يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم. ولعلهم يتفكرون
المراد بالذكر في هذه الاية القرآن كقوله انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون وقد ذكر جل وعلا في هذه الاية حكمتين من حكم انزال القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم
احداهما ان يبين للناس ما نزل اليهم في هذا الكتاب من الاوامر والنواهي والوعد والوعيد ونحو ذلك وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع ايضا كقوله وما انزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه
وقوله انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس الاية الحكمة الثانية هي التفكر في اياته والاتعاظ بها كما قال هنا ولعلهم يتفكرون وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع ايضا
كقوله كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا اياته وليتذكر اولو الالباب وقوله افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وقوله افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها
الى غير ذلك من الايات قوله تعالى افأمن الذين مكروا السيئات ان يخسف الله بهم الارض او يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون انكر الله جل وعلا على الذين يعملون السيئات
من الكفر والمعاصي ومع ذلك يأمنون عذاب الله ولا يخافون اخذه الاليم وبطشه الشديد وهو قادر على ان يخسف بهم الارض ويهلكهم بانواع العذاب والخسف بلع الارض المخسوفة به وقعودها به الى اسفل
كما فعل الله بقارون قال الله تعالى فيه فخسفنا به وبداره الارض الاية وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة كقوله اامنتم من في السماء ان يخسف بكم الارض فاذا هي تمور
ام امنتم من في السماء الاية وقوله افأمنتم ان يخسف بكم جانب البر؟ او يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا وقوله افأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون
وقد قدمنا طرفا من هذا في اول سورة الاعراف واختلف العلماء في اعراب السيئات في هذه الاية الكريمة وقال بعض العلماء نعت لمصدر محذوف اي مكر المكرات السيئات القبيحات قبحا شديدا
كما ذكر الله عنهم في قوله واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك او يقتلوك او يخرجوك الاية وقال بعض العلماء مفعول به لمكروا على تضمين ماكرو معنى فعلوا وهذا اقرب اوجه الاعراب عندي
وقيل مفعول به لامنا اي اامن الماكرون السيئات هاي العقوبات الشديدة التي تسوءهم عند نزولها بهم ذكر الوجه الاول الزمخشري والاخيرين ابن عطية وذكر الجميع ابو حيان في البحر المحيط
قال المؤلف رحمه الله تنبيه كل ما جاء في القرآن من همزة استفهام بعدها واو العطف او فاؤه كقوله افنضرب عنكم الذكر صفحا افلم يروا الى ما بين ايديهم افلم تكن اياتي تتلى عليكم الى اخره
فيه وجهان معروفان عند علماء العربية احدهما ان الفاء والواو كلتاهما عاطفة ما بعدها على محذوف دل المقام عليه كقولك مثلا انمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحا فلم يروا الى ما بين ايديهم
الم تاتكم اياتي فلم تكن تتلى عليكم وهكذا والى هذا الوجه اشار ابن مالك في الخلاصة بقوله وحذف متبوع بدا هنا استبح وعطفك الفعل على الفعل يصح ومحل الشاهد في الشطر الاول دون الثاني
الوجه الثاني ان الفاء والواو كلتاهما عاطفة للجملة المصدرة بهمزة الاستفهام على ما قبلها الا ان همزة الاستفهام تزحلقت عن محلها فتقدمت على الفاء والواو وهي متأخرة عنهما في المعنى
وانما تقدمت لفظا عن محلها معنى لان الاستفهام له صدر الكلام وبهذا تعلم ان في قوله تعالى في هذه الاية التي هي قوله افأمن الذين مكروا السيئات الاية الوجهين المذكورين
السؤال الاول فالمعنى اجهل الذين مكروا السيئات وعيد الله بالعقاب فامن الذين مكروا السيئات الى اخره وعلى الثاني فالمعنى فامن الذين مكروا السيئات الفاء عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام والاول هو الاظهر والعلم عند الله تعالى
قوله تعالى او لم يروا الى ما خلق الله من شيء الاية تقدم بيان هذه الاية وامثالها من الايات في سورة الرعد وبذا نكتفي في لقائنا هذا ولنا لقاء قادم ان شاء الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
