والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين وبعد الحمد لله اعوذ بالله من الشيطان الرجيم اتأمرون اتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب  افلا تعقلون هذه الاية الكريمة
قوله تعالى اتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب افلا تعقلون من سورة البقرة جاءت بعد قوله تعالى واقيموا الصلاة واتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين. اتأمرون الناس بالبر الاية
الاية فيها توبيخ ولو وتعنيف على اهل الكتاب الموجودون حال بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وقد خاطبهم الله جل وعلا بقوله يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم
واني فظلتكم يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم واوفوا بعهدي اوفي بعهدكم قم واياي فارهبون. الايات   اليهود عندهم العلم وعندهم التوراة كتاب الله جل وعلا والكفار من مشركي قريش
وغيرهم كانوا يرجعون اليهم فيما اشكل عليهم من الامر لانهم معترفون بانهم ذوو علم وكانوا يرجعون اليهم فكان اليهود اذا سئلوا عن شيء ما لا رشوة فيه ولا حظ لهم فيه
ابانوا الحق واظهروه لانهم يعرفونه واذا كان لهم مصلحة في اخفاء الحق او مصلحة في اظهار الباطل او كانوا يأملون ان يأخذوا رشوة اذا حكموا بين طرفين فيأخذ رشوة من المبطل
لاجل ان يحكموا له وهو باطل فعلوا ولا يبالون في هذا وهم طلاب مادة وما كان لهم فيه مصلحة نكسوا الحق باطلا والباطل حقا وما لم يكن لهم فيه مصلحة فانهم يأمرون ويبينون الحق
وهذا ديدنهم قال الله جل وعلا لهم اتأمرون الناس بالبر يعني اذا اتاهم سائل يسألهم هذا خير ام هذا خير؟ بينوا الحق اذا اتاهم انسان يسألهم عن امر من الامور التي لا تتعلق بها مصلحة لهم بينوا الحق وامروا به
وكانوا يأمرون بالحق بما عرفوه من كتاب الله جل وعلا لكنهم هم بانفسهم لا يفعلون الحق ولا يأتون البر اتأمرون الناس اي ناس ما قال المسلمين ولا قال اليهود ولا قال الكفار ولا قال المشركين اتأمرون الناس بالبر
لانهم يظهرون للناس انهم زعماء في العلم وكانوا يأمرونهم بالبر احيانا ليظهروا مكانتهم على الناس اتأمرون الناس بالبر؟ والبر يطلق على العمل الصالح وعلى الخير وعلى الصدق وعلى خصال الخير كلها
النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح الصدق يهدي الى البر والبر يهدي الى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ويقول جل وعلا ليس البر ان تولوا وجوهكم
قبل المشرق والمغرب ولكن البر من امن بالله البر هو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر. وبالقدر خيره وشره وكلمة البر تشمل الاعمال الصالحة والاعتقادات الصالحة والاعمال بما في ذلك عمل العبد فيما بينه وبين ربه وعمله مع الناس
وحسن المعاملة من البر والصدق من البر والامانة من البر والوفاء بالعهد من البر وهكذا اتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم الواجب على المرء قبل ان يأمر بالشيء ان يمتثل هو بنفسه
ان يطبق على نفسه كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه اذا اراد او هم ان يأمر بامر ما للناس جمع حاشيته ومن حوله واهل بيته وقال اني اريد ان امر بكذا
حذاري حذاري ان يقع احد منكم في مخالفة فيكون ادبا للناس كلهم ما يصح اني امر بامر ثم اخالفه انا او امر بامر ثم يخالفه ولدي او تخالفه زوجتي او نحو ذلك لا
يجب اذا كان هذا الامر بر وخير ان اكون انا ومن حولي اول مطبق له فما يصح ان يأمر الناس بالحجاب يأمر النساء بالحجاب وتخرج زوجته سافرة  او يمنع الناس عن منكر ثم يخرج ولده متلبس بهذا المنكر؟ لا
يجب ان يكون اول مطبق وما اريد ان اخالفكم الى ما انهاكم عنه. يقول شعيب على نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام ما امركم بشيء واخالفكم فيه؟ انا اكون اول مطبق
اتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب والحال انكم تقرأون الكتاب المنزل من الله جل وعلا فيه بيان ما يجب عليكم   يعني تنسون انفسكم مع علمكم ومعرفتكم فتتركون العمل
بالخير وتحثون الناس على ذلك وانتم تتلون والتلاوة هي القراءة والمراد بالكتاب والله اعلم التوراة المنزل من الله جل وعلا لان التوراة تكلم الله جل وعلا به كتاب الله تكلم به وانزله على موسى على نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام
والانجيل على عيسى والزبور على داوود والقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم. هذه الاربعة كلها كلام الله جل وعلا منزلة من الله جل وعلا غير مخلوقة وهي كلام الله جل وعلا
والكتب الثلاثة وكل الله جل وعلا حفظها الى اهلها لقوله تعالى بما استحفظوا من كتاب الله فتلاعبوا فيها وزادوا ونقصوا وبدلوا وغيروا والقرآن العظيم معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
تكفل الله جل وعلا بحفظه انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون فقد تكفل الله جل وعلا بحفظه لانه سبحانه اراد بقاءه الى اخر الدنيا حتى يرفع في اخر الزمان من المصاحف ومن صدور الرجال. فيصبح الرجال الناس وليس عندهم
اية من كتاب الله الذين تقوم عليهم الساعة يتهارشون تهارش الحمر والعياذ بالله ما عنده شيء اسمه حلال ولا اسمه حرام هم شرار الخلق وشرار الخلق الذين تدركهم الساعة وهم احياء والذين يتخذون القبور مساجد
فالقرآن تكفل الله جل وعلا بحفظه ولم يكل حفظه الى غيره سبحانه. فهو محفوظ بحفظه الله من يوم نزل على محمد صلى الله عليه وسلم الى يومنا هذا والى ان يرث الله الارض ومن عليها
فيها وهو خير الوارثين  وانتم تتلون الكتاب والحال انكم تأمرون بالبر وتنسون انفسكم وانتم عندكم علم عندكم معرفة انتم تقرأون القرآن تقرأون الكتاب الذي بايديكم الذي هو التوراة. وتعرفون ما فيه من حلال وما فيه من حرام
فما تقيدون انفسكم بذلك واذا سئلتم عن الحق اخبرتم به واعلمتم به ففي هذه الاية الكريمة توبيخ لاهل الكتاب الذين لم يعملوا بما في كتبهم وتحذير لعلماء امة محمد صلى الله عليه وسلم
ان يسلكوا مسلكهم فمن كان عنده علم واخبر به ولم يعمل به كان فيه شبه من اليهود والعياذ بالله ولذا قال بعض السلف رحمة الله عليهم من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود
ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى لان النصارى يتعبدون الرهبان يتعبدون يعبدون الله ليل نهار لكن على غير هدى يصلون ويصومون ويتعبدون لكن على ظلالة  واليهود عندهم العلم فلم يعملوا به
ولذا امرنا الله جل وعلا في اعظم سورة في القرآن ان نقول اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين صراط الذين انعمت عليهم من هم
الذين فسرهم الله جل وعلا في اية اخرى من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا غير المغضوب عليهم وهم اليهود. عندهم العلم فلم يعملوا به فغضب الله عليهم ولا الضالين وهم النصارى الذين يعبدون الله على جهل وضلال
والعالم اذا انحرف والعياذ بالله عقوبته اشد وغضب الله عليه اكثر من الجاهل وان كان الجاهل غير معذور لانه يجب عليه ان يتعلم ويجب عليه ان يرجع الى اهل العلم
ويجب عليه ان يتأكد من ان سلوكه الطريق مسلكا صحيح وانه على هدى ولا يجوز له ان يتعبد على ظلال وجهل بل يجب عليه ان يسأل والله جل وعلا يقول فسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون
ويقول جل وعلا وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون والنبي صلى الله عليه وسلم يقول خذوا عني مناسككم ويقول صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني اصلي ما يصح للمرء ان يتعبد على جهل بل يجب عليه ان يسأل ويستفيد
لكن عقوبة من عنده العلم ويتركه اشد والعياذ بالله من عقوبة جاهل يتعبد على جهل وقد جاء في الصحيحين عن اسامة بن زيد رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يجاء بالرجل يوم القيامة
فيلقى في النار وتندلق به اقتابه يعني امعاؤه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيطيف به اهل النار فيقولون يا فلان ما لك ما اصابك الم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت امركم
بالمعروف ولا اتيه. وانهاكم عن المنكر واتيه والعياذ بالله يدعو الى الله عن علم لكنه لا يطبق علمه على نفسه. يعلم الاخرين  واخرج الامام احمد وابن ابي شيبة وعبد ابن حميد والبزار وابن المنذر وابن ابي حاتم وابو نعيم
عن انس ابن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ليلة اسري بي رجالا تقرض شفاههم قم بمقاريض من نار. كلما قرضت رجعت فقلت لجبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء
خطباء من امتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون انفسهم وهم يتلون الكتاب ابى افلا يعقلون  وجاء عن قوم من اهل الجنة يطلعون على اناس من اهل النار فيقولون ما لكم
بما دخلتم النار والله ما دخلنا الجنة الا بما تعلمنا منكم  يرون من يعلمهم في النار وهم في الجنة. فيسألونهم نحن دخلنا الجنة بسببكم. وبسبب علمكم فيقولون كنا نعبركم بالخير ولا نأتيه
وننهاكم عن الشر ونأتيه. فبذا دخلوا النار والعياذ بالله وقال النبي صلى الله عليه وسلم معلم الخير الذي لا يفعل ينتفع بعلمه كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه والعياذ بالله    وانتم تتلون الكتاب. افلا تعقلون. توبيخ اخر شديد
اشد من الاول اول وبخهم على تركهم العمل الصالح مع علمهم ثم وضحهم توبيخا اخر كيف يعملون هذا؟ الم يكن عندهم عقل نفرض ان انكم ما تعلمتم ما عندكم عقل
هل عقولكم التي وهبكم الله جل وعلا تستحسن لكم ان تأمروا بالخير ولا تأتوه؟ وتنهوا عن في الشر وتقع فيه؟ اين عقولكم؟ فالاول توبيخ لهم حيث لم يأمنوا بعلمهم والثاني توبيخ لهم اشد حيث لم ينتفعوا بعقولهم
انتفاع بالعلم هذا خاص بالعلماء. الانتفاع بالعقل قد يكون جوز عاقل مثلا غير متعلم ام يمنعه عقله من بعض الرذائل فانتم لو لم يكن عندكم علم اليس عندكم عقل؟ ما تمن
معكم عقولكم عن هذا الفعل السيء تفضحون انفسكم امام الملأ وتنصبون انفسكم انكم دعاة. ومبين الحق وانكم العلماء ثم تنقصوا عن هذا وتقع في غيره افلا تعقلون  يقول تعالى كيف يليق بكم يا معشر اهل الكتاب وانتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع وهو جماع الخير ان تنسوا انفسكم فلا
ستأتمروا بما تأمرون الناس به. وانتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه. على الفعل حصل منه تأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم. التوظيف ليس على الاثنين وانما التوبيخ على الاخير الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب وفعل خير وحسن
ويحمد عليه المرء. فان امر نفسه ونهى نفسه فذلك احسن ما يكون وان  امر بالخير وتركه. وامر بالشر ونهى عن الشر وفعله. فذلك اسوأ ما يكون فالتوبيخ ليس على الامرين وانما على الامر الاخير. بعض العلماء
رحمهم الله قالوا لا يجوز للمرء اذا علم الخير او الشر ان يأمر بالخير وينهى عن الشر. الا اذا ائتمر بنفسه اولا وانتهى اولا وبعضهم رحمه الله يقول لو قلنا هكذا ما حصل امر
ولا ناهي لان كل انسان يشعر بالنقص. ويشعر انه مقصر. ولكن يجب عليه ان وينهى فاذا امتثل فهذا احسن ما يكون. واذا لم يمتثل فهذا مخالفة من وجه واحد لا مخالفة من وجهين. اباحوا هذا بالمثال
مثلا عرف حرمة الدفان يا اسد ينهى عنه اخر يعرف حرمته وضرره فقال لا بأس به. وهو واقع فيه يستعمله. ايهما اشد عقوبة بلا شك ان من يستحسن المنكر ويفعله اشد عقوبة ممن ينهى عن المنكر ويقع فيه
لهذا قال سعيد بن جبير رحمه الله لو قلنا لا يأمر الا من يأتمر ولا ينهى الا من ينتهي ما احد ولا نهى عن المنكر. لان كل انسان حتى وان كان امر بالمعروف ونهي عن المنكر يستشعر انه مقصر
ولكن على الانسان ان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وعليه ان يجاهد نفسه اذا كان واقع في شيء من المنكر فر او تارك لشيء من المعروف. فقوله جل وعلا اتأمرون الناس بالبر
انفسكم هذا التوبيخ ليس على الفعلين معا وانما على الفعل الاخير نسيانكم لانفسكم والا الامر امر الناس بالبر هذا حسن   افلا تأكلون ما انتم صانعون بانفسكم؟ فتنتبهوا من رقبتكم وتتبصروا من امايتكم. وهذا كما قال عبدالرزاق عن معمل القتادة في قوله تعالى اتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم
قال كان بنو اسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون فعينهم الله عز وجل وقال ابو جعفر ابن جرير حدثني علي ابن الحسن قال حدثنا مسلم الجرمي قال حدثنا مخلد ابن الحسين عن
في قول الله تعالى اتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب عن ابو الدرداء رضي الله عنه لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ثم يرجع الى نفسه فيكون لها اشد مقتا. وقال
بن زيد بن اسلم في هذه الاية هؤلاء اليهود اذا جاء الرجل سألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة امروه بالحق فقال تعالى قال اتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب افلا تعقلون
والغرض ان الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع ونبههم على خطأهم في حق انفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه وليس المراد ذمهم على امرهم بالبر مع تركهم له. فان الامر بالمعروف معروف وهو واجب على العالم. ولكن الواجب والاولى بالعالم ان يفعله
مع من امرهم به ولا يتخلف عنهم كما قال شعيب عليه السلام وما اريد ان اخالفكم الى ما انهاكم عنه ان اريد الا ما استطعتم وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب
والله اعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
