بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين وبعد فقال ابن القيم الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه الفوائد
ثم انتقل سبحانه الى تقرير النبوة باحسن تقرير واوجز لفظ وابعده عن كل شبهة وشك فاخبر انه ارسل الى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون رسلا فكذبوهم فاهلكهم بانواع الهلاك وصدق فيهم وعيده الذي اوعدتهم به رسله ان لم يؤمنوا. وهذا تقرير لنبوتهم ولنبوة من اخبر
وبذلك عنهم من غير ان يتعلم ذلك من معلم ولا قرأه في كتاب بل اخبر به اخبارا مفصلا مطابقا لما عند اهل الكتاب ولا يرد على هذا سؤال البهتل والمكابرة على جحد الضروريات بانه لم يكن شيء من ذلك. او ان حوادث الدهر ونكباته
اصابتهم كما اصابت غيرهم. وصاحب هذا السؤال يعلم من نفسه انه باهت مباهت جاحد لما شهد به العيان وتناقلته القرون قرنا بعد قرن فانكاره بمنزلة انكار وجود المشهورين من الملوك والعلماء والبلاد النائية
ثم عاد سبحانه الى تقرير المعاد بقوله هذا استعراض اه لما تضمنت في سورة قاف من المعاني قد تقدم ان هذه السورة جمعت من اصول الايمان بالله عز وجل وباليوم الاخر وسائر الاصول ما
آآ جعلها آآ في منزلة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطو بها في يوم الجمعة  ذكر المؤلف رحمه الله في سياقه لما تظمنته ما تظمنته من تقرير اصل الايمان بالرسل
وذلك ان الله تعالى ذكر هؤلاء الانبياء وما آآ سار على اقوامهم عندما كذبوهم وخالفوهم وهذا يتضمن الاقرار برسالاتهم وان الله تعالى لم اه وان الله تعالى بعث رسلا الى اقوامهم
بين من احوالهم ما انتهى اليه مآلهم وهذا ايضا دال على صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم حيث انه اخبر بما لم يحط به علما الا بما اوحاه الله تعالى اليه
ولا يمكن ان يكون هذا قد تلقاه من خبر احد من الخلق لان ما ذكره على وجه التفصيل لا لم يكن له به علم ولا تلقاه عن احد اذ انه
مطابق لما جاء في كتب اهل الكتاب وهم مختلفون فيما بينهم فجاء مطابقا لما اخبرت به النصارى وما اخبرت به اليهود مما جاء في كتابهم نعم قال ثم عاد سبحانه الى تقرير المعاد بقوله افعيينا بالخلق الاول
يقال لكل من عجز عن شيء عي به وعي فلان بهذا الامر قال الشاعر عيوا بامرهم كما عيت ببيضتها الحمامة ومنه قوله تعالى ولم يعي بخلقهن قال ابن عباس يريد افعجزنا وكذلك قال مقاتل
قلت هذا تفسير بلازم اللفظة وحقيقتها اعم من ذلك فان العرب تقول اعياني ان اعرف كذا وعييت به اذا لم تهتدي لوجهه ولم تقدر على معرفته وتحصيله فتقول اعياني دواؤك اذا لم تهتدي له
ولم تقف عليه. ولازم هذا المعنى العجز عنه والبيت الذي استشهدوا استشهدوا به شاهد لهذا المعنى فان الحمامة لم تعجز عن بيضتها. ولكن اعياها اذا ارادت ان تبيض اين ترمي بالبيضة
فهي تدور وتجول حتى ترمي بها. فاذا باضت اعياها اين تحفظها؟ وتودعها حتى لا حتى لا تنال فهي تنقلها من مكان الى مكان. وتحار ان تجعل وتحار اين تجعل مقرها كما هو حال من عي بامره
لم يدري من اين يقصد له ومن اين يأتيه وليس المراد بالاعياء في هذه الاية التعب. كما يظنه من لم يعرف تفسير القرآن. بل هذا المعنى هو الذي نفاه سبحانه عن نفسه
في اخر السورة بقوله وما مسنا من لغوب ثم اخبر سبحانه اذا قوله تعالى فعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد تقرير للايمان باليوم الاخر يعني هل عجزنا عن
افعينا بالخلق الاول هل عجزنا عن ايجاده ابتداء حتى يكون منا العجز عن اعادته بعد خلقه ولا ريب ان الاعادة ايسر من الابتداء فلما كان الله تعالى قادرا على الابتداء كان هذا دليلا على
قدرته على الاعادة سبحانه وبحمده نعم قال ثم اخبر سبحانه انهم في لبس من خلق جديد اي انه التبس عليهم اعادة الخلق خلقا جديدا ثم نبههم الى ما هو من اعظم ايات قدرته وشواهد ربوبيته وادلة المعاد وهو خلق الانسان
فانه من اعظم الادلة على التوحيد والمعاد واي دليل اوضح من تركيب هذه الصورة الادمية باعضائها وقواها وصفاتها وما فيها من اللحم والعظم والعروق الاعصاب والرباطات والمنافذ والالات والعلوم والايرادات والصناعات. كل ذلك من نطفة كل ذلك من نطفة ما
فلو انصف العبد ربه لاكتفى لاكتفى بفكره في نفسه واستدل بوجوده على جميع ما اخبرت به الرسل عن الله اسمائه وصفاته ثم اخبر سبحانه عن احاطة علمه به حتى علم وساوس نفسه
ثم اخبر عن قربه اليه بالعلم والاحاطة. وان ذلك اذن اليه من العرق الذي هو داخل بدنه فهو اقرب اليه بالقدرة عليه والعلم به من ذلك العرق وقال شيخنا المراد بقول نحن اي ملائكتنا. كما قال فاذا قرأناه فاتبع قرآنه. اي اذا قرأه
اليك رسولنا جبريل قال ويدل عليه قوله اذ يتلقى المتلقيان فقيد القرب المذكور بتلقي الملكين. ولو كان المراد به ولو كان المراد به قرب الذات لم يتقيد بوقت لتلقي الملكين فلا حجة في الاية لحلول ولا معطل
طيب اذا هذا القرب الذي ذكره الله عز وجل في الاية قرب عام وهو لكل الخلق لكنه قرب علمه واحاطته وادراكه لما يكون من خلقه سبحانه وبحمده وذلك بما اخبر به
من احصاء ملائكته وهذا ما قرره ابتداء حيث قال رحمه الله ثم اخبر عن احاطة علمه به التعاليم ما حتى علم وساوس نفسه وهذه وهذا الوجه اقرب من قول من قال ان القربى هنا هو قرب الله تعالى من كل خلقه
فان الله لم يثبت القرب الا ليه من اشتغل بعبادته وطاعته فالقرب الذي اظافه لنفسه قربه من الداعي وقربه من الذاكر وقربه من الساجد قربه من الداعي واذا سألك عبادي عني فاني
قريب اجيب دعوة الداعي اذا دعان قربه من الداعي ان الذي تدعون اقرب الى احدكم من عنق راحلته انكم لا تدعون اصما ولا غائبا ان الذي ان الذي تدعون اقرب الى احدكم من عنق راحلته
الثالث اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فكل هذه الاوجه هي من القرب الخاص ولم يرد قرب عام مضافا الى الله عز وجل وانما الوارد هو القرب الخاص
وبه يعلم ان ثمة فرقا بين المعية والقرب فالمعية نوعان معية عامة ومعية خاصة المعية العامة ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم ولا ادنى من ذلك ولا اكثر الا هو معهم
اينما كانوا فهذه معية عامة لكل الخلق وهي معية تثبت معاني الربوبية من الخلق والتدبير والقدرة وغير ذلك من المعاني التي تقتضيها الربوبية اما النوع الثاني من المعية فهي المعية الخاصة
في من خصهم الله بمعيته ان الله مع الصابرين ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وما اشبه ذلك انني معكما اسمع وارى اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا
كل هذه انواع من المعية خاصة بالمذكورين وهي قد وردت في القرآن على نحوين. معية خاصة باشخاص ومعية خاصة باوصاف المعية الخاصة بالاشخاص انني معكما اسمع وارى موسى وهارون و
النبي صلى الله عليه وسلم وابي بكى لا تحزن ان الله معنا واما المعية العامة الخاصة للاوصاف اه في قوله ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون اما القرب فلم يرد على هذا النحو
بل ورد مقيدا باحوال كما تقدم الدعاء والذكر والسجود واما هذه الاية فالقرب المذكور فيها وقرب ملائكته جل في علاه واستدل لذلك بما في الاية بما في السياق من قوله اذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول الا الا لديه رقيب
عتيد نعم ثم قال ثم اخبر سبحانه ان على يمينه وشماله ملكين يكتبان اعماله واقواله ونبه باحصاء الاقوال وكتابتها على كتابة الاعمال. التي هي اقل وقوعا واعظم اثرا من الاقوال. وهي غايات
ونهايتها ثم اخبر عن القيامة الصغرى وهي سكرة الموت وانها تجيء بالحق وهو لقاؤه سبحانه يعني لو قال قائل الاحصاء للاقوال والاعمال اين هي يقال الاحصاء للاقوال دليل على احصاء الاعمال
وذلك ان القول اذا احصي فثمرته ونتيجته محصاة ثمان القول اكثر وقوعا من عمل وقد دلت الادلة الاخرى على احصاء كل ما يكون من الانسان كما قال الله تعالى ان كل نفس لم عليها
حافظ كما قال الله تعالى انا كنا نستنسخ ما كنتم ايش؟ يعملون فهذا يدل على ان الاحصاء شامل لكل ما يصدر عن الانسان نعم  قال ثم اخبر عن القيامة الصغرى وهي سكرة الموت وانها تجيء بالحق
وهو لقاؤه سبحانه والقدوم عليه وعرض الروح عليه والثواب والعقاب الذي تعجل والثواب والعقاب الذي تعجل لها قبل قبل القيامة الكبرى ثم رجع هذا هو تفسير الحق في قوله وجاءت سكرة الموت
بالحق فسر الحق بما ذكر مما يكون بعد ما يكون في سياق الموت وبعده الى ما قبل البعث الحق الذي ذكره هنا شامل للقاء الله عز وجل والقدوم عليه وعرض الروح عليه والثواب والعقاب
وسائر ما يكون في القبر من فتنة ونعيم عذاب نعم ثم ذكر القيامة الكبرى ثم ذكر القيامة الكبرى بقوله ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ثم اخبر عن احوال الخلق في هذا اليوم
وان كل احد يأتي الله سبحانه ذلك اليوم ومعه سائق يسوقه وشهيد يشهد عليه. وهذا غير شهادة جوارحه وغير شهادة الارض التي كان عليها له وعليه وغير شهادة رسوله والمؤمنين. فان الله سبحانه يستشهد على العباد الحفظة والانبياء والامكنة التي عملوا
عليها الخير والشر والجلود التي عصوه بها ولا يحكم بينهم بمجرد علمه وهو اعدل العادلين. واحكم الحاكمين ولهذا اخبر نبيه انه يحكم بين الناس بما سمعه من اقرارهم وشهادة البينة لا بمجرد علمه. فكيف يصوغ لحاكم ان يحكم بمجرد علمه من غير بينة
ولا اكرار فاذا كان احكم الحاكمين العليم الخبير لا يحكم بما علمه من احوال خلقه بل يقيم على ذلك من الشواهد ما تقوم به الحجة على الخلق فاستشهد الحفظة واستشهد
اه الانبياء ويستشهد ما يكون من خلق الانسان والارض  غير ذلك ويستشهد غير ذلك ممن يشهدون  اه لا يقضي القاضي بعلمه يعني هذه مسألة من مسائل القضاء والفقه وهي حكم الحاكم بعلمه اذا علم الانسان
آآ امرا واختصم اه فيه اثنان فلا يكفي في الحكم ان يحكم فيها بعلمه واستثنوا احواله ولا الاصل انه لا يحكم الحاكم بعلمه هذا المقصود بقوله فكيف يصوغ لحاكم ان يحكم بمجرد علمه من غير بينة يعني
آآ آآ دليل وبرهان على الصدق او اقرار والبينة اما اجتهادا او غيره من من مما يبين الحق ولا اقرار اي اثبات بما عليه من حق او بما فيه الخصومة
قال ثم اخبر سبحانه ان الانسان في غفلة من هذا الشأن الذي هو حقيق بالا يغفل عنه والا يزال والا يزال على ذكره وباله وقال في غفلة من هذا ولم يقل عنه كما قال وانهم لفي شك منه مريب
ولم يقل في شك فيه وجاء هذا في المصدر وان لم يجئ في الفعل فلا يقال غفلت منه ولا شككت منه كان غفلته وشكه ابتداء منه فهو مبدأ غفلته وشكه. وهذا ابلغ من ان يقال في غفلة عنه وشك فيه
فانه جعل ما ينبغي ان يكون مبدأ التذكرة واليقين ومنشأهما مبدأا للغفلة والشك وايضا هذا فيه استحكام الغفلة حيث صارت ظرفا له وانهم وكذلك الشك في غفلة من هذا وكذلك قوله وكذلك قوله وانهم لفي شك منه مريب
فالغفلة والشك قد احاط به من كل وجه فاطبق عليه كما قال الله عز وجل في خبره عن الشيطان استحوذ على الشيطان استحوذ عليهم الشيطان فانساهم ذكر الله نعم ثم اخبر ان غطاء الغفلة
ان غطاء الغفلة والذهول يكشف عنه ذلك اليوم كما يكشف غطاء النوم عن القلب فيستيقظ وعن العين فتنفتح فنسبة كشف هذا الغطاء عن العبد عند المعاينة كنسبة كشف غطاء النوم عنه عند الانتباه. الله اكبر! يعني كما هي حال
الانسان اذا استيقظ من نومه اللهم اعنا على ذلك واجعله استيقاظا نسر به يا رب العالمين ثم اخبر سبحانه ان قرينه وهو الذي قرن به في الدنيا من الملائكة يكتب عمله وقوله يقول لما يحضره هذا الذي كنت وكلتني به في الدنيا قد احضرته واتيتك به
وهذا قول مجاهد وقال ابن قتيبة المعنى هذا ما كتبته عليه واحصيته من قوله وعمله حاضر عندي والتحقيق ان الاية تتضمن الامرين اي هذا الشخص الذي وكلت به وهذا عمله الذي احصيته عليه. فحينئذ يقال القياء في جهنم
وهذا اما ان يكون خطابا للسائق للسائق والشهيد او خطابا للملك للملك الموكل بعذابه وان كان واحدة وهو مذهب معروف من مذاهب العرب في خطابها او تكون او تكون الالف منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة
ثم اجري الوصل مجرى الوقف ثم ذكر صفات ثم ذكر المهم في قوله جل وعلا هذا ما لا ادري عتيد يطلق على المقصود المشار اليه هو العامل وما احصي عليه من عمل
نقف على هذا تفسير ان شاء الله بعد الصلاة
