الحمد لله رب العالمين واصلي واسلم على نبينا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين اما بعد فقد نقل النووي رحمه الله في باب زيارة اهل الخير وصحبتهم عن عبد الله ابن عمر رظي الله تعالى عنهما
قال كان النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم يزور قباء راكبا وماشيا فيصلي فيه ركعتين متفق عليه وفي رواية كان النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت
راكبا وماشيا وكان ابن عمر يفعله مناسبة ذكر هذا الحديث في باب زيارة اهل الخير من وجهين او للعلماء فيه قولان القول الاول ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور اهل هذه البقعة من الانصار
وهي اول المواضع التي جاء اليها النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم في المدينة بعد هجرته فانه عندما قدم من مكة مهاجرا صلوات الله وسلامه عليه نزل على بني عمر ابن عوف
في قباء فكانت زيارته كل سبت لتفقدهم ولما تميزوا به من كون نزول النبي صلى الله عليه وسلم كان اول ما يكون في المدينة عندهم وقيل ان مناسبة ذكر هذا الحديث
في هذا الباب هو ان زيارة المواضع المباركة تشبه زيارة اهل الخير بما يحصل من الخير بزيارتها والمجيء اليها فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يزور قباء طلبا للخير فانه كان يأتيه صلى الله عليه وسلم ويصلي فيه لكونه المسجد الاول الذي بني في الاسلام اول قدوم النبي صلى الله عليه وسلم
مدينة وهذا وذاك كلاهما له وجه. واما ما قيل من ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي الى قباء كل سبت ليتفقد من من اهل تلك الجهة عن صلاة الجمعة فوجه بعيد
لاسيما مع تكرره واقتداء الصحابة به رضي الله تعالى عنهم و قول ابن عمر رضي الله تعالى عنه في خبره كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور قباء راكبا وماشيا
فيصلي فيه ركعتين اخبار عن عمل كان النبي صلى الله عليه وسلم يديم فكانت تفيد الاستمرار والديمومة على الشيء وان كان اصل هذه الكلمة من حيث اللغة يدل على شيء
قد مضى وانقضى فكان من افعال المضي والتقدم لكن يستعمل فيما يكون دائما او فيما ادامه الانسان واستمر عليه من العمل وقوله كان النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم يزور قباء
راكبا وماشيا اخبار عن عمل ادامه صلى الله عليه وسلم ويؤكد هذا الملحظ او هذا الوجه في ان كان هنا للاستمرار والدوام ما جاء في الرواية الاخرى من حديث عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنه حيث قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء
كل سبت اي كل يوم سبت فكان صلى الله عليه وسلم يكرر ذلك ويديمه  به يعلم ان مجيء المؤمن الى مسجد قباء تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم يتحقق على وجه الكمال
بتكرار ذلك لا بالاكتفاء به مرة واحدة. لكن حصوله مرة واحدة هو مما يتحقق به موافقة السنة في بعض صورها او في بعض اوجهها و قباء موضع في المدينة جهة مكة
على يساري الداخل الى على يسار المتجه الى مكة وهو موضع معروف في اعالي المدينة وسميت تلك البقعة قباء لان فيها بئرا بهذا الاسم وكان قد نزلها قوم من الانصار من بني عمر بن عوف وهم بطن من بطون الانصار
فكان قدوم النبي صلى الله عليه وسلم اول ما قدم من جهة مكة جاء الى هذا الموضع الذي فيه هؤلاء القوم من الانصار رضي الله تعالى عنهم وهي على ثلاثة اميال من المدينة ما يقارب
خمسة كيلو مترات بالحساب المعاصر فيما يتعلق بالمسافة بين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء فكان صلى الله عليه وسلم يأتي الى هذا الموقع وهو قباء و المسجد الذي كان فيه
هو اول مسجد كان في الاسلام اجتمع فيه المسلمون فان النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدم الى المدينة نزل في قباء وبقي فيها بضعة ليال  اقام في هذا المسجد
صلى فيه صلى الله عليه وسلم واصحابه واجتمعوا فيه على الصلاة وفيه نزل قول الله تعالى لمسجد اسس على التقوى من اول يوم احق ان تقوم فيه. فيه رجال يحبون ان يتطهروا والله يحب المتطهرين
فالاية نزلت في اهل قباء بالاتفاق لا خلاف بين اهل التفسير في ذلك وقد اشكل على هذا ان النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم سئل عن كما في صحيح الامام مسلم عن اول مسجد
اسس على التقوى او عن المقصود بالمسجد الذي اسس على التقوى فقال مسجدي هذا او مسجدكم هذا. يقصد المسجد الذي كان يصلي فيه صلى الله عليه وسلم والذي فيه موضع
المسجد اليوم فالجواب عن هذا ان قول النبي صلى الله عليه وسلم في بيان لمسجد اسس على التقوى احق آآ لمسجد اسس على التقوى من اول يوم احق ان تقوم فيه بانه مسجد لانه احق بهذا الوصف اذ
او مسجده الذي ادام الصلاة فيه. وهو حقيق بالوصف لانه اسس على التقوى فقد بناه صلى الله عليه وسلم واصحابه من اول يوم لاقامة ذكر الله وطاعته وعبادته واما كون الاية نزلت في مسجد قباء فلا يمنع هذا ان يكون الوصف ايضا منطبقا على
مسجد قباء فانه مسجد اسس على التقوى من اول يوم. لكن الاحق بالوصف هو مسجد النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم. فان الاولية هنا لا باعتبار السبق المطلق انما باعتبار
انه الاول من جهة تحقيق الوصف انه بني على التقوى ولهذا قال بعض اهل العلم ان قوله تعالى لمسجد اسس على التقوى من اول يوم احق ان تقوم فيه يصدق على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدرجة الاولى فيما يتعلق بمساجد المدينة وكذلك
في يصدق على مسجد قباء ويصدق على كل مسجد اسس على التقوى. ولم يقصد به المضارة والضرار الذي نهى الله تعالى عن ان يقوم فيه لا تقوم فيه ابدا لمسجد اسس على التقوى. فكل مسجد بني لطاعة الله عز وجل ولم يقصر ولم يقصد به المضارة
والاذى لاحد فانه يدخل في هذا الوصف وان كان احق المساجد بهذا الوصف وان كان احق المساجد بهذا الوصف وان كان احق المساجد بهذا الوصف مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم
و  زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ل مسجد قباء وتخصيص ذلك بيوم السبت قال بعض اهل العلم انه امتثال لامر الله عز وجل ومبادرة فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة
في صلاة الجمعة ثم يقوم في مسجد وبقى يصلي فيه يوم السبت وهو اليوم الوالي ليوم الجمعة. فكان من مبادرته صلى الله عليه وعلى اله وسلم لامتثال ما امر الله تعالى به. في قوله
مسجد اسس على التقوى من اول يوم احق ان تقوم فيه كان يصلي صلى الله عليه وعلى اله وسلم في مسجد قباء يوم السبت و المجيء الى قبا سنة ثابتة عنه صلى الله عليه وعلى اله وسلم قال بها جماهير اهل العلم وعامتهم
من السلف والخلف فالمجيء الى قباء والصلاة فيه مما اتفق على استحبابه اهل العلم اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما كان عليه عمل الصحابة رضي الله تعالى عنه فانه قد ادام ذلك ابن عمر رضي الله تعالى عنه
فكان يفعله اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وتأسيا به و قد جاء في فضل الصلاة في قباء احاديث متعددة فجاء عن سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه وجاء عن اسيد بن ظهير
وعن غيرهما ان الصلاة في مسجد قباء تعدل عمرة ففي لفظ الترمذي وغيره من حديث اسيد ابن ظهير قال صلى الله عليه وسلم من تطهروا في رواية من توضأ ثم اتى مسجد قباء
لا يريد الا الصلاة كان كمثل عمرة او كان كاجر عمرة او كان كعمرة وهذا الحديث قال عنه الترمذي حسن صحيح في بعض النسخ وفي بعضها حسن غريب وقد صححه شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله وجماعة من اهل العلم
واشار الحافظ بن عبدالبر الى ان في اسناده لينا وعلى كل حال الحديث لا بأس باسناده وهو دال على فضيلة الصلاة في هذا المسجد المبارك الذي ندب الله تعالى الى القيام فيه في قوله تعالى لمسجد اسس على التقوى من اول يوم احق ان تقوم فيه
والصلاة فيه امتثالا لامر الله عز وجل ومتابعة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يأتي الى مسجد قباء ويصلي فيه ركعتين كل يوم سبت و طمعا في حصول هذه الفظيلة التي جاءت في هذا الحديث حديث اسيد بن ظهير من ان صلاة فيه تعديل عمرة
ولهذا من زار المدينة فينبغي له ان يحرص على ان يصلي في قباء لاجل هذه المعاني الثلاثة و هذه الفظيلة لمن اتى قباء من غير شد رحل ومن غير سفر
في قول عامة اهل العلم فان المساجد التي يشد اليها الرحل ويتكلف في الوصول اليها بالسفر ثلاثة كما جاء ذلك فيما رواه ابو سعيد وغيره ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد
المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا لكن من كان مقيما في مدينة فانه يأتي الى هذا في المدينة فانه يأتي الى مسجد قباء اتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم
وقد اخبر ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء راكب راكبا وماشيا اي انه يأتيه راكبا تارة وماشيا او انه يركب في بعض الطريق ويمشي في بعض الطريق والانسان يفعل من هذا ما هو اوفق لحاله وايسر عليه
فلو جمع بين الركوب والمشي اما مرة كذا ومرة كذا او في بعض الطريق كذا وفي بعض الطريق كذا ادرك فضيلة متابعة النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم وفي هذا الحديث من
فوائد حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى اقتفاء اثره. فكان ابن عمر يفعله. وفيه من الفوائد حفظ منزلة اهل الخير والبر في كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي الى بني عمر ابن عوف كل سبت حيث كان اول نزوله عندهم فكان هذا
من زيارة اهل الخير  صلتهم ولما كانوا عليه من فظل حيثما اثنى الله تعالى عليهم بقوله فيه رجال يحبون ان يتطهروا والله يحب المطهرين  وفيه من الفوائد شريف قدر الصلاة في المسجد
العتيق القديم فان عتق المسجد وقدمه مما يكسب المكان فظلا ويثبت له اجرا فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعنى في المسير الى قباء ويصلي في المسجد الذي ذكر الله تعالى مسجد اسس على التقوى من اول يوم احق ان
وما فيه وجعل الاولية واستبقى الى الطاعة والتقوى مما يوجب الفضل وقد قال الله تعالى ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا. وقال تعالى في الهدي قال ثم محلها الى البيت العتيق
وقال تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق فجعل عتق البيت وقدمه مما يوجب الفضل فيه. ويثبت المنزلة له وفيه من الفضائل فضيلة مسجد قباء وانه في الفضل يلي المسجد الثلاثة. وان كان
لا خاصية له من جهة ما للمساجد ثلاثة من خاصية بشد الرحل وفي فضيلة صلاة الانسان في المسجد الذي يزوره فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور قباء ويصلي فيه
وفيه ان السنة في صلاة النهار كصلاة الليل انها مثنى مثنى فانه كان صلى الله عليه وسلم يصلي فيه ركعتين وفي ان الانسان ينبغي له اذا اشتغل بعمل صالح ان يحرص على ديمومته
فان احب العمل الى الله تعالى ادومه وان قل ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يديم مجيئه الى قبا الصلاة فيه على هذا النحو الذي ذكر ابن عمر يصلي فيه ركعتين
هذه جملة من الفوائد في هذا الحديث الذي فيه الخبر عن مجيء النبي صلى الله عليه وسلم الى مسجد قباء نسأل الله تعالى ان يرزقنا واياكم العمل بسنته والسير على منهجه والثبات على دينه وان يجمعنا به في مستقر رحمته
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
