الحمد لله رب العالمين واصلي واسلم على نبينا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين اما بعد قال الامام النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب اذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا
ابو اسرائيل نزر ان يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه. رواه البخاري. الحمد لله رب العالمين
صلي وسلم على البشير النذير نبينا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين اما بعد. هذا الحديث حديث عبد الله ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قصة هذا الرجل وهو ابو اسرائيل
من الانصار صحابي عابد رضي الله تعالى عنه حصل منهما جاء به الخبر من ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب وهذا فيما يظهر انه في المدينة في حال حضر النبي صلى الله عليه وسلم
كان يخطب فرأى رجلا قائما فسأل عنه لخروجه عن المعتاد المألوف من حال الناس في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم من القعود والجلوس بين يديه صلى الله عليه وسلم حال خطبته. فلما كان على هذه الحالة المختلفة سأل عنه
فقيل له نذر ان يقوم ولا يقعد ولا يستطيع ان يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فذكر في نذره اربعة امور القيام وعدم الاستظلال ان يكون في الشمس ظاحيا غير مستظل
والا يتكلم وان يصوم. واذا نظرنا الى هذا النذر الذي جرى من هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه رأينا انه لم يقره النبي صلى الله عليه وسلم فقد نذر ما هو عبادة وهو الصوم
ونذر ما هو عمل في بعظ العبادات وهو القيام فهو عبادة في الصلاة وعبادة في الوقوف بعرفة ونحو ذلك ونذر عدم الاستظلال وهذا ليس بعبادة ونذر الا يتكلم وهذا ايضا
ليس بعبادة مطلقا انما المأمور به الا يتكلم فيما ليس خيرا واما الخير فانه لا يسكت عنه فالصمت ليس عبادة في ذاته الا ان يكون مانعا من الكلام الباطل فلما كان النذر على هذه الحال
من الاجمال وعدم الموافقة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم رد النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس من هديه فقال مروه فليقعد لان القيام في غير الصلاة ونحوها مما جاءت به الشريعة لا يتقرب به الى الله عز وجل
وليستظل لان الظهور للشمس ليس مقصودا لذاته وانما يكون قد يكون ملازما لعبادة من العبادات كما لو كان في حج مثلا او كان الانسان صائما يمشي الى المسجد فيتعرض للشمس يؤجر على ذلك لكن ان يتعبد الله بالجلوء بالقيام وبعدم الاستظلال فهذا ليس عبادة
يتقرب بها الى الله عز وجل ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وامنتم واما الثالث من الاعمال قال صلى الله عليه وسلم وليتكلم لانه لا صمات في التعبد فلا يتعبد الله بالصمت الا ان يكون
عبادة من جهة امساك الانسان عن الشر وما ليس بخير من الكلام. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت فامر بالقول ابتداء
وصفه بالخير ان يقول خيرا فان لم يكن منه هذا فان الصمت عند ذلك يكون عبادة لا لذاته لكنه لانه يمسك به لسانه عن ان تكلم بما لا يرضي الله عز وجل
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم او ليصمت اي اذا لم يجد خيرا يتكلم به ولذلك قال وليتكلم واما العبادة الرابع والامر الرابع الذي نذره فهو الصوم. فقال وليتم صومه. لان الصوم عبادة. هذا الحديث فيه جملة من الفوائد
من فوائده ان النبي صلى الله عليه وسلم يلحظ حال اصحابه فيقوم ما يحتاج الى تقويم ويستفسر عما يحتاج الى استفسار فلما رأى الرجل قائما في لا يكون فيها الناس قياما سأل عنه. ولم يبادره بالسؤال اما لبعده او لغير ذلك من الاسباب. المهم انه سأل عنه واستفسر قبل
ان يتكلم ولعله بعيد لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجه الخطاب اليه انما قال مروه وفيه ايضا من الفوائد ان انه في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم من كان يأتي بعبادة ليست من عمله
صلى الله عليه وسلم فيرد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ويقوم الخطأ ويصوب الخارج عن الصراط المستقيم وذلك ان العبادة توقيفية فلا تكون الا امره وشرعه صلى الله عليه وعلى اله وسلم
ولهذا نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ما ليس بشرعه وامره باتمام الصوم الذي جاء به عبادة لله وقربة. وفيه من الفوائد ان من نذر شيئا من الاعمال غير مشروع فلا يلزمه الوفاء به. فان النبي صلى الله عليه وسلم لما اخبر انه نذر
الا يتكلم وان يقوم وما الى ذلك قال مروه فليقعد وليستظل وليتكلم ولم يأمره بالكفارة امره بعدم اتمام انفاذ النذر لانه لا ينعقد ولم يأمره صلى الله عليه وسلم بالكفارة لانه نذر غير منعقد اذ انه لا يتقرب الى الله تعالى الا بالطاعة. وبما شرع الله عز وجل على لسان رسوله
من نذر ان يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصي الله فلا يعصه. من الفوائد في هذا الحديث ان من نذر طاعة الله ولو كانت مخلوطة بغير طاعة فالواجب عليه ان يفي بالنذر. فان النبي صلى الله عليه وسلم امر الرجل ان يتم صومه لما كان ذلك طاعة لله كما
قال صلى الله عليه وسلم من نذر ان يطيع الله فليطعه ومن نذر ان يعصي الله فلا يعصه اللهم الهمنا رشدنا وقنا شر انفسنا علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا الزمنا هديه والعمل بسنته والقيام بشرعه وصلى الله وسلم على
نبينا محمد
