يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى قال كذلك قال ربك هو علي هين
وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا هذا الذي ذكره تعالى في هذه الاية الكريمة ذكره ايضا في ال عمران في قوله قال كذلك الله يفعل ما يشاء وقوله في هذه الاية الكريمة كذلك
للعلماء في اعرابه اوجه الاول انه خبر مبتدأ محذوف وتقديره الامر كذلك ولا محالة ان تلد الغلام المذكور وقيل الامر كذلك انت كبير في السن وامرأتك عاقر وعلى هذا فقوله قال ربك ابتداؤك لا
الوجه الثاني انك ذلك في محل نصب بقالة وعليه الاشارة بقوله ذلك الى مبهم يفسره قوله هو علي هين ونظيره على هذا القول قوله تعالى وقضينا اليه ذلك الامر ان دابر هؤلاء
مقطوع المصبحين وغير هذين من اوجه اعرابه تركناه لعدم وضوحه عندنا وقوله هو علي هين اي يسير سهل وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا
ايوة من خلقك ولم تكن شيئا فهو قادر على ان يرزقك الولد المذكور كما لا يخفى وهذا الذي قاله هنا لزكريا من انه خلقه ولم يكن شيئا اشار اليه بالنسبة الى الانسان في مواضع اخر
كقوله اولا يذكر الانسان انا خلقناه من قبل ولم يك شيئا الاية وقوله تعالى هل اتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة ولم تك شيئا
دليل على ان المعدوم ليس بشيء ونظيره قوله تعالى حتى اذا جاءه لم يجده شيئا وهذا هو الصواب خلافا للمعتزلة القائلين ان المعدوم الممكن وجوده شيء مستدلين لذلك بقوله تعالى
انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون قالوا قد سماه الله شيئا قبل ان يقول له كن فيكون وهو يدل على انه شيء قبل وجوده ولاجل هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الاية
لان المعدوم ليس بشيء اوليس شيئا يعتد به كقولهم عجبت من لا شيء وقول الشاعر وضاقت الارض حتى كان هاربهم اذا رأى غير شيء ظنه رجلا لان مراده بقوله غير شيء
اي اذا رأى شيئا تافها لا يعتد به كأنه لا شيء لحقارته ظنه رجلا لان غير شيء بالكلية لا يصح وقوع الرؤية عليه والتحقيق هو ما دلت عليه هذه الاية وامثالها في القرآن
من ان المعدوم ليس بشيء والجواب عن استدلالهم بالاية ان ذلك المعدوم لما تعلقت الارادة بايجاده صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل لقوله اتى امر الله فلا تستعجلوه وقوله ونفخ في الصور
وقوله واشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين. الاية وقوله وسيق الذين كفروا. الاية وقوله وسيق الذين اتقوا ربهم الاية وامثال ذلك كل هذه الافعال الماضية الدالة على الوقوع بالفعل فيما مضى اطلقت مرادا بها المستقبل
لان تحقق وقوع ما ذكر سيره كالواقع بالفعل وكذلك تسميته شيئا قبل وجوده بتحقق وجوده بارادة الله تعالى وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة وقد خلقتك من قبل قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة والكسائي
خلقتك بتاء الفاعل المضمومة التي هي تاء المتكلم وقرأه حمزة والكسائي وقد خلقناك بنون بعدها الف وصيغة الجمع فيها للتعظيم قوله تعالى قال رب اجعل لي اية قال ايتك الا تكلم الناس ثلاث ليال سويا
المراد بالاية هنا العلامة ايجعل لي علامة اعلم بها وقوع ما بشرت به من الولد قال بعض اهل العلم طلب الاية على ذلك لتتم طمأنينته بوقوع ما بشر به ونظيره على هذا القول
قوله تعالى عن ابراهيم قال ربي ارني كيف تحيي الموتى؟ قال او لم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي وقيل اراد بالعلامة ان يعرف ابتداء حمل امرأته لان الحملة في اول زمنه يخفى
وقوله في هذه الاية الكريمة ايتك الا تكلم الناس ثلاث ليال سويا اي علامتك على وقوع ذلك الا تكلم الناس اي ان تمنع الكلام. فلا تطيقه ثلاث ليال بايامهن في حال كونك سويا
هيسوي الخلق سليم الجوارح ما بك خرس ولا بكم ولكنك ممنوع من الكلام على سبيل خرق العادة كما قدمنا في ال عمران اما ذكر الله فليس ممنوعا عنه بدليل قوله في ال عمران
واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار وقول من قال ان معنى قوله تعالى ثلاث ليال سويا اي ثلاث ليال متتابعات غير صواب بل معناه هو ما قدمنا من كون اعتقال لسانه عن كلام قومه ليس لعلة ولا مرض حدث به ولكن بقدرة الله تعالى
وقد قال تعالى هنا ثلاث ليال ولم يذكروا معها ايامها ولكنه ذكر الايام في ال عمران لقوله قال ايتك الا تكلم الناس ثلاثة ايام الاية ودلت الايتان على انها ثلاث ليال بايامهن
وقوله تعالى في هذه الاية الا تكلم الناس يعني الا بالاشارة او الكتابة كما دل عليه قوله هنا فاوحى اليهم ان سبحوا بكرة وعشيا وقوله في ال عمران قال ايتك الا تكلم الناس ثلاثة ايام
الا رمزا الاية لان الرمز الاشارة والايماء بالشفتين والحاجب والايحاء في قوله فاوحى اليهم ان سبحوا الاية قال بعض العلماء هو الاشارة وهو الاظهر بدليل قوله الا رمزا كما تقدم انفا
وممن قال بان الوحي في الاية الاشارة قتادة والكلبي وابن منبه والعتبي كما نقله عنهم القرطبي وغيره وعن مجاهد والسدي فاوحى اليهم اي كتب لهم في الارض وعن عكرمة كتب لهم في كتاب
والوحي في لغة العرب يطلق على كل القاء في سرعة وخفاء ولذلك اطلق على الالهام كما في قوله تعالى واوحى ربك الى النحل الاية وعلى الاشارة ما هو الظاهر في قوله تعالى فاوحى اليهم ان سبحوا الاية
ويطلق على الكتابة كما هو القول الاخر في هذه الاية الكريمة واطلاق الوحي على الكتابة مشهور في كلام العرب ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته فمدافع الريان عري رسمها خلقا
كما ضمن الوحي سلامها وقوله الوحي بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء جمع وحي بمعنى الكتابة وقول عنترة كوحي صحائف من عهد كسرى فاهداها لاعجم طمطمي وقول ذي الرمة سوى الاربع الدهم اللواتي كانها
بقية وحي في بطون الصحائف وقول جرير كأن اخ الكتاب يخط وحيا بكاف في منازلها ولام قوله تعالى فخرج على قومه من المحراب فاوحى اليهم ان سبحوا بكرة وعشيا ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة
ان زكريا خرج على قومه من المحراب فأشار اليهم او كتب لهم ان سبحوا الله اول النهار واخره فالبكرة اول النهار والعشي اخره وقد بين تعالى في ال عمران ان هذا الذي امر به زكريا قومه بالاشارة او الكتابة
من التسبيح بكرة وعشيا ان الله امر زكريا به ايضا وذلك في قوله واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار والظاهر ان هذا المحراب الذي خرج منه على قومه هو المحراب الذي بشر بالولد
وهو قائم يصلي فيه المذكور في قوله تعالى فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب قال ابو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الاية والمحراب ارفع المواضع واشرف المجالس
وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الارض. انتهى وقال الجوهري في صحاحه قال الفراء المحاريب صدور المجالس ومنه سمي محراب المسجد والمحراب الغرفة قال وضاح اليمن ربة محراب اذا جئتها لم القها او ارتقي سلما
ومن هذا المعنى قوله تعالى كلما دخل عليها زكريا المحراب الاية ايها المستمع الكريم حسبنا ما مضى في هذا اللقاء. ولنا ان شاء الله لقاء اخر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
