يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى انا جعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي اذانهم وقرا
ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة التي تقدم معنا في الحلقة السابقة اولها انه جعل على قلوب الظالمين المعرضين عن ايات الله اذا ذكروا بها لكن اي اغطية تغطي قلوبهم
وتمنعها من ادراك ما ينفعهم مما ذكروا به فواحد الاكنة كنان وهو الغطاء وانه جعل في اذانهم وقرا اي ثقلا يمنعها من سماع ما ينفعهم من الايات التي ذكروا بها
وهذا المعنى اوضحه الله تعالى في ايات اخر لقوله ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة وقوله افرأيت من اتخذ الهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه
وجعل على بصره غشاوة الاية وقوله تعالى واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي اذانهم واقرأ واذا ذكرت ربك في القرآن وحده
ولوا على ادبارهم نفورا وقوله اولئك الذين لعنهم الله فاصمهم واعمى ابصارهم وقوله ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون والايات بمثل ذلك كثيرة جدا فان قيل اذا كانوا لا يستطيعون السمع
ولا يبصرون ولا يفقهون لان الله جعل الاكنة المانعة من الفهم على قلوبهم والوقر الذي هو الثقل المانع من السمع في اذانهم فهم مجبورون فما وجه تعذيبهم على شيء لا يستطيعون العدول عنه
والانصراف الى غيره الجواب ان الله جل وعلا بين في ايات كثيرة من كتابه العظيم ان تلك الموانع التي يجعلها على قلوبهم وسمعهم وابصارهم كالختم والطبع والغشاوة والاكنة ونحو ذلك
انما جعلها عليهم جزاء وفاقا لما بادروا اليه من الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم فازاغ الله قلوبهم بالطبع والاكنة ونحو ذلك جزاء على كفرهم ومن الايات الدالة على ذلك قوله تعالى
بل طبع الله عليها بكفرهم اي بسبب كفرهم وهو نص قرآني صريح بان كفرهم السابق هو سبب الطبع على قلوبهم وقوله فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم وهو دليل ايضا واضح
على ان سبب ازاغة الله قلوبهم هو زيغهم السابق وقوله ذلك بانهم امنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم وقوله تعالى في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا الاية وقوله ونقلب افئدتهم وابصارهم
كما لم يؤمنوا به اول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون وقوله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون الى غير ذلك من الايات الدالة على ان الطبع على القلوب ومنعها
من فهم ما ينفع عقاب من الله على الكفر السابق على ذلك وهذا الذي ذكرنا هو وجه رد شبهة الجبرية التي يتمسكون بها في هذه الايات المذكورة وامثالها في القرآن العظيم
وبهذا الذي قررنا يحصل الجواب ايضا عن سؤال يظهر لطالب العلم فيما قررنا وهو ان يقول قد بينتم في الكلام على الاية التي قبل هذه ان جعل الاكنة على القلوب
من نتائج الاعراض عن ايات الله عند التذكير بها مع ان ظاهر الاية يدل على عكس ذلك من ان الاعراض المذكور سببه هو جعل الاكنة على القلوب لان ان من حروف التعليل كما تقرر في الاصول
في مسلك الايماء والتنبيه لقولك اقطعه انه سارق وعاقبه انه ظالم المعنى اقطاعه لعلة سرقته وعاقبه لعلة ظلمه وكذلك قوله تعالى فاعرض عنها ونسي ما قدمت يداه انا جعلنا على قلوبهم اكنة
اي اعرض عنها لعلة جعل الاكنة على قلوبهم لان الايات الماضية دلت على ان الطبع الذي يعبر عنه تارة بالطبع وتارة بالختم وتارة بالاكنة ونحو ذلك سببه الاول الاعراض عن ايات الله
والكفر بها كما تقدم ايضاحه وفي هذه الاية الكريمة سؤالان معروفان الاول ان يقال ما مفسر الضمير في قوله ان يفقهوه وقد قدمنا انه الايات في قوله ذكر بايات ربه
لتضمين الايات معنى القرآن وقوله ان يفقهوه اي القرآن المعبر عنه بالايات كما تقدم ايضاحه قريبا السؤال الثاني ان يقال ما وجه افراد الضمير في قوله ذكر وقوله اعرض عنها
وقوله ونسي ما قدمت يداه مع الاتيان بصيغة الجمع الضمير في قوله انا جعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي اذانهم واقرأ مع ان مفسر جميع الضمائر المذكورة واحد وهو الاسم الموصول في قوله ممن ذكر بايات ربه
الاية والجواب هو ان الافراد باعتبار لفظ من والجمع باعتبار معناها وهو كثير في القرآن العظيم والتحقيق في مثل ذلك جواز مراعاة اللفظ تارة ومراعاة المعنى تارة اخرى مطلقة خلافا لمن زعم
ان مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى لا تصح والدليل على صحته قوله تعالى ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا قد احسن الله له رزقا
فانه في هذه الاية الكريمة راعى لفظ من اول وافرد الضمير في قوله يؤمن وقوله ويعمل وقوله يدخله وراعى المعنى في قوله خالدين فاتى فيه بصيغة الجمع ثم راعى اللفظ بعد ذلك
في قوله قد احسن الله له رزقا  وقوله ان يفقهوه فيه وفي كل ما يشابهه من الالفاظ وجهان معروفان لعلماء التفسير احدهما ان المعنى جعلنا على قلوبهم اكنة لان لا يفقهوا
وعليه فلا النافية محذوفة دل المقام عليها وعلى هذا القول هنا اقتصر ابن جرير والطبري والثاني ان المعنى جعلنا على قلوبهم اكنة كراهة ان يفقهوه وعلى هذا فالكلام على تقدير مضاف
وامثال هذه الاية في القرآن كثيرة وللعلماء في كلها الوجهان مذكوران لقوله تعالى يبين الله لكم ان تضلوا اي لئلا تضلوا او كراهة ان تضلوا وقوله ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا
ان تصيبوا قوما بجهالة. اي لئلا تصيبوا او كراهة ان تصيبوا وامثال ذلك كثيرة في القرآن العظيم وقوله تعالى ان يفقهوه اي يفهموه فالفقه الفهم ومنه قوله تعالى ما لهؤلاء القوم
لا يكادون يفقهون حديثا اي يفهمون وقوله تعالى قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول اي ما نفهمه والوقر الثقل وقال الجوهري في صحاحه الوقر بالفتح الثقل في الاذن
والوقر بالكسر الحمل يقال جاء يحمل وقره واوقر بعيرا واكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغل والحمار انتهى وهذا الذي ذكره الجوهري وغيره جاء به القرآن قال في ثقل الاذن وفي اذانهم وقرا
وقال في الحمل فالحاملات وقرا ايها المستمع الكريم نكتفي بهذا وهو ما سمح لنا به وقت الحلقة. ونكمل بقية تفسير الاية في لقائنا القادم ان شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
