يقول احسن الله اليكم ما الحكمة من نسخ الايات لبعض الايات؟ يقول بما ان الله عز وجل يعلم الغيب فلماذا تنزل اية ثم تنسخها اختها  فالحمد لله رب العالمين وبعد. حتى وان لم اجبك عن فتواك يا اخي فانا اريدك ان تعتقد الاعتقاد الجازم بان الله حكيم
كن اسما وهو ذو الحكمة المتناهية المطلقة صفة وانه العليم اسما وذو العلم الكامل المطلق صفة وانه الخبير وذو الخبرة المتناهية المطلقة صفة وانه لا يرفع ما رفعه الا لحكمة بالغة. ولا يشرع ما يشرع
الا لحكمة بالغة، فمتى ما شرع شيئا فوراء تشريعه الحكم العظيمة والمصالح المتناهية؟ ومتى ما رفع جزء من التشريع فان في رفعه ونسخه الحكمة البالغة العظيمة. حتى وان لم اجبك عن عين سؤالك فاياك
ان يتطرق في قلبك شيء من الشك في حكمة الله عز وجل او في كمال علمه وخبرته تبارك وتعالى. فجميع افعالك التشريعية فجميع افعالك الشرعية والكونية عز وجل انما تكون عن حكمة بالغة وخبرة عظيمة وعلم شامل كامل
ومصالح غائية وغايات متناهية. هذا هو الذي يجب علينا ان نعتقده. فالله لا يشرع الا لحكمة ولا يرفع التشريع الا لحكمة ولا يأمر الا بحكمة ولا يرفع الامر الا بحكمة. ولا ينهى الا بحكمة ولا يرفع النهي عن هذا الامر
الا لحكمة عز وجل. لعل هذا يتقرر في قلبك وفقك الله. هذا هو المحكم في هذه الجزئية. والذي ينبغي ان نرد اليه والمحتملات اليه. المحكم هو ان الله اعلم منا واحكم منا واخبر في شريعته منا. ولا يمكن ان تدرك
فعقولنا عين حكمته على وجه التفصيل. فسواء علمنا الحكمة او لم نعلم فيبقى انه ربنا العليم اسما والعليم صفة والحكيم اسما والحكيم صفة والخبير أسماء والخبير صفة هذا هو المحكم في هذه المسألة وهذه
لنفسي ولاخواني المسلمين. واما الجواب التفصيلي وفقك الله فانك لو اطلعت على كتب اصول الفقه في النسخ لتبين لك ان الاصوليين رحمهم الله ذكروا جملا من مقاصد النسخ الواقع بين ايتين او بين حديثين او بين
اية وحديث وانا اذكر لك جملا من هذه المقاصد والحكم. فمن مقاصد النسخ التدرج في التشريع فان من رحمة الله عز وجل الا يأتينا بالتشريع في حال نهاياته. وانما يتدرج بالمكلفين بالتشريع بالتخفيف
والتيسير عليهم في اول الامر ثم بعد ذلك يشرع العبادة على ما يريدها انتهاء. فهذا من باب رحمة الله تبارك وتعالى الا ترى يا اخي ان الانسان قد يفرض على اولاده فرضا يتدرج بفرظه عليهم حتى ينتهي الى نهايات ما يريد. فهذا التدرج
هو عين الحكمة. فاذا كان الناس قد جبلوا على امر وفطروا عليه. وصار عادة لهم يمارسونها ازمنة طويلة فان فان من فان مما يصعب قبوله ان تنقلهم عن عاداتهم وتقاليدهم وامورهم دفعة واحدة
ولكن من الحكمة ان تنقلهم عنها شيئا فشيئا ومن باب التدريج. فالتدرج امر يرجع الى حكمة الله عز وجل. ولذلك امر الله عز وجل او فرض الصلاة في اول الامر ركعتين. فلما اشتد ايمان الناس وصلب
وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فرضها اربعة. واخبرهم عز وجل بان الخمر والميسر فيهما اثم كبير ومنافع للناس هذا من باب يعني استعداد النفوس حتى تستعد النفوس للتحريم المطلق. فكان ينهاهم عن شربه وقت
للصلاة فقط ثم اخبرهم بان فيه ضررا كبيرا ثم لما نزل التحريم اريقت الخمور ودينانها حتى سالت شوارع المدينة من الخمر. ما هذه الاستجابة العظيمة النهائية؟ ذلك لان الله كان يتدرج بهم في هذا التحريم. فالمأمورات مبناها على التدرج
والمنهيات مبناها على التدرج. بل يا اخي حتى في المستشفيات النفسية الصحية التي تتولى علاج المدمنين. فان من ادمن وسار الادمان في دمه ان من الاضرار به ان تقطع ادمانه مرة واحدة. فلا يزال الاطباء يخففون جرعات الخمر عليه حتى
يصل الى النقطة النهائية فينقطع عنه ذلك مطلقا. فالتدرج مبناه على الحكمة فالنسخ مبناه على التدرج الله عز وجل لا يأمر بالتشريع هكذا دفعة واحدة وانما يأمر به شيئا فشيئا. وهكذا النهي. بعض المنهي
لم ينهى الله عنها جملة وتفصيلا وانما تدرج بالنهي فيها. فاول حكمة من باب من حكم من حكم النسخ الله هو التدرج بالمكلفين حتى يكون ذلك ادعى لقبولهم. ومنها كذلك التخفيف النسخ بالتخفيف
فالله عز وجل قد ينسخ بالاخف وقد ينسخ بالاثقل. واكثر النسخ ولله الحمد والمنة كان من باب التخفيف تطبيقا لقول الله عز وجل ويحل لهم الطيبات ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم. ولقول النبي
صلى الله عليه وسلم وبعثت بالحنيفية السمحة. كما نسخ الله عز وجل اشياء كثيرة وقد كانت ثقيلة على النفوس. ويقول الان الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا فينسخ الله آآ الاثقل بالاخف. فهذا من باب التخفيف. فاذا من مقاصد النسخ التخفيف على المكلفين
وهذا من نعمة الله عز وجل. ومن مقاصد النسخ ايضا الابتلاء والامتحان. كما نسخ الله عز وجل القبلة من بيت المقدس الى الكعبة وقال وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبه هذا ابتلاء وامتحان
ولذلك اليهود وهم السفهاء المرادون بقول الله عز وجل سيقول السفهاء اي اليهود ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها اي بيت المقدس لماذا يتولون شطر الكعبة الكعبة؟ وقد كانت وجوههم الى قبل بيت المقدس. فاخبر الله عز وجل ان هذا النسخ انما
كان مبدأه الابتلاء ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. وانا اهيب بك ان ان تراجع كلام الاصوليين في هذه المسألة حتى ينحل عندك الاشكال. فليست قضية النسخ ترجع الى ان الله يعلم او لا يعلم. لا ابدا الله يعلم كل كل شيء بتفاصيل
واجزائه ما تسقط من ورقة الا يعلمها. ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين. فالله لا يخفى شيء ولكنه من باب رحمة الله والرفق بنا ومن باب محبتنا لا يريد ان يفجأنا بالامر بكل تفاصيله ولا بالنهي بكل تفاصيله
وانما يتدرج بنا في كثير من المأمورات حتى نصل الى نهاياتها. ويتدرج بنا في المنهيات حتى نصل الى نهاياتها. لانه والرفيق الذي يترفق بعباده تبارك وتعالى. فالله عز وجل رفيق يحب الرفق في الامر كله. وجرى تشريعه على هذا
لامر والله اعلم
