يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى واوحى ربك الى النحل الاية المراد بالايحاء هنا الالهام
والعرب تطلق الايحاء على الاعلام بالشيء في خفية ولذا تطلقه على الاشارة وعلى الكتابة وعلى الالهام ولذلك قال تعالى واوحى ربك الى النحل اي الهمها وقال فاوحى اليهم ان سبحوا بكرة الاية
اي اشار اليهم مسمى امره للارض ايحاء في قوله يومئذ تحدث اخبارها بان ربك اوحى لها ومن اطلاق الوحي على الكتابة قول لبيد معلقته فمدافع الريان عري رسمها خلقا كما ضمن الوحي سلامها
الوحي في البيت بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء. جمع وحي بمعنى الكتابة وسيأتي لهذه المسألة ان شاء الله زيادة ايضاح قوله تعالى ومنكم من يرد الى ارذل العمر. لكي لا يعلم بعد علم شيئا. ان الله عليم قدير
بين جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان من الناس من يموت قبل بلوغ ارذل العمر ومنهم من يعمر حتى يرد الى ارذل العمر وارذل العمر اخره. الذي تفسد فيه الحواس
ويختل فيه النطق والفكر وخص بالرذيلة لانه حال لا رجاء بعدها لاصلاح ما فسد بخلاف حال الطفولة فانها حالة ينتقل منها الى القوة وادراك الاشياء واوضح هذا المعنى في مواضع اخر
كقوله في سورة الحج ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى ارذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا وقوله في الروم الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة. ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة
الاية واشار الى ذلك ايضا بقوله وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره الا في كتاب وقوله في سورة المؤمن ثم لتكونوا شيوخا. ومنكم من يتوفى من قبل. ولتبلغوا اجلا مسمى
ولعلكم تعقلون وقال البخاري في صحيحه في الكلام على هذه الاية الكريمة باب قوله تعالى ومنكم من يرد الى ارذل العمر حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا هارون ابن موسى ابو عبد الله الاعور
عن شعيب عن انس بن مالك رضي الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو اعوذ بالله من البخل والكسل وارذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات
انتهى وعن علي رضي الله تعالى عنه ان ارذل العمر خمس وسبعون سنة وعن قتادة تسعون سنة والظاهر انه لا تحديد له بالسنين وانما هو باعتبار تفاوت حال الاشخاص وقد يكون ابن خمس وسبعين
اضعف بدنا وعقلا واشد خرفا من اخر ابن تسعين سنة وظاهر قول زهير في معلقته سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا ابا لك يسأم ان ابن الثمانين بالغ ارذل العمر
ويدل له قول الاخر ان الثمانين وبلغتها قد احوجت سمعي الى ترجمان وقوله لكي لا يعلم بعد علمي شيئا اي يرد الى ارذل العمر لاجل ان يزول ما كان يعلم من العلم ايام الشباب
ويبقى لا يدرك شيئا لذهاب ادراكه بسبب الخرف ولله في ذلك حكمة وقال بعض العلماء ان العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرف وضياع العلم والعقل من شدة الكبر ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله تعالى
ثم رددناه اسفل سافلين الا الذين امنوا وعملوا الصالحات الاية قوله تعالى والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت ايمانهم فهم فيه سواء
بنعمة الله يجحدون اظهروا التفاسير في هذه الاية الكريمة ان الله ضرب فيها مثلا للكفار بانه فضل بعض الناس على بعض في الرزق ومن ذلك تفضيله المالكين على المملوكين في الرزق
وان المالكين لا يرضون لانفسهم ان يكون المملوكون شركاءهم فيما رزقهم الله من الاموال والنساء وجميع نعم الله ومع هذا يجعلون الاصنام شركاء لله في حقه على خلقه الذي هو اخلاص العبادة له وحده
اي اذا كنتم لا ترضون باشراك عبيدكم معكم في اموالكم ونسائكم فكيف تشركون عبيدي معي في سلطاني؟ ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى ضرب لكم مثلا من انفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم
من شركاء فيما رزقناكم فانتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم انفسكم الاية ويؤيده ان ما في قوله فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت ايمانهم نافية اي ليسوا برادي رزقهم عليهم
حتى يسووهم مع انفسهم انتهى فاذا كانوا يكرهون هذا لانفسهم فكيف يشركون الاوثان مع الله في عبادته مع اعترافهم بانها ملكه كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك
الا شريكا هو لك تملكه وما ملك وهذه الاية الكريمة نص صريح في ابطال مذهب الاشتراكية القائل بانه لا يكون احد افضل من احد في الرزق ولله في تفضيل بعضهم على بعض في الرزق حكمة
قال تعالى نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات. ليتخذ بعضهم بعضا سخريا الاية وقال الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وقال على الموسع قدره وعلى المقتدر قدره. الى غير ذلك من الايات
وفي معنى هذه الاية الكريمة قولان اخران احدهما ان معناها انه جعلكم متفاوتين في الرزق ورزقكم افضل مما رزق مماليككم. وهم بشر مثلكم واخوانكم فكان ينبغي ان تردوا فضل ما رزقتموه عليهم
حتى تتساووا في الملبس والمطعم كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه امر ما لك العبيد ان يطعموهم مما يطعمون ويكسوهم مما يلبسون وعلى هذا القول وقوله تعالى فما الذين فضلوا براد رزقهم على ما ملكت ايمانهم
لوم لهم وتقريع على ذلك القول الثاني ان معنى الاية انه جل وعلا هو رازق المالكين والمملوكين جميعا. فهم في رزقه سواء ولا يحسبن المالكون انهم يردون على مماليكهم شيئا من الرزق
وانما ذلك رزق الله يجريه لهم على ايديهم والقول الاول هو الاظهر وعليه جمهور العلماء ويدل له القرآن كما بينا والعلم عند الله تعالى وقوله افى بنعمة الله يجحدون انكار من الله عليهم جحودهم بنعمته
لان الكافر يستعمل نعم الله في معصية الله ويستعين بكل ما انعم به عليه على معصيته فانه يرزقهم ويعافيهم وهم يعبدون غيره وجحد تتعدى بالباء في اللغة العربية كقوله وجحدوا بها الاية
وقوله فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا باياتنا يجحدون والجحود بالنعمة هو كفرانها ايها المستمع الكريم نكتفي بهذا القدر والى لقاءنا القادم ان شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
