يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كنا وعدنا في حلقة البارحة ان نستكمل هذه الليلة حديث المؤلف
حول الايات التي مضت معنا في اللقاء السابق قال رحمه الله واعلم ان علماء العربية اختلفوا في اعراب قوله قيما فذهب جماعة الى انه حال من الكتاب وان في الاية تقديما وتأخيرا
وتقريره على هذا انزل على عبده الكتاب في حال كونه قيما ولم يجعل له عوجا ومنع هذا الوجه من الاعراب الزمخشري في الكشاف قائلا ان قوله ولم يجعل له عوجا
معطوف على صلة الموصول التي هي جملة انزل على عبده الكتاب والمعطوف على الصلة داخل في حيز الصلة وجعلوا قيما حالا من الكتاب يؤدي الى الفصل بين الحال وصاحبها ببعض الصلة
وذلك لا يجوز وذهب جماعة اخرون الى ان قيم حال من الكتاب وان المحظور الذي ذكره الزمخشري منتف وذلك انهم قالوا ان جملة ولم يجعل له عوجا ليست معطوفة على الصلة
وانما هي جملة حالية وقوله قيما حال بعد حال وتقريره ان المعنى انزل على عبده الكتاب في حال كونه غير جاعل فيه عوجا وفي حال كونه قيما وتعدد الحال لا اشكال فيه
والجمهور على جواز تعدد الحال مع اتحاد عامل الحال وصاحبها كما اشار له في الخلاصة بقوله والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد وسواء كان ذلك بعطف او بدون عطف
فمثاله مع العطف قوله تعالى ان الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ومثاله بدون عطف قوله تعالى ولما رجع موسى الى قومه غضبان اسفا
الاية ونقل عن ابي الحسن بن عصفور منع تعدد الحال ما لم يكن العامل فيه صيغة التفضيل في نحو قوله هذا بسرا اطيب منه رطبا ونقل منع ذلك ايضا عن الفارسي وجماعة
وهؤلاء الذين يمنعون تعدد الحال يقولون ان الحالة الثانية انما هي حال من الضمير المستكن في الحالة الاولى والاولى عندهم هي العامل في الثانية فهي عندهم احوال متداخلة او يجعلون الثانية نعتا للاولى
وممن اختار ان جملة ولم يجعل حالية وان قيما حال بعد حال الاصفهاني وذهب بعضهم الى ان قوله قيما بدل من قوله ولم يجعل له عوجا لان انتفاء العوج عنه
هو معنى كونه قيما وعزا هذا القول الرازي وابو حيان لصاحب حل العقد وعليه فهو بدل مفرد من جملة كما قالوا في عرفت زيدا ابو من؟ انه بدل جملة من مفرد
وفي جواز ذلك خلاف عند علماء العربية وزعم قوم ان قيم حال من الضمير المجرور في قوله ولم يجعل له عوجا واختار الزمخشري وغيره ان قيم منصوب بفعل محذوف وتقديره ولم يجعل له عوجا
وجعله قيما وحذف ناصب الفضلة اذا دل عليه المقام جائز كما قال في الخلاصة ويحذف الناصبها ان علم وقد يكون حذفه ملتزما واقرب اوجه الاعراب في قوله قيما انه منصوب بمحذوف
اوحال ثانية من الكتاب والله تعالى اعلم وقوله في هذه الاية الكريمة لينذر بأسا شديدا اللام فيه متعلقة بانزل وقال الحوفي هي متعلقة بقوله قيما هو الاول هو الظاهر والانذار الاعلام المقترن بتخويف وتهديد
فكل انذار اعلام وليس كل اعلام انذارا والانذار يتعدى الى مفعولين كما في قوله تعالى فانذرتكم نارا تلظى وقوله انا انذرناكم عذابا قريبا. الاية وفي اول هذه السورة الكريمة كرر تعالى الانذار
فحذف في الموضع الاول مفعول الانذار الاول وحذف في الثاني المفعول الثاني فصار المذكور دليلا على المحذوف في الموضعين وتقدير المفعول الاول المحذوف في الموضع الاول لينذر الذين كفروا بأسا شديدا من لدنه
تقدير المفعول الثاني المحذوف في الموضع الثاني وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا بأسا شديدا من لدنه وقد اشار تعالى في هذه الاية الكريمة الى ان هذا القرآن العظيم تخويف وتهديد للكافرين
وبشارة للمؤمنين المتقين اذ قال في تخويف الكفرة به لينذر بأسا شديدا من لدنه وقال وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا وقال في بشارته للمؤمنين ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات
ان لهم اجرا حسنا. الاية وهذا الذي ذكره هنا من كونه انذارا لهؤلاء وبشارة لهؤلاء بينه في مواضع اخر كقوله فانما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا
وقوله الف لام ميم صاد كتاب انزل اليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به. وذكرى للمؤمنين وقد اوضحنا هذا المبحث في اول سورة الاعراف واوضحنا هنالك المعاني التي ورد بها الانذار في القرآن
والبأس الشديد الذي انذرهم اياه هو العذاب الاليم في الدنيا والاخرة والبشارة الخبر بما يسر وقد تطلق العرب البشارة على الاخبار بما يسوء ومنه قوله تعالى فبشره بعذاب اليم ومنه قول الشاعر وبشرتني يا سعد ان احبتي جفوني
وقالوا الود موعده الحشر وقول الاخر يبشرني الغراب ببين اهلي فقلت له ثكلتك من بشيري التحقيق ان اطلاق البشارة على الاخبار بما يسوء اسلوب من اساليب اللغة العربية ومعلوم ان علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازا
ويسمونه استعارة عنادية ويقسمونها الى تهكمية وتمليحية كما هو معروف في محله ايها المستمع الكريم ندع الحديث حول بقية الايات الى لقائنا ليلة غد ان شاء الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
