يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى وبرا بوالديه البر بالفتح هو فاعل البر بالكسر كثيرا
اي وجعلناه كثير البر بوالديه اي محسنا اليهما لطيفا بهما لين الجانب لهما وقوله وبرا معطوف على قوله تقيا وقوله ولم يكن جبارا عصيا اي لم يكن مستكبرا عن طاعة ربه
وطاعة والديه ولكنه كان مطيعا لله متواضعا لوالديه قاله ابن جرير والجبار هو كثير الجبر اي القهر للناس والظلم لهم وكل متكبر على الناس يظلمهم فهو جبار وقد اطلق في القرآن على شديد البطش
في قوله تعالى واذا بطشتم بطشتم جبارين وعلى من يتكرر منه القتل في قوله تعالى اتريد ان تقتلني كما قتلت نفسا بالامس ان تريد الا ان تكون جبارا في الارض
الاية وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا قال ابن جرير وسلام عليه اي امان له وقال ابن عطية والاظهر عندي انها التحية المتعارفة
فهي اشرف من الامان لان الامانة متحصن له بنفي العصيان عنه وهو اقل درجاته وانما الشرف في ان سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الانسان فيها في غاية الضعف والحاجة
وقلة الحيلة والفقر الى الله تعالى عظيم الحول انتهى كلام ابن عطية بواسطة نقل القرطبي في تفسير هذه الاية ومرجع القولين الى شيء واحد لان معنى سلام التحية والامان والسلامة مما يكره
وقول من قال هو الامان يعني ان ذلك الامانة من الله والتحية من الله معناها الامان والسلامة مما يكره والظاهر المتبادر ان قوله وسلام عليه يوم ولد تحية من الله ليحيى
ومعناها الامان والسلامة وقوله وسلام عليه مبتدأ وسوغ الابتداء به وهو نكرة انه في معنى الدعاء وانما خص هذه الاوقات الثلاثة بالسلام التي هي وقت ولادته ووقت موته ووقت بعثه
في قوله يوم ولد ويوم يموت الاية لانها اوحش من غيرها قال سفيان بن عيينة اوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه
ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم قال فاكرم الله فيها يحيى ابن زكريا وخصه بالسلام عليه فيها رواه عنه ابن جرير وغيره
وذكر ابن جرير الطبري في تفسير هذه الاية باسناده عن الحسن رحمه الله قال ان عيسى ويحيى التقيا. فقال له عيسى استغفر لي. انت خير مني فقال الاخر استغفر لي انت خير مني
فقال عيسى انت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك وقد نقل القرطبي هذا الكلام الذي رواه ابن جرير عن الحسن البصري رحمه الله تعالى ثم قال انتزع بعض العلماء من هذه الاية في التسليم
فضل عيسى بان قال ادلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل اعظم في المنزلة من ان يسلم عليه قال ابن عطية ولكل وجه
انتهى كلام القرطبي والظاهر ان سلام الله على يحيى في قوله وسلام عليه يوم ولد. الاية اعظم من سلام عيسى على نفسه في قوله والسلام علي يوم ولدت ويوم اموت
ويوم ابعث حيا كما هو ظاهر قال المؤلف رحمه الله تنبيه الفتحة في قوله يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا يحتمل ان تكون في الظروف الثلاثة فتحة اعراب نصبا على الظرفية
ويحتمل ان تكون فتحة بناء لجواز البناء في نحو ذلك والاجود ان تكون فتحة يوم ولد فتحة بناء وفتحة يوم يموت ويوم يبعث فتحة نصب لان بناء ما قبل الفعل الماضي اجود من اعرابه
واعراب ما قبل المضارع والجملة الاسمية اجود من بنائه كما عقده في الخلاصة بقوله وابن اواعرب ما كئذ قد اجري واختر بنا ما تلو فعل بني وقبل فعل معرب او مبتدأ اعرب
ومن بنى فلن يفنى قال المؤلف رحمه الله وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة ويوم يبعث حيا قال ابو حيان فيه تنبيه على كونه من الشهداء لقوله تعالى فيهم بل احياء عند ربهم يرزقون
قال مقيده عفا الله عنه وجهوا هذا الاستنباط ان الحال قيد لعاملها وصف لصاحبها وعليه فبعثه مقيد بكونه حيا وتلك حياة الشهداء وليس بظاهر كل الظهور والله تعالى اعلم هذا هو حاصل ما ذكره الله تعالى في هذه السورة الكريمة
من صفات يحيى عليه السلام وذكر بعض صفاته في غير هذا الموضع كقوله في ال عمران فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ان الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله
وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ومعنى كونه مصدقا بكلمة من الله انه مصدق بعيسى وانما قيل لعيسى كلمة الله لان الله اوجده بكلمة هي قوله كن  كما قال تعالى انما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله
وكلمته القاها الى مريم الاية وقال اذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه. الاية وهذا هو قول جمهور المفسرين بمعنى قوله تعالى مصدقا بكلمة من الله وقيل المراد بكلمة الله الكتاب
اي مصدقا بكتاب الله والكلمة في القرآن تطلق على الكلام المفيد. كقوله وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا وقوله وتمت كلمة ربك الحسنى وقوله كلا انها كلمة هو قائلها الى غير ذلك من الايات
وباقي الاقوال تركناه لظهور ضعفه والصواب ان شاء الله هو ما ذكرنا وقوله وسيدا اصله من السواد وهو الخلق الكثير السيد من يطيعه ويتبعه سواد كثير من الناس والدليل على ان عين المادة واو
انك تقول فيه سعد يسود بالواو وتقول سودوه اذا جعلوه سيدا والتضعيف يرد العين الى اصلها ومنه قول عامر بن الطفيل العامري واني وان كنت ابن سيد عامر وفارسها المشهور في كل مركبي
فما سودتني عامر عن وراثة ابى الله ان اسمو بام ولا ابي وقال الاخر وان بقوم سودوك لحاجة الى سيد لو يظفرون بسيدي وشهرة مثل ذلك تكفي عن بيانه والاية فيها دليل على اطلاق السيد على من ساد من الناس
وقد جاء في الصحيحين وغيرهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن ابن علي رضي الله عنهما ان ابني هذا سيد. الحديث وانه صلى الله عليه وسلم لما جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه للحكم في بني قريظة قال صلى الله عليه وسلم
قوموا لسيدكم والتحقيق في معنى قوله حصورا انه الذي حصر نفسه عن النساء مع القدرة على اتيانهن تبتلا منه وانقطاعا لعبادة الله وكان ذلك جائزا في شرعه واما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهي التزوج وعدم التبتل
اما قول من قال ان الحصور فعول بمعنى مفعول وانه محصور عن النساء لانه عنين. لا يقدر على اتيانهن فليس بصحيح لان الانة عيب ونقص في الرجال وليست من فعله حتى يثنى عليه بها
والصواب ان شاء الله هو ما ذكرنا اختاره غير واحد من العلماء وقول من قال ان الحصور هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر كما قال الاخطل وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار. قول ليس بالصواب في معنى الاية
بل معناها هو ما ذكرنا وان كان اطلاق الحصور على ذلك صحيحا لغة وقوله ونبيئا على قراءة نافع بالهمزة معناه واضح وهو فعيل بمعنى مفعول من النبأ وهو الخبر الذي له شأن
لان الوحي خبر له شأن يخبره الله به على قراءة الجمهور بالياء المشددة قال بعض العلماء معناه كمعنى قراءة نافع. الا ان الهمزة ابدلت ياء وادغمت فيها الياء التي قبلها
وعلى هذا فهو كالقراءتين السبعيتين في قوله انما النسيئ زيادة في الكفر بالهمزة وتشديد الياء وقال بعض العلماء هو على قراءة الجمهور من النبوة بمعنى الارتفاع لرفعة النبي وشرفه والصالحون
هم الذين صلحت عقائدهم واعمالهم واقوالهم ونياتهم والصلاح ضد الفساد وقد وصف الله تعالى يحيى بالصلاة مع من وصف بذلك من الانبياء في سورة الانعام في قوله وزكريا ويحيى وعيسى والياس
كل من الصالحين بهذا ايها المستمع الكريم نأتي على نهاية هذا اللقاء ولنا ان شاء الله لقاء اخر متجدد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
