يقول المصنف رحمه الله تعالى عن ابي مسعود عقبة ابن عمر الانصاري البدري رضي الله عنه قال لما انزلت اية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير
فقالوا مراء وجاء رجل اخر فتصدق بصاع فقالوا ان الله لغني عن صاع هذا التلات الذين يلمزون المتطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون الا جهدهم الاية. متفق عليه
الحمد لله رب العالمين واصلي واسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين اما بعد هذا الحديث الشريف الذي اخبر فيه ابومسعود رضي الله تعالى عنه عن حال الصحابة رضي الله تعالى عنهم
فيما يصلهم من ذكر وقرآن فان ابا مسعود قال لما نزلت اية الصدقة اي اية ذكر فيها الصدقة والحث عليها وبيان فظلها واجرها كنا نحامل على ظهورنا يعني نعمل لاجل ان نكتسب ما نتصدق به
هذا معنى قولي كنا نحامل على ظهورنا. يعني لا الذين لا يجدون ما ينفقون من الاموال صدقة وتقربا الى الله عز وجل وامتثالا لما ندب اليه من صدقة لم يقولوا نحن لا شيء عندنا
فنجلس بل كانوا يعملون يكتسبون وهذا هو الاصل في الناس لانفسهم ولمن يعولون لكن زاد اجتهادهم في الكسب لاجل ان يكون معهم شيء يتصدقون به ويتقربون به الى الله عز وجل
و هذه حالهم رظي الله تعالى عنهم مع القرآن الكريم وما جاء فيه من امر او نهي وحث وندب الا ان اهل النفاق لا يتركون اهل الاسلام لا غنيا ولا فقيرا
لا باذلا ولا ممسكا او مقلا فهم اصحاب طعن ونيل من اهل الاسلام منذ العهد الاول ولذلك قال فكان الرجل اذا جاء بالصدقة من الشيء الكثير قالوا مراء اي اتهموه بالرياء. وانه انما انفق هذا المال الكثير ليراه الناس
وليثنوا عليه وليقولوا كريم باذل متصدق واذا جاء رجل بشيء قليل حيث جاء رجل بصاع فقال المنافقون ان الله لغني عن صاع هذا ولا شك ان الله غني عن كل متصدق قليل او كثير
يا عبادي انما هي اعمالكم احصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه فالصدقة بالقليل وبالكثير الله تعالى غني عنها. وانما الصدقات والهبات
لاجل ان يتقرب بها العبد الى ربه فينال رضاه يظهر صدق ايمانه. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم والصدقة برهان اي دليل على صدق ما في القلوب. واما المال وما يبذل فهذا لا يصل منه شيء الى الله كما قال تعالى. لن ينال الله
لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه يا عبادي انكم لن تبلغوا ضري فتضروني. ولن نفعي فتنفعني لكن المنافقين لم يقولوا هذا الكلام
تأكيدا للحق الذي تضمنه بل قالوا هذا الكلام تزهيدا في الصدقة وتحقيرا للبذل وتثبيطا عن الخير. فلم يكونوا يحذرون الناس من الرياء او يرغبونه يرغبونه في الانفاق الكثير. بل كان ذلك لاجل
تثبيط الناس عن الطاعة والصدقة والاحسان فانزل الله تعالى الذين يلمزون المطوعين يلمزون اي يقولون مقالة سوء وقبح في اهل التطوع والصدقة والاحسان والبذل والطاعة الذين يلمزون المتطوعين في الصدقات اي في شأنها
والذين لا يجدون الا جهدهم يعني والذين لا ليس عندهم شيء كثير فيتصدقون بما تيسر من قليل والذين لا يجدون الا جهدهم فيسخرون منهم هذا بيان اللمز سخر الله منهم ولهم عذاب اليم
فبين الله تعالى ان المنافقين لا يسلم منهم اهل الاسلام المجتهد منهم الباذل ومن كان دون ذلك فهمهم وغاية مناهم النيل من اهل الاسلام عاقبهم الله بان جعلهم محلا للسخرية وتوعدهم
عذاب المؤلم الموجع وفي الحديث من الفوائد عظيم قدر الصحابة رضي الله تعالى عنهم فانهم كانوا يتعاملون مع القرآن تعامل من يعمل به. من يتلقاه ليعمل به وليس من يتلقاه ليتعبد بتلاوته فقط
بل كانوا يقرؤونه ويجتهدون في ان يمتثلوا ما فيه وفيها انه ينبغي للانسان ان يبذل وسعه في التقرب الى الله عز وجل ولا يقتصر على ادنى ما يكون بل الذي لا يجد ينبغي ان ان يبذل الوسع ليجد
حتى يبلغ رضا الله عز وجل. فالصحابة كانوا يحملون على ظهورهم يشتغلون حمالين لاجل ان يجدوا ما يتصدقوا به رضي الله تعالى عنهم وارضاهم وفيه من الفوائد ان الله تعالى يحب هذا الحال من عباده ان يبذلوا جهدهم وطاقتهم في التقرب اليه
ولهذا اثنى الله تعالى عليهم في قوله والذين لا يجدون الا جهدهم فيسخرون منهم وفيه انه لا ينبغي للانسان ان يتكلم في مقاصد الناس. احذر ان تتكلم في نيات الناس ومقاصدهم. المقاصد خفية
والنيات مغيبة لا يعلمها الا الله جل في علاه فاحذر ان تقول فلان قصده كذا فلان يريد كذا انت ما كشفت كان قلبه حتى تقول قصده قصده كذا ومراده كذا هذه الى الله ليست اليك. هو الذي يعلم مكنون الظمائر وما تخفيه
يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور جل في علاه. اما نحن ليس لنا الا الظاهر. فاحذر احذر احذر ان تتكلم في نية احد او ان تقول ان تقول مراده كذا. مقصوده كذا. هذه امور خفية لا يمكن الجزم بها. يا اخواني الانسان قد لا يستطيع ان
يحكم قصده ونيته وما في قلبه. ما يمكن ان يمكن يجيه احيانا التشويش ما يدري وش قصده هل قصده كذا وكذا وهي نيته وفي قلبه فكيف في نيات الناس ومقاصدهم
وكذلك احذر ان تسخر من صاحب طاعة مهما كانت طاعته زهيدة فان الله تعالى لا يعامل العباد على قدر ما يبذلون انما يعاملهم على قدر ما في قلوبهم من صدق النوايا وعظيم الاخلاص اليقين
في وعد الله عز وجل ولهذا مهما كان الشيء قليلا اذا وافقه نية صادقة كان عند الله كبيرا فكم من درهم يعادل مليار كم من ريال يعادل مليار الفارق هو فيما في قلب الانسان من نية وقصد
فاحسن القصد بالقليل والكثير ولا تحقرن احدا فان القليل وان كان في عينك حقير فانه عند الله جليل وعظيم. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. في من الفوائد ان الانسان لا يتقال شيء في سبيل الله عز وجل. فان الله يعطي على القليل الكثير فابذل ما استطعت
وامل من الله العطاء والنوال فالله تعالى يقبل ما قل وما كثر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة. ما هو بتمرة شق التمرة وانظر الان التمر ينثر يمين ويسار. شق التمرة من
التمر الذي يتساهل فيه الناس عند الله له اجر وهو مما يقي النار. اتقوا النار ولو بشق تمرة بجزء التمرة فلا تبخلن بالقليل وامل من الله العطاء والنوال وفيه انتصار الله لاولياءه
فان الله لما ذكر هؤلاء ما ذكروا انتصر لما ذكر النفاق السخري والاستهزاء باهل الايمان انتصر لهم ببيان عظيم ما لهؤلاء من المنزلة عند الله حيث وصفهم بما وصف عقوبة الساخرين واللامزين. وفيه ان السخرية واللمز من كبائر الذنوب هذا على وجه الاجمال. حتى في امر الدنيا اذا استخرت من
شخص في امر الدنيا كتابته ما هي بزينة ثيابه ما هي بطيبة بيته ما هو بزين ذوقه ما هو بطيب فسخرت منه لامر دنيوي قد اتيت كبيرا منك كبائر الذنوب. فاذا كانت السخرية في امر الدين
امرها اعظم وخطرها اجل واكبر سخر الله منهم ولهم عذاب اليم اعاذنا الله واياكم من كل مسالك الردى وهدانا واياكم الى سبل الطاعة والفضل والاحسان وجعلنا واياكم من اولياءه وحزبه وصلى الله وسلم على نبينا محمد
