الحمد لله رب العالمين واصلي واسلم على نبينا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين اما بعد فقد نقل النووي رحمه الله في باب توقير العلماء والكبار واهل الفضل عن عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال
اراني في المنام اتسوك بسواك فجاءني رجلان احدهما اكبر من الاخر تناولت السواك الاصغر فقيل لي كبر كبر فدفعته الى الاكبر منهما رواه مسلم وهو في البخاري معلقا هذا الحديث الشريف
به اخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤيا رآها في المنام ورؤيا الانبياء وحي كما هو متفق عليه وكما دل عليه قول الله تعالى فيما قصه عن ابراهيم فلما بالغ معه السعي قال يا بني اني ارى في المنام اني اذبحك
قال يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين فكان ما كان من خبرهما الذي قصه الله تعالى ورؤيا الانبياء حق والنبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن رؤية رآها في المنام
قال اراني في المنام اتسوك بسواك. يعني استعمل سواكا في تطهير فمي فجاءني رجلان ولم يذكر من هما احدهما اكبر من الاخر وذكر وصفهما وهما انهما متفاوتان في العمر احدهما اكبر من الاخر
تناولت السواك الاصغر اي اعطاء النبي صلى الله عليه وسلم السواك الذي كان يستاك به الاصغر من هذين الرجلين الذين اتياه في المنام فقيل له كبر ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم من القائل
وانما اخبر بالمقول فكان منه صلى الله عليه وسلم هل امتثلت قال فدفعته الى الاكبر منهما. اي فاعطيت السواك الاكبر خلاف ما كان قد بدأ به من دفعه الى الاصغر
هذا الحديث فيه جملة من الفوائد من فوائده اخبار الانسان بما يراه في المنام ان كان في ذلك نفع لا سيما اذا كان المنام له معنى واما فيما يتصل بحق النبي صلى الله عليه وسلم فان رؤياه حق
وكذلك اهل الايمان فان رؤياهم في اخر الزمان لا تكاد تكذب كما جاء في الصحيح من حديث ابي هريرة رضي الله تعالى عنه حيث قال صلى الله عليه وسلم رؤيا المؤمن
لا تكاد تكذب اخر الزمان. ثم قال صلى الله عليه وسلم رؤيا المؤمن جزء من ستة واربعين او سبعة واربعين جزءا من النبوة واصدقكم حديثا اصدقك اصدقكم حديثا اصدقكم رؤيا
فالرؤيا اذا كان قد تضمنت نفعا عاما او خاصا لاحد فانه يخبر بها الانسان وينتفع مما فيها من المعنى قال صلى الله عليه وسلم اراني في المنام اتسوق بسواك اي استعمل سواك والسواك مما بين النبي صلى الله عليه وسلم فيه
الفضل والمنزلة العالية حيث اكثر على اصحابه في الامر به ففيه من الفوائد الحث على السواك. فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يستاق ويكثر من الامر به حتى قال صلى الله عليه وسلم لقد اكثرت عليكم في السواك
وقال لولا ان اشق على امتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة وهذا يدل على تأكد هذه الفظيلة. وفيه من الفوائد ان الانسان يجوز له ان يعطي سواكه غيره ليستعمله فان النبي صلى الله عليه وسلم دفع سواكه لغيره ليستعمله
فيجوز استعمال السواك من اكثر من شخص لا سيما اذا كانوا مما ممن لا يأنف بعضهم من بعض واما سواك النبي صلى الله عليه وسلم فانه غنيمة لمن فاز به صلى الله عليه وسلم فهو اطيب الناس ريقا
واكرمهم صلى الله عليه وسلم ريقا فهنيئا لمن فاز بشيء من ريقه صلى الله عليه وعلى اله وسلم ولذلك كانت عائشة رضي الله تعالى عنها كما جاء عنها اذا دفع اليها النبي صلى الله عليه وسلم سواكه لتطيبه
استاكت به قبل ان تطيبه اغتناما لبركة ريقه صلى الله عليه وعلى اله وسلم واما غيره فانه يجوز للانسان ان يستعمل سواك غيره اذا كان لا يزعجه ذلك واذا كانت لا تطئ واذا كانت تطيب نفسه به. فاما اذا كان لا
اذا كان صاحب السواك لا يرضى او كان الشخص لا تطيب نفسه بذلك فان الاولى ترك ذلك لان الحق لصاحب السواك اذا لم كن راضيا وكذلك اذا لم تطب نفس الانسان فانه لا يلزمه ان يفعل ذلك
والشاهد انه يجوز دفع السواك لمن ينتفع به ويستاق به. وقد يكون الاستياك من الطرف الاخر فلا يلزم ان يكون الاستياك من موضع استياك الذي قبله وانما فيه الحث على السواك ولذلك ندب النبي صلى الله عليه وسلم الى السواك بدفعه الى
هذين الرجلين وهذا فيه الحث على السواك كما دلت عليه الادلة وفيه من الفوائد ايضا تقديم الاكبر فان النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم لما دفعه الى الاصغر قيل له كبر فدفعه الى الاكبر منهما. وهذا فيه
تقديم الانسان بكبر سنه فيما اذا استوى مع غيره في المنزلة او في موجبات الاستحقاق. اما اذا كان هناك ما يوجب تقديم كأن يكون عن يمينه الاصغر وعن يساره الاكبر ففي هذه الحال يجوز ان يخل بالترتيب في السن
تقديما ايمن  شرف منزلته كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض اصحابه حيث قدم من على يمينه على غيره ممن هو اكبر منه سنا ومقاما فالمقصود ان تقديم
الاكبر اذا لم يكن ثمة معيار اخر للتقديم اما اذا كان هناك ما يوجب التقديم من كونه على يمين المعطي فانه يقدم الايمن كما دلت على ذلك السنة وفي وفيه من الفوائد ايضا
بيان سرعة امتثال النبي صلى الله عليه وسلم لما يوحى اليه. فانه لما قيل له كبر دفعه مباشرة الى الاكبر. وهنا ينبغي اذا نبه الى صواب ونبه على خطأ الا تأخذه العزة بالاثم
بل يبادر الى امتثال الصواب والى الاخذ بما ينبغي ان يكون دون استكبار فان ذلك من اسباب علوه ورفعته ومن موجبات تميزه وانقياده للحق فلا تأخذه العزة بالاثم بل يبادر الى
امتثال ما هو الحق وفي هذا الحديث بيان ان المقصود بالرؤى ينبغي ان يخبر دون التعيين فان النبي لم يعين الرجلين قد يكون لا يعرفهما وقد يكون يعرفهما ولم يذكر اسمهما وكذلك لم يذكر من
من القائل لكن واضح ان القائل هو ممن يطاع ولذلك قال بعض اهل العلم ان القائل له كبر هو جبريل عليه السلام وما يقوله وحي ولذلك اتبعه النبي صلى الله عليه وسلم والتزمه. هذا بعض ما في هذا الحديث من الفوائد
اسأل الله تعالى ان يرزقنا واياكم العلم النافع والعمل الصالح وصلى الله وسلم على نبينا محمد
