وبعد قسم بالله اعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا اولياء الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات
اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون هذه الاية الكريمة من سورة البقرة جاءت بعد قوله جل وعلا لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى
لا انفصام لها والله سميع عليم وتقدم لنا ان عرفنا قول بعض المفسرين رحمهم الله بان هذه الاية الله ولي الذين امنوا والتي قبلها هي متممة لاية الكرسي وذلك ان اية الكرسي
تشمل الثلاث الايات. والصحيح ان اية الكرسي هي الاية الاولى فقط وهنا يقول الله جل وعلا الله ولي الذين امنوا هذه كالدليل لما قبلها حيث قال جل وعلا فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها
المستمسك بالعروة الوثقى الله جل وعلا وليه وناصره ومؤيده الله ولي الذين امنوا والله جل وعلا متولي لجميع عباده مؤمنهم وكافرهم لكن الله جل وعلا تولى الخلق بالاحاطة والاطلاع والتدبير
واما النصرة والتأييد فهذه للمؤمنين الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات الى النور يخرجهم من الظلمات مجموعة الى النور واحد وذلك ان صراط الله جل وعلا واحد والسبل المنحرفة
عن الصراط المستقيم كثيرة ولهذا الاديان الضالة كثيرة والدين الاسلامي واحد الدين الحق واحد والظلمات كثيرة والمهالك والمهاوي والمزالق كثيرة من الناس من يضل  ترك الصلاة ومن الناس من يصلي لكنه يضل بترك الزكاة
وجهدها ومن الناس من يقع في الفجور والمتون والمحرمات والخمور والزنا وغير ذلك ومن الناس من يضل في المعتقد وينفي صفات الباري جل وعلا او يثبت ويشبه الباري جل وعلا بخلقه
ومن الناس من ينكر توحيد الربوبية ومن الناس من ينكر توحيد الالوهية فسبل الضلالة كثيرة ولذا قال تعالى الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات يقيهم شر الفتن والظلمات والجهالات واسباب الكفر
من الظلمات الى النور. شبه الكفر بانواعه جعله ظلمة وهو ظلمة معنوية في الدنيا وظلمة معنوية وحسية في الاخرة والنور معنوي في الدنيا وحسي ومعنوي في الاخرة. نورهم يسعى بين ايديهم. وبايمانهم
يخرجهم من الظلمات الى النور. يقيهم الجهالات والضلالات. وانواع الكفر ويوفقهم للالتزام بالحق والتمسك به والدعوة اليه والذين كفروا الكفار والكفر هو الجحود  شيئا يجب الايمان به وتصديقه ولهذا انواع الكفر كثيرة يعني قد يأتي الانسان بامور من امور الاسلام وهو مع ذلك
محكوم بكفره لانه جاحد لشيء من الدين معلوم بالظرورة ومثلا لو صلى وجحد وجوب الزكاة كفر لو صلى وامتنع عن اخراج الزكاة وجب قتاله لو استحل ما هو معلوم من الدين بالظرورة حرمته وجب قتاله ويحكم بكفره
كمن استحل الخمر والذين كفروا جهدوا اولياؤهم الطاغوت الشيطان والكاهن والساحر كما تقدم لنا ان الطاغوت يطلق على كل من تجاوز حده معبود او متبوع او مطاع في معصية الله تبارك وتعالى. هؤلاء طواغيت
وقد يكون معبودا فهو طاغوت وقد يكون معبودا رضي بان يعبد وقد يكون متبوعا وقد يكون مطاعا في معصية الله فهؤلاء كلهم طواغيت والطواغيت كثيرون ورؤوسهم خمسة والذين كفروا اوليائهم الطاغوت. يخرجونهم من النور الى الظلمات
اولئك يخرجهم الله جل وعلا من الظلمات الى النور وهؤلاء يخرجونهم من النور الى الظلمات هل دخلوا في النور هل كانوا مؤمنين الغالب في الكفار انهم كفار من اول امرهم
اذا قوله جل وعلا يخرجونهم من النور الى الظلمات من باب المشاكلة يعني مثل الاوائل اولئك الله يخرجهم من الظلمات الى النور وهؤلاء الطواغيت بالعكس يخرجون هم من النور الى الظلمات. قال هذا بعض المفسرين
وقيل يخرجونهم من النور الى الظلمات لان منهم وخاصة اليهود منهم من هو مؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وقد كانوا يتوعدون الاوس والخزرج فيقولون لهم قد ان اوان مبعث نبي
نتبعه ونقاتلكم معه فنقضي عليكم كانوا يتوعدونهم بهذا لانهم عندهم كتاب ويعرفون واخبرهم علماؤهم بذلك فهم كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مصدقون محمد كانوا مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم ومؤمنين به ولا ينفعهم ذلك لانه ما ينفعهم الايمان
الا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم الا من مات قبل ان يبعث فقد اخذ الله جل وعلا العهد على السابقين بانه ان بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم موجودون
ان يؤمنوا به وقيل ان هذا في حق من كان مؤمنا به قبل بعثته فلما بعث كفر ووجد في العرب من هو كذلك ممن عنده ثقافة وعلم كامية ابن ابي الصلت
كان يتحرى النبي الذي سيبعث وكان يتشوق ويتحرى ان يكون هو نبي اخر الزمان فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم شرق بالدعوة ولم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم تكبر
وتعاظما وسمع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من شعره وكان يقول في الالهيات وفي اثبات الباري جل وعلا وبيان صفاته فقال عنه عليه الصلاة والسلام شعره وكفر قلبه فشعره شعر المؤمن
باثبات ما كان كثير من العرب يجحده وهو حق امن شعره وكفر قلبه فمن الناس من كان مؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل ان يبعث. فلما بعث تسلطت عليهم الطواغيت فاضلتهم عن الايمان به
ومن سبب الايمان الاوس والخزرج بمحمد صلى الله عليه وسلم لما عرض عليهم الاسلام في منى وهم حجاج قال بعضهم لبعض يا قومي هذا الرجل الذي تتوعدكم به يهود تكونوا اسبق منهم اليه
وسبق الاوس والخزرج رضي الله عنهم وارضاهم  كفر اليهود وحسدوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به وكانوا يتوعدون الاوس والخزرج ببعثة صلى الله عليه وسلم فتولتهم الطواغيت واخرجتهم من النور الذي كانوا يوشك ان يكونوا فيه الى الظلمات الكفر والظلالة
وقال بعض المفسرين رحمهم الله والذين كفروا اوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور. النور الفطرة التي فطر الله الخلق عليها. على ما قال عليه الصلاة والسلام كل مولود يولد على  فابواه يهودانه او ينصرانه. وفي رواية او يمجسانه
وهم الناس على الفطرة وتسلطت عليهم الشياطين واظلتهم عن الحق والذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات وهنا كما في صدر الاية النور واحد والظلمات كثيرة جمع اولئك
هؤلاء وهم الادنون وهم الاقربون وجيء باسم الاشارة البعيد لما الانحطاط منزلتهم وبعدهم عن الحق اولئك ولم يقل هؤلاء قال اولئك اصحاب النار يعني اهلها هي معدة لهم وهم معدودون لها. اولئك اصحاب النار هم
فيها خالدون. فالخلود الاستمرار وهذا مما استدل به اهل السنة والجماعة على ان الجنة والنار لا يفنيان ابدا اهل النار الذين هم الكفار مخلدون فيها دائما وابدا والتخليد في النار للكافر
الذي كفر بالله اما صاحب المعصية والكبيرة فكما تقدم ان قول اهل السنة والجماعة انه لا يخلد في النار الا الكافر فان المسلم الذي يشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله لو دخل النار لتمحيصه من الذنوب
تطهيره منها فانه يخرج منها ولا يخلد فيها خلافا لما تقوله الفئة الظالة  المعتزلة والخوارج. يقولون من دخل النار لا يخرج منها. ويخلدون عصاة المسلمين في النار بكبائرهم وذنوبهم واهل السنة والجماعة على ان العصاة ان دخلوا النار لا يخلدون فيها وهم تحت المشيئة
ان شاء جل وعلا عذبهم وان شاء جل وعلا غفر لهم من اول وهلة وادخلهم الجنة والخلود المستمر خاص بالكفار هم الذين يستمرون فيها ابد الاباد لا منها نسأل الله العافية والسلامة منها
يخبر الله تعالى انه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب الى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل منير لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي
الحق بين واضح عليه نور يدركه من نور الله بصيرته وكما عرفنا النور في الدنيا معنوي يعني ما يرى بالابصار نور الحق وانما يدرك بالقلوب والبصيرة والنور في الاخرة يدرك بالبصيرة والابصار نورهم يسعى بين ايديهم وبايمانهم
وان الكافرين انما وليهم الشيطان يزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات. ويخرجهم ويحيد عن طريق الحق الى الكفر والافك. افمن زين له سوء عمله. يعني يعملون ويظنون انهم احسن
ولهذا كان كفار قريش يرسلون لليهود يسألونهم ويقولون هم اينا احسن حال؟ نحن ام محمد؟ نحن كذا محمد كذا. فقالت اليهود عليهم لعنة الله بل انتم احسن حالا واهدى سبيلا من محمد الذي قطع الارحام. وفرق الناس
حسدا وبغيا والا فيعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم كما يعرفون ابناءهم قال الله تعالى اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون ولهذا وحد الله تعالى لفظ النور وجمع الظلمات. لان الحق واحد والكفر اجناس كثيرة. وكلها باطل
كما قال تعالى وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق فتفرق بكم عن سبيله صراطي واحد والسبل كثيرة ولهذا المختلفون ما يقال كلهم على الحق اذا اختلفوا الحق واحد
وسبل الضلالة كثيرة هذا على سبيل وهذا على سبيل وهذا على سبيل وكلهم في ظلالة لكن سبيل الحق واحد فليوفقه الله لسلوكه والاخذ به هذا سبيل واحد طريق واحد  وقال تعالى
وجعل الظلمات والنور وجعل الظلمات كثيرة هذي خلق خلق الظلمات والنور. هذه ليست بل هي ظلمة الليل وآآ نور النهار اعدها اعد هذي قبله. وقال تعالى وجعل الظلمات قبل وقال تعالى وان هذا
صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وصاكم به لعلكم تتقون وقال تعالى وجعل الظلمات والنور وقال تعالى عن اليمين وعن الشمائل. عن اليمين وعن الشمال قال الظلمات
جمعها والنور واحد وجعل هنا بمعنى خلق الظلمات والنور والمراد بها الظلمات الحسية ظلمة الليل والنور النهار والله اعلم. نعم الى غير ذلك من الايات التي فيها في لفظها اشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل والحق مفرد واحد
والباطل شعث وكل طائفة تكفر الطائفة الاخرى   والله اعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
