فاحتالوا على دين الله مع ما هم عليه من هذا الكفر بالله سبحانه ومن تكلم منهم دين نبيه
فانما كان من تكلم من اصحاب السبت بانه متبع لذلك النبي فانما كان منافقا كنفاق عبدالله ابن ابي وهو النفاق الاكبر فلم يكونوا اهل ايمان لم يكونوا اهل ايمان. ولهذا لما جمعوا الكفر والنفاق
والاحتيال على امر الله سبحانه وتعالى مسخهم الله جل وعلا كما في هذه الاية. وفي غير ذلك قال فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فهؤلاء هم الذين اعتدوا في السبت وهذه الاية تدل على تعظيم
وضرر الحيل على الشريعة تعظيم وضرر الحيل على الشريعة فان الله اذا انها عما نهى عنه وجب امتثال امره سبحانه وتعالى ولكن من عرظ له مخالفة في فروع ما نهى الله عنه
فهذا حاله اهون من حال من احتال على هذا المحرم بحيلة زينها او زينت له لتكون مباحة فان هذا انما اذمه الله في اهل الكتاب وذمه رسول الله. كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عن اليهود
قال حرمت عليهم الشحوم فجملوه ثم باعوه فاكلوا ثمنه فباب الحيل كما يعلم مغلق في الشريعة وان كان بعض اهل العلم من اصحاب الامام ابي حنيفة يذكرون في فقههم الحيل
باعتبارها مسلكا معتبرا صحيحا. فان اصحاب الامام ابي حنيفة كما تعلم لا يريدون بالحيل الباطل وانما يريدون بعض المخارج من الفقه سموها حيلا وهي كذلك في العربية. فان هذا الاسم في العربية لا يدل على الذم
هذا الاسم في العربية لا يدل على الذم وانما اصله حل من عقد ومنه حل الحبل وغير ذلك نعم وجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين. فجعلناها الاظهر في هذا ان قول الحق سبحانه فجعلناها اي القرية
وهي التي ذكرها الله بقوله واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر فجعلناها اي جعلت هذه القرية باهلها قال فجعلناها اي القرية نكالا لما بين يديها وما خلفها نكالا اي كافة
والنكال ياتي في العربية على معنى العقوبة ويأتي النكال في العربية على معنى الانكفاف عن الشيء ومنه قولهم نكل عن كذا نكل عن كذا اي انه تركه بعد قيام بعض الاسباب عنده له
وقوله جل وعلا فجعلناها نكالا. قال كثير من اهل العلم من السلف والفقهاء في تأويل هذه الاية قالوا فجعلناها نكالا اي عقوبة والاحرى ان قوله وجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها اي جعلناها
كافة قاطعة لاسباب البغي ومثل هذه المعاصي التي عصي الله بها فجعلناها نكالا ايش؟ صارت هذه القرية عبرة لما بين يديها وما خلفها من القرى وما بين يديها وما خلفها يراد بها ما احاط بها من القرى
وليس ما كان اماما او خلفا على الاختصاص فان العرب تقول ما بين يدي الشيء وما خلفه واذا اجتمع ما بين يديه الشيء وما خلفه فان المراد في كلام العرب هنا
كل ما احاط من اي جهة كان سواء كان اماما او خلفا او ذات اليمين او ذات الشمال. لان لا يظن وان ان ما بين يديها هو الامام وما خلفها هو الوراء
فاين ذات اليمين واين ذات الشمال من القرى. فيقال العرب في كلامها اذا قالت ما بين يدي الشيء وما خلفه ارادت جميع ما احاط به. فجعل الله هذه القرية نكالا اي كافة سببا شاهدا كافا لما جاورها من القرى ولو كانت قرى ظالمة
كافرة لانهم رأوا الشاهد من عقوبة الله رأوا الشاهد من عقوبة الله والكافر ولو كان كافرا بالله اذا رأى الشاهد من عقوبة الله رجع او لم يرجع  انكف في تلك الحال نوعا كفاف
ولهذا فرعون لما ادركه الغرق كما اخبر الله عنه قال امنت انه لا اله الا الذي امنت به بنو اسرائيل فجعل الله هذا العذاب الشاهد كافا لتلك القرى الظالمة المجاورة لها. واما القرى المؤمنة واهل
الايمان بعد ذلك الى قيام الساعة فان شأن تلك القرية الظالمة يعد لهم موعظة ويعد لهم هدى يكفهم ولهذا ميز اهل الايمان فلم يذكروا في مقام انه نكال لهم. وانما ذكر انه موعظة
كلهم وهذا بانهم على مقام الايمان والاستجابة لله جل وعلا فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها من القرى الظالمة وموعظة المتقون ذكروا باسم الموعظة لان الموعظة دالة على قدر من تصديق القلب واستجابته
الموية هنا دالة على قدر من تصديق القلب واستجابته وهو ليس انفكاكا عن الشاهد فحسب ولهذا وصف القرآن بمقام الدعوة له بذلك قال الله في الدعوة ادعوا الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
والموعظة انما تحرك القلوب الى الاستجابة. نعم  واذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة قالوا اتتخذنا  قال اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين هذا من فروع ما كلف به بنو اسرائيل
وابتلاهم الله بهذا التكليف واذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة. ويأتي ببعض اية الكتاب واذ قال موسى لقومه يا قومي وفي هذه الاية لم يأتي يا قومي وانما قال واذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم
وهذا والله اعلم لان هذه الاية في مقام التفصيل لبعض ما كلفوا به تكليفا مختصا وهو ان يذبحوا هذه البقرة التي امروا ان يذبحوها على اسم الله سبحانه وتعالى واذا جاءت الايات التي فيها ذكر
خطابه بقومه يا قومه ففي عامة ما يذكر ذلك يكون في خطاب الانبياء بما هو من الاصول. يكون في خطاب الانبياء بما هو من الاصول. واذ قال نموت عليكم ان الله يأمركم
ان تذبحوا بقرة وهذا من تمام الخطاب في خطاب موسى عليه الصلاة والسلام انه اظاف الامر الى ربه سبحانه لان الانبياء عليهم الصلاة والسلام مبلغون عن الله والامر لله وحده لا شريك له
والشرع والدين لله وحده لا شريك له والرسل والانبياء هم رسل الله هم صفوة بني ادم وهم اخص عباد الله ايمانا ودينا اصطفاهم الله بالنبوة والرسالة بلغونا دين الله جل وعلا. كما قال الله جل وعلا لست عليهم بمسيطر
ولا يملكون لانفسهم نفعا ولا ضرا. كما قال الله لنبيه قل لا املك لنفسي نفعا ولا ضرا الا ما شاء الله ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء
الحق وهو الله سبحانه وتعالى له الامر من قبل ومن بعد. فالامر امره وحده لا شريك له والشريعة هي ما اجعله الله للانبياء شريعة كما قال الله جل وعلا ثم جعلناك
على شريعة من الامر وكما قال الحق سبحانه لكل جعلناه منكم شرعة ومنهاجا. ولهذا وصف رسول الله بقول الله عنه وما ينطق الهوى ان هو الا وحي يوحى صلى الله عليه وعلى انبياء الله اجمعين. نعم
قالوا ادع لنا يبين لنا ما هي قال انه يقول انها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعل امروا بالامر امرا مطلقا ان يذبحوا بقرة فتكلفوا على الشريعة وعلى امر الله فسألوا عن صفاتها
وعن غير ذلك من احوالها وكما قال بعض السلف رحمهم الله شددوا فشدد عليهم والا فاصل الامر انما امرهم الله ان يذبحوا بقرة وان يذبحوها على اسم الله والذبح على اسم الله سنة ماضية
سنة ماضية. وانما قالوا اتتخذنا هزوا لما في قلوبهم من الضلال والنفاق والا فان الذبح على اسم الله هو سنة ماضية ثم قالوا بعد ذلك ما ذكر الله جل وعلا عنهم. فقال الله سبحانه قال ادع لنا ربك يبين لنا ما هي
يعني ما صفتها من جهة سنها ونحو ذلك؟ قال انه يقول انها بقرة لا فارظ ولا بكر عوان بين ذلك الفارغ في كلام العرب هي المسنة التي شابت في سنها
وان كان في البقر يقال مسنة على سن معين. كما يقوله الفقهاء باحكام زكاة البقر لكن يقصدون بكلام العرب هنا او بالبيان المعنى على جملة عربية الشديدة العمر البالغة في العمر التي ارهقتها السنون فهذه
الفارض هي الفارظ وهي الشارب في الابل وتسمى بالابل شارفا وتسمى بالابل شارفا لا فارض ولا بكر. والبكر هي التي لم يطرقها الفحل ولم تستفحل فالتي لم تستفحل تسمى بكرا
والعوان هي الوسط بين ذلك العوام اي الوسط وبين ذلك العواد قال الله عوان بين ذلك بين كونها فارظا وكونها بكرا نعم قالوا ادعوا لنا ربك يبين لنا ما لونها. قال انه يقول انها بقرة صفرا
بعد ان سألوا عن سنها سألوا بعد ذلك عن لونها واخبرهم موسى عليه الصلاة والسلام انها بطلة صفراء واقع لونها تسر الناظرين. والصفراء على معناها المعروف في العادة وهي التي فيها صفرة
وهي صهرة تلاقي احوال البهائم كما هو معروف يقال في الابل صفراء ويقال في البقر صفراء وبعضهم يقول ان الصفراء في الابل اذا قالت العرب في الابل الصفراء فانهم يعنون بصفراء الابل التي يغلب فيها السواد
واما في البقر فانه لا يكون كذلك ولهذا قال العامة من اهل التفسير والعربية بان الصفراء في هذه الاية على بابها. ولهذا وصفت بانها فاقع لونها قالوا والعرب لا تقول في السواد فاقع
وانما يقولون ذلك في الصفرة ونحو ذلك. نعم قال ادعو لنا ربك يبين لنا ما هي ان البقرة شابه علينا وانا ان شاء الله بين من هذا الذي ذكره الله عنهم انهم قوم متكلفون
ولهذا التكلف في الشريعة واثارة الاغلوطات في الشريعة وفي الاحكام الشرعية. هذا ليس من طريق اهل الايمان. وانما هذا من لبس الحق بالباطل فهذا من التكلف الذي نهي عنه اتباع الانبياء
نعم قال انه يقول انها بقرة لا دلول تثير الارض لا تسقي الحرث مسلمة فيها. نعم ليست بقرة تستعمل للحرث وهي الذلول للحرث ذللت حتى استجابت لحرث الارظ فلا تجفل عن ذلك
ولا انها سانية لا دلول تثير الارض ولا تسق الحرث. اي انها ليست تستعمل ثانية. وقد تستعمل بعض الامم البقرة سانية وبعضهم يستعملون الابل وكونها ثانية هذا قديم في احوال الامم انهم يستعملونها البقرة للحرث اكثر ويستعملونها تارة سانية
لا دلول تثور الارض ولا تسقي الارض مسلمة اي من هذه الاحوال والاوصاف لا شيئة فيها لا شية فيها هذا قد قيل فيه اقوال فقيل لا شية فيها اي لا بياض فيها وانما هي لون واحد
وقيل بان قوله لا شية فيها اي لا عيب فيها وهذا الثاني كأنه احرى كأنه احرى والعربية تحتمل هذا وهذا. وهذا من جهة العربية محتمل. فبعضهم قال لا شيئة فيها اي لا بياض فيها
ولا علامة فيها في لونها وانما هي مستحكمة. والاظهر انه لا شية فيها انه تمام واحكام لقوله في صفتها مسلمة فهذا من احكام قوله مسلمة اي انها مسلمة من هذه الاوصاف
ومسلمة من غيرها مسلمة من غيرها فان ذبح السانية وذبح ذات الحرث ليس امرا محمودا الثانية التي قامت على هذا العمل ليس محمودا. ولذلك لا يفعله اهله الا اضطرارا وجعلت مسلمة من الحاجة لها بمثل هذه الاعمال التي هي من حاجة الناس العامة. نعم
قالوا الان جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون. قالوا الان جئت بالحق وقد جاءهم بالحق من قبل ولكنهم تكلفوا بهذه السؤلات على شريعة نبيهم نعم قال الله جل وعلا فذبحوها
وما كادوا يفعلون. قوله وما كادوا يفعلون تكذيب لصدق السنتهم  قال الله تعالى  نعم. اقرأ  قالوا الان جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون. قوله سبحانه فذبحوها وما كادوا يفعلون. ذبحوها
هذا بينوا الدلالة قوله وما كادوا يفعلون هو بيان لتكذيب صدقهم في اسئلتهم فان تلك الاسئلة لما قالوا ان البقرة شابه علينا وانا ان شاء الله لمهتدون هذه ظاهرها انهم يستهدون اليس كذلك
وانهم يتبينون تحقيق الحق وانهم يتبينون تحقيق الحق فبين الله انهم كانوا منافقين بهذا الكلام ولهذا تربصوا بهذه الممانعة التي بينت حالهم بها بقول الحق سبحانه وما كادوا وما كادوا يفعلون
فذبحوها وما كانوا يفعلون اي كادوا الا يفعلوا ذلك لكثرة ما تربص به من الممانعة وذاك التكلف وكاد في اصلها كما يقال من افعال المقاربة فقوله وما كادوا يفعلون اي كادوا الا يفعلوا ذلك
وفيها اثبات لكن فيها دلالة على استحكام اسباب النفي او التربص بالممانعة نعم واذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون. وان قتلتم نفسا. النفس هنا  وقال بعض اهل التفسير في تعيينها
وليس ذمة من دليل في الشريعة من كتاب المبين او في كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام من هذه النفس التي ذكر انها قتلت؟ وهي نفس من بني ادم بلا شك ولكنها مبهمة
وهذا البحث الجمع للاقوال فيها كأنه مما لا اثر له ولا ثمرة له في تحقيق الايمان لان الله سبحانه وتعالى ابهم تلك النفس وذكرت نفسا حتى لا يدل على انه كان رجلا او كان انثى. وانما ذكرت نفسا. قال الله تعالى واذ قتلتم
فادارأتم فيها. ادارؤوا فيها على معنى ان كل فريق وان كل طائفة تدرأ عن نفسها امر هذه النفس وتجعل التهمة في قتلها على الطائفة الاخرى ادارؤا اي تمانعوا بالانكار. ادارؤوا اي تمانعوا بالانكار فكل قوم يجعلونها من شأن تلك
الطائفة والله مخرج ما كنتم تكتمون لان الله سبحانه وتعالى عليم بذات الصدور الله جل وعلا عليم بذات الصدور. ثم جعل الله لهم شاهدا في ذلك بقول الحق سبحانه وتعالى نعم
اياته لعلكم تعقلون. اروا هذه الاية وامروا ان يضربوه ببعضها فصارت هذه اية وبرهانا على توحيد الله جل وعلا وصدق الانبياء وابطال هذا الباطل الذي استعملوه وهذا الظلم الذي وقع على تلك النفس هذا ونسأل الله الكريم ان يوفقنا لما يرضيه وان يجنبنا اسباب سخطه ومناهيه اللهم اتنا تقواه
وزكها انت خير من زكاها انت وليها ومولاها ربنا اتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم انا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم اجعل بلادنا
امنة مطمئنة سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين. اللهم وفق ولي امرنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده لهداك واجعل العمل هم في رضاك اللهم سددهم في اقوالهم واعمالهم يا ذا الجلال والاكرام اللهم اجعلهم نصرة لدينك وشرعك يا حي يا قيوم
اللهم انا نسألك ان تجعل من رحمتك على اهل القبور من المسلمين في قبورهم اللهم انزل عليهم رحمة من رحمتك يا ارحم الراحمين. اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم اصلح احوال المسلمين اجمعين يا ذا الجلال والاكرام. سبحان ربك رب العزة
عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد اله وصحبه اجمعين
