يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى واذ قلنا لك ان ربك احاط بالناس الاية
بين جل وعلا في هذه الاية الكريمة انه اخبر نبيه صلى الله عليه وسلم انه احاط بالناس اي فهم في قبضته يفعل فيهم كيف يشاء فيسلط نبيه عليهم ويحفظه منهم
قال بعض اهل العلم ومن الايات التي فصلت بعض التفصيل في هذه الاحاطة قوله تعالى سيهزم الجمع ويولون الدبر وقوله قل للذين كفروا ستغلبون. الاية وقوله والله يعصمك من الناس
وفي هذا ان هذه الاية مكية وبعض الايات المذكورة مدني اما اية القمر وهي قوله سيهزم الجمع الاية فلا اشكال في البيان بها لانها مكية قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن
التحقيق في معنى هذه الاية الكريمة ان الله جل وعلا جعل ما اراه نبيه صلى الله عليه وسلم من الغرائب والعجائب ليلة الاسراء والمعراج فتنة للناس لان عقول بعضهم ضاقت عن قبول ذلك
معتقدة انه لا يمكن ان يكون حقا قالوا كيف يصلي ببيت المقدس ويخترق السبع الطباق ويرى ما رأى في ليلة واحدة ويصبح في محله بمكة. هذا محال وكان هذا الامر فتنة لهم لعدم تصديقهم به
واعتقادهم انه لا يمكن وانه جل وعلا جعل الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم فتنة للناس لانهم لما سمعوه صلى الله عليه وسلم يقرأ انها شجرة تخرج في اصل الجحيم
قالوا ظهر كذبه لان الشجر لا ينبت في الارض اليابسة فكيف ينبت في اصل النار؟ فصار ذلك فتنة وبين ان هذا هو المراد من كون الشجرة المذكورة فتنة لهم بقوله اذلك خير نزلا؟ ام شجرة الزقوم
انا جعلناها فتنة للظالمين انها شجرة تخرج في اصل الجحيم. الاية وهو واضح كما ترى واشار في موضع اخر الى الرؤية التي جعلها فتنة لهم وهو قوله افتمارونه على ما يرى
ولقد رآه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى اذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى. لقد رأى من ايات ربه الكبرى وقد قدمنا ايضاح هذا في اول هذه السورة الكريمة
وبهذا التحقيق الذي ذكرنا تعلم ان قول من قال ان الرؤيا التي اراه الله اياها هي رؤياه في المنام بني امية على منبره وان المراد بالشجرة الملعونة في القرآن بنو امية
لا يعول عليه اذ لا اساس له من الصحة والحديث الوارد بذلك ضعيف لا تقوم به حجة وانما وصف الشجرة باللعن لانها في اصل النار واصل النار بعيد من رحمة الله
واللعن الابعاد من رحمة الله او لخبث صفاتها التي وصفت بها في القرآن او للعن الذين يطعمونها والعلم عند الله تعالى قوله تعالى واذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس. قال ااسجد لمن خلقت طينا
قوله تعالى في هذه الاية عن ابليس ااسجد لمن خلقت طينا يدل فيه انكار ابليس للسجود بهمزة الانكار على ابائه واستكباره عن السجود لمخلوق من طين وصرح بهذا الاباء والاستكبار في مواضع اخر
وصرح بهما معا في البقرة في قوله الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين وصرح بايذائه في الحجر لقوله الا ابليس ابى ان يكون مع الساجدين وباستكباره في صاد بقوله الا ابليس استكبر وكان من الكافرين
وبين سبب استكباره بقوله انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين كما تقدم ايضاحه في البقرة وقوله طينا  اي لمن خلقته في حال كونه طينا وتجويز الزمخشري كونه حالا من نفس الموصول
غير ظاهر عندي وقيل منصوب بنزع الخافض اي من طين وقيل تمييز وهو اضعفها والعلم عند الله تعالى قوله تعالى قال ارأيتك هذا الذي كرمت علي لئن اخرتني الى يوم القيامة
لاحتنكن ذريته الا قليلا ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان ابليس اللعين قال له ارأيتك اي اخبرني هذا الذي كرمته علي فامرتني بالسجود له وهو ادم اي لما كرمته علي وانا خير منه
والكاف في ارأيتك حرف خطاب وهذا مفعول به لارأيت والمعنى اخبرني وقيل ان الكاف مفعول به وهذا مبتدأ وهو قول ضعيف وقوله لاحتنكن ذريته قال ابن عباس لاستولين عليهم وقاله الفراء
وقال مجاهد لاحتوينهم وقال ابن زيد لاضلنهم قال القرطبي والمعنى متقارب اي لاستأصلنهم بالاغواء والاضلال ولا اجتاحنهم قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر لي في معنى الاية ان المراد بقوله لاحتنكن ذريته
اي لاقودنهم الى ما اشاء من قول العرب احتنكت الفرس اذا جعلت الحسن في حنكه لتقوده حيث شئت يقول العرب حنكت الفرس احنكه من باب ضرب ونص واحتنكته اذا جعلت فيه الرسن
لان الرسن يكون على حنكه وقول العرب انا كالجراد الارض اي اكل ما عليها من هذا القبيل لانه يأكل بافواهه والحنك حول الفم هذا هو اصل الاستعمال في الظاهر الاشتقاق في المادة من الحنك
وان كان يستعمل في الاهلاك مطلقا والاستئصال كقول راجس اشكو اليك سنة قد اجحفت جهدا الى جهد بنا واضعفت واحتنكت اموالنا واجتلفت وهذا الذي ذكر جل وعلا عن ابليس في هذه الاية
من قوله لاحتنكن ذريته. الاية بينه ايضا في مواضع اخرى من كتابه لقوله لاقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لاتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شاكرين
وقوله فبعزتك لاغوينهم اجمعين الى غير ذلك من الايات كما تقدم ايضاحه في سورة النساء وغيرها وقوله في هذه الاية الا قليلا بين المراد بهذا القليل في مواضع اخر كقوله لاغوينهم اجمعين
الا عبادك منهم المخلصين وقوله لازينن لهم في الارض ولاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين كما تقدم ايضاحه وقول ابليس في هذه الاية لاحتنكن ذريته. الاية قاله ظنا منه انه سيقع
وقد تحقق له هذا الظن كما قال تعالى ولقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين ايها المستمع الكريم حسبنا ليلتنا هذه ما مضى ولنا لقاء ليلة غد ان شاء الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
