اعوذ بالله من الشيطان الرجيم. واذ قال ابراهيم ربي اجعل هذا بلدا امنا وارزق اهله من الثمرات من امن منهم من امن منهم بالله واليوم الاخر. قال ومن كفر فامتعه قليلا
ثم الى عذاب النار وبئس المصير واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا. انك انت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك وارنا مناسكنا وتب علينا انك انت التواب الرحيم. ربنا وابعثنا
اسفيهم رسولا منهم يتلو عليهم اياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة زكيهم انك انت العزيز الحكيم وبعد فقال ابن جزير رحمه الله تعالى في كتابه التسهيل قوله بلدا يعني مكة وقوله امنا اي مما يصيب غيره من الخسف والعذاب
وقيل امنا من اغارة الناس على اهله لان العرب كان يغير بعضهم على بعض. وكانوا لا يتعرضون لاهل مكة هذا ارجح لقوله او لم يروا انا جعلنا حرما امنا ويتخطف الناس من حولهم
فان قيل لما قال في البقرة هذا بلدا امنا وفي ابراهيم هذا البلد امنا فعرف البلد في ابراهيم ونكره في البقرة فعن ذلك ثلاثة اجوبة. الجواب الاول قاله استاذنا الشيخ ابو جعفر ابن الزبير
وهو انه تقدم في البقرة ذكر البيت في قوله القواعد من البيت وذكر البيت يقتضي بالملازمة ذكرى البلد الذي هو فيه. فلم يحتج الى تعريفه. بخلاف اية ابراهيم انه لم يتقدم قبلها ما يقتضي ذكر البلد ولا المعرفة به فذكره بلام التعريف
والجواب الثاني قاله السهيلي وهو ان النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة حين نزلت اية ابراهيم لانها كيا فلذلك قال فيه البلد بلام التعريف التي للحضور فقولك هذا الرجل وهو حاضر بخلاف اية البقرة فانها مدنية ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها فلم
يعرفها بلا من حضور وفي هذا نظر لان ذلك الكلام حكاية عن ابراهيم عليه السلام. فلا فرق بين نزوله بمكة او المدينة والجواب الثالث قاله بعض المشارقة انه قال هذا بلدا امنا قبل ان يكون بلدا فكأنه قال اجعل
هذا الموضع بلدا امنا وقال هذا البلد بعدما صار بلدا. وهذا يقتضي ان ابراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين والظاهر انه مرة واحدة حكي لفظه فيها على وجهين. الحمد لله رب العالمين واصلي واسلم على البشير النذير والسراج المبين نبينا محمد
وعلى اله واصحابه اجمعين اما بعد يقول الله عز وجل واذ قال ابراهيم ربي اجعل هذا بلدا امنا وارزق اهله من الثمرات من امن منهم بالله واليوم الاخر اخر قوله جل وعلا بلدا امنا
هي مكة بالاتفاق فهي البلد الامين وهي البلد الامن وقوله امنا وكذلك الامين وصف له و تأمينه جاء مطلقا من غير قيد وذلك انه بلد امنه الله تعالى من كل مخوف
يخاف في غيره وهذا اجمع ما قيل في بيان معنى الاية او بيان معنى الوصف فلا يقتصر هذا على صورة من صور الامن بان يكون امنا من العقوبة او الخسف
او من اغارة الناس على اهلها او نحو ذلك بل هو شامل لجميع ذلك والاصل ان يبقى الامن الموصوف به البيت وبه هذا البلد على عمومه دون تقييد بصورة من صور الامن التي
ذكرت في تفاسير اهل العلم فما ذكروه هو تفسير بالمثال لا يقصر عليه الامن المذكور وما ذكر من انه الامن من اغارة الناس ونحو ذلك. قال وهذا ارجح لقوله تعالى او لم يروا انا جعلنا حرما امنا ويتخطف الناس من حولهم
محل نظر هذا الترجيح محل نظر لان ذكر بعض افراد العام بحكم لا يخالف العام لا يعد تخصيصا فما ذكر في هذه الاية هو ذكر صورة من صور التأمين التي
جعلها الله تعالى لهذا البيت وليس هذا قصرا على التأمين بهذه الصورة بل يبقى الامن الذي وصف به البيت واثبت له عاما دون تخصيصه بصورة من الصور وقوله رحمه الله
فان قيل لم قال في البقرة هذا بلدا امنا وفي إبراهيم هذا البلد امنا فقد ذكر الله تعالى هذا الدعاء اي دعاء ابراهيم عليه السلام للبيت ذكره في موضعين من كتابه
الاول هو هذا الذي في سورة البقرة والموضع الثاني في سورة ابراهيم عليه السلام وكلاهما دعا فيه ابراهيم ربه بتأمين البيت وانما اختلفت صيغة الدعاء اي اه من حيث تنكير والتعريف
ففي ففي ففي هذه السورة سورة البقرة ذكره الله تعالى منكرا قال واذ قال ابراهيم ربي اجعل هذا بلدا امنا وفي سورة إبراهيم واذ قال إبراهيم ربي اجعل هذا ربي اجعل
رب اجعل هذا بلدا نعم هذا اللي في سورة البقرة في سورة إبراهيم قال رب اجعل هذا البلد امنا وارزق اهله من الثمرات من امن منهم بالله واليوم الاخر. فالفرق في التعريف
والتنكير ذكر اوجه للتفريق بين الموظعين فذكر ثلاثة اجوبة الجواب الاول قال استاذنا الشيخ ابو جعفر ابن الزبير وهو ان انه تقدم في البقرة ذكر البيت في قوله تعالى واذ جعلنا البيت مثابة للناس وامنا
قال ووذكر البيت يقتضي بالملازمة ذكر البلد الذي هو فيه فلم يحتج الى تعريفه بخلاف اية ابراهيم فانه لم يتقدم قبلها ما يقتضي ذكرى البلد ولا المعرفة به فذكر فذكره بلا من التعريف
واضح لما ذكر البيت والبيت معروف انه في هذا البلد جاء به منكرا لاستغناء للاستغناء عن تعريفه ذكر البيت الذي عرف به البلد وهذا اوجه الاجوبة التي ذكرها المصنف رحمه الله. الجواب الثاني
ان ما نقل عن السهيلي ان النبي كان بمكة حين نزلت اية ابراهيم لانها مكية فعرف البلد فلذلك قال البلد بالتعريف للعهد الحضوري كقولك هذا الرجل وهو حاضر بخلاف اية البقرة فانها مدنية. لكن نظر في هذا الجواب بقوله وفي هذا نظر لان ذلك الكلام حكاية عن
ابراهيم فلا فرق بين نزوله بمكة او المدينة ويمكن ان يقال ان ذلك بالنظر الى موضع دعاء ابراهيم. لا موضع نزول الاية موضع دعاء ابراهيم فيقال انه لما لما دعا
للبيت في حال حضوره عرفه وفي حال غيبته ذكره فيكون قد دعا في موضعين وهذا الذي اشار اليه في الجواب الثالث قال بعض المشارق انه قال هذا بلدا امنا قبل ان يكون بلدا
فكأنه قال اجعل هذا البلد هذا الموضع بلدا امنا وقال هذا البلد بعدما صار بلدا فجعله هذا القول الثالث الجواب الثالث بالنظر الى اختلاف الحال اختلاف الحال حيث دعا اولا قبل مصيره بلدا عندما وضع ابنه
هاجر آآ هاجروا اسماعيل ربنا اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم. ربنا فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون قرون فان هذا الدعاء
كان في اول نزول هاجر واسماعيل في عند البيت قبل ان يكون بلدا واما الدعاء الذي في سورة البقرة فهو بعد ان صار بلدا حيث قال واذ قال ابراهيم ربي اجعل هذا بلدا
امنة قال هذا بلدا امنا بعد ان كان بلدا لانه انما رفع القواعد من البيت بعد زمن بعد ما كبر اسماعيل وشب وجاء ونزل حول البيت من نزل من جرهم
وغيرهم من الناس قال وهذا يقتضي ان ابراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين والظاهر انه مرة واحدة حكي لفظه فيه على وجهين. والذي يظهر انه كرر الدعاء فما استظهره رحمه الله
غير ظاهر بل ظاهر الايات انه دعا مرتين وهذا بالنظر الى سياق ايات سورة ابراهيم دعاء في اول  نزوله ربي اني اسكنت ربنا اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا
ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم. قبل قبل ان يكون بلدا وهو حار وهو حاضر ايظا كان حاضرا في الدعاء يجتمع على هذا ان ان الايات في سورة ابراهيم كانت قبل ان يصير بلدا
وكان في حال حضور ابراهيم عليه السلام في حال حضور ابراهيم عليه السلام واما دعاؤه في سورة البقرة فهو بعد ان صار البلد بلدا وهو ايضا في حال حضور لانه دعا فيما يظهر
بعد رفع القواعد من البيت او في سياق رفع القواعد من البيت واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا امنا وارزق اهله من الثمرات بعد ان عهد اليه بتطهير البيت
واذ جعلنا البيت مثابة للناس وامنا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى وعدنا الى ابراهيم واسماعيل ان يطهر بيته الى الطائفين والعاكفين والركع السجود نعم والله اعلم باسرار كلامه نعم سم
تقدم انه التطهير بنوعيه نعم قوله من امن بدلوا بدل بعض من كل. وقوله ومن كفر اي قال الله وارزق من كفر لان الله يرزقه في الدنيا المؤمنة والكافر. من امن بدل بعض من كل في قوله
بدا البعض من كل بعظ ارزق اه ربنا اجعلها وارزق اهله فمن بدأ من امن بدل من قوله من بدل من قوله اهله. نعم. بدل من قوله اهله لان من امن هم بعض اهله. وليسوا كلهم او جميعهم
هذا وجه قوله بدا البعض من كل طيب ومن كفر قال اي قال الله وارزق من كفر. هذا اذا كان المقبول الا اذا كان القائل هو الله. قال اي الله ومن كفر
وقيل القائل ابراهيم عليه السلام قال ومن كفر قوله قال الله وارزق من كفر لان الله يرزق في الدنيا المؤمن والكافر فيكون قوله قال استدراك من الله عز وجل على ابراهيم في دعائه
بان الرزق ليس خاصا بالمؤمن بل هو شامل المؤمن والكافر. فيكون استدراك لا دعاء لان الله لا يسأل. نعم. بل الله يعطي جل في علاه. هو المسؤول سبحانه وتعالى. فقوله ومن كفر اي واشمل بالدعاء من كان
سفر قال فامتعه قليلا ثم اضطره الى عذاب النار وبئس المصير وقيل ان هذا استدراك من قوله وارزق اهله من الثمرات لانه شامل للجميع وذكر بعظ اهله ليس تخصيصا انما
لمزيد عناية بهم مع شمول الدعاء للجميع. فجاء الجواب قال ومن كفر فامتعه قليلا يعني يعطيه الله تعالى شيئا قليلا لكنه يؤول به الامر الى ما ذكر فامتعه قليلا ثم اضطره الى عذاب النار وبئس المصير
نعم قوله ربنا تقبل على حذف القول اي يقولان ذلك واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا تقبل منا واسماعيل اي واذ يرفع كانا يقولان هذا معنى قوله واذا يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل ربنا
ثمة تقدير اشار اليه المؤلف في قوله على حذف القول اي انهما كانا يقولان وقت رفع القواعد من البيت ربنا تقبل منا فيكون دعاؤهما وقت رفع القواعد من البيت لا بعد الفراغ منه
على ان جماعة من المفسرين قالوا ان هذا الدعاء انما كان بعد فراغهما من البيت والاية تحتمل هذا وذاك فدعاء القبول يكون في اثناء العبادة وبعدها وليس مقصورا فقط على ما يكون بعد العبادة والفراغ منها
ربنا تقبل والقبول يتضمن الرضا والاثابة فسؤال القبول هو سؤال الله عز وجل الرضا عن العمل والاثابة عليه انك انت السميع العليم توسل الى الله عز وجل بهذين الوصفين الموجبين لحصول المطلوب
انك انت السميع لما نقول العليم بما يكون منا ظاهرا وباطنا فشمل هذا كل ما يصدر على الانسان لان ما يصدر على الانسان اما قول فيسمع واما فعل ظاهرة وباطن في علم. انك انت السميع العليم
وهذا تنبيه الى ان القبول انما يكون لما طاب من القول ولما صلح من العمل ظاهرا وباطنا وتنبيه الى ضرورة العناية بالنية فان النية مما يعلمه الله عز وجل ويطلع عليه ويجزي على وفقه العاملين. قال
وارنا مناسكنا قوله وارنا مناسكنا اي علمنا مواضع الحج. وقيل العبادات وهذا اوسع قال تعالى ربنا وجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك فدعوات ليه انفسهما ولذريتهما بالاسلام وهو اعظم ما يمن الله تعالى به على العبد. فمن يرد الله ويهديه ويشرح صدره للاسلام. وارنا مناسكنا
يقول اعمال الحج والعبادات والذي يظهر والله تعالى اعلم ان المناسك هنا تشمل الحج وغيره من الاعمال لان العبادات التي تكون عند البيت ليست مقصورة على الحج بل تكون بالحج وبالطواف وبالاعتكاف وبسعر صالح العمل
وارنا مناسكنا ثم قال وتب علينا انك انت التواب الرحيم. تب علينا اي من علينا بالتوبة توفيقا وقبولا. فالتوبة تكون بالتوفيق اليها وبالقبول  اذا تاب العبد وكلاهما مما يسأل الله عز وجل
ويطلب منه سبحانه وبحمده فهو الموفق للتوبة وهو الذي يتفضل بقبولها اه ومن ذكر فيه نوعي التوبة قوله جل وعلا وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى اذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم انفسهم
وظنوا ان لا ملجأ من الله الا اليه ثم تاب عليهم قال ليتوبوا فقوله وتب علينا يشمل التوفيق للتوبة والقبول لها وهذه الاية شملت المعنيين ثم تاب عليهم اي وفقهم للتوبة
ليتوبوا اي ليقع منهم التوبة التي يقبلها الله عز وجل ويجزي عليها قال بعد ذلك ان الله هو التواب الرحيم التواب الذي يوفق للتوبة ويعين عليها والتواب الذي ايش يقبل التوبة عن عباده فقوله تعالى وتب علينا
انك انت التواب الرحيم شاملة لنوعية التوبة التوبة السابقة بالتوفيق والتوبة اللاحقة بالقبول قال ربنا واجعلنا قوله فيهم اي في ذريتنا وقوله رسولا منهم هو محمد صلى الله عليه وسلم. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم انا دعوة ابراهيم
والضمير المجرور لذرية ابراهيم واسماعيل وهم العرب الذين من نسل عدنان. واما الذين من نسل قحطان فاختلفا هل هم من ذرية اسماعيل ام لا وقوله الكتاب هنا القرآن وقوله الحكمة هنا السنة وقوله ويزكيهم اي يطهرهم من الكفر والذنوب. قوله تعالى ربنا
يبعث فيهم رسولا منهم اي من جنسهم وقول فيهم اي في ذريتنا التي ربنا واجعلنا ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا. ففيهم عائد الى ذريتهم رسولا منهم اي من يتلو عليهم اياتك
يتلو عليهم اياتك اي يقرأها ويبينها ويتبعها ويعمل بها. فالتلاوة هنا شاملة للقراءة والعمل ويعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم ان يبين لهم الكتاب المنزل اليهم والحكمة وهي بيان القرآن بفعله صلى الله عليه وسلم. قال ويزكيهم
اي يطهرهم من الكفر والذنوب والتزكية هي التهذيب والتنقية وهذه وظائف الرسل صلوات الله وسلامه عليهم تلاوة ايات الله تعليم الكتاب والحكمة التزكية وهي الثمرة الحاصلة مما تقدم. فمن تلا القرآن
والكتاب وتعلم الكتاب والحكمة فانه سيثمر ذلك عملا ذلك ويكون بالتزكية انك انت العزيز الحكيم العزيز الممتنع عن كل ما يعيب او ينقص الحكيم فيما تشرعه وتقضي به  والله تعالى اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ومن احب ملة ابراهيم
غدا ان شاء الله تعالى
