يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى فاما ترين من البشر احدا قولي اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم انسيا
قائل هذا الكلام لمريم هو الذي ناداها من تحتها الا تحزني وقد قدمنا الخلاف فيه هل هو عيسى او جبريل وما يظهر رجحانه عندنا من ذلك وقوله في هذه الاية الكريمة
فقولي اني نذرت للرحمن صوما قيل امرت ان تقول ذلك باللفظ وقيل امرت ان تقوله بالاشارة وكونها امرت ان تقوله باللفظ هو مذهب الجمهور كما قاله القرطبي وابو حيان وهو ظاهر الاية الكريمة
لان ظاهر القول في قوله تعالى فقولي اني نذرت الاية انه قول باللسان واستدل من قال انها امرت ان تقول ذلك بالاشارة بانها لو قالته باللفظ افسدت نذرها الذي نذرته الا تكلم اليوم انسيا
فاذا قالت لانسي بلسانها اني نذرت للرحمن صوما فقد كلمت ذلك الانسي فافسدت نذرها واختار هذا القول الاخير لدلالة الاية عليه ابن كثير رحمه الله قال في تفسير هذه الاية
فقولي اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم انسيا المراد بهذا القول الاشارة اليه بذلك لا ان المراد القول اللفظي لئلا ينافي فلن اكلم اليوم انسيا واجاب المخالفون عن هذا
بان المعنى فلن اكلم اليوم انسيا بعد قولي اني نذرت للرحمن صوما فقد رأيت كلام العلماء في الاية وان القول الاول يدل عليه ظاهر الصيام وان الثاني يدل عليه قوله فلن اكلم اليوم انسيا
لانه يدل على نفي الكلام للانسي مطلقا قال ابو حيان في البحر وقوله انسيا لانها كانت تكلم الملائكة ومعنى كلامه ان قوله انسيا له مفهوم مخالفة اي بخلاف غير الانسي كالملائكة
فاني اكلمه والذي يظهر لي انه لم يرد في الكلام اخراج المفهوم عن حكم المنطوق وانما المراد شمول نفي الكلام كل انسان كائنا من كان قال المؤلف رحمه الله وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة
اني نذرت للرحمن صوما اي امساكا عن الكلام في قول الجمهور والصوم في اللغة الامساك ومنه قول نابغة ذبيان خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج واخرى تعلك اللجما فقوله خيل صيام اي ممسكة عن الجري
وقيل عن العلف وخيل غير صائمة اي غير ممسكة عما ذكر وقول امرئ القيس كان الثريا علقت في مصامها بامراس كتان الى صم جندل فقوله في مصامها اي مكان صومها
يعني امساكها عن الحركة وهذا القول هو الصحيح في معنى الاية ان المراد بالصوم الامساك عن الكلام بدليل قوله بعده فلن اكلم اليوم انسيا وهو قول اكثر اهل العلم وقال ابن حجر في الفتح في باب اللعان
وقد ثبت من حديث ابي ابن كعب وانس ابن مالك ان معنى قوله تعالى اني نذرت للرحمن صوما اي صمتا اخرجه الطبراني وغيره انتهى وقال بعض العلماء المراد بالصوم في الاية
هو الصوم الشرعي المعروف المذكور في قوله تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم وعليه فالمراد انهم كانوا اذا صاموا في شريعتهم حرم عليهم الكلام كما يحرم عليهم الطعام
والصواب في معنى الاية الاول وعليه فهذا النذر الذي نذرته الا تكلم اليوم انسيا كان جائزا في شريعتهم اما في الشريعة التي جاءنا بها نبينا صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ذلك النذر
ولا يجب الوفاء به قال البخاري في صحيحه حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا وهيب حدثنا ايوب عن عكرمة عن ابن عباس قال بين النبي يخطب اذا هو برجل قائم فسأل عنه
فقالوا ابو اسرائيل نذر ان يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه قال عبدالوهاب حدثنا ايوب عن عكرمة
عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى وقال ابن حجر في الفتح الكلام على هذا الحديث وفي حديثه ان السكوت عن المباح ليس من طاعة الله وقد اخرج ابو داوود من حديث علي
ولا صمت يوم الى الليل وتقدم في السيرة النبوية قول ابي بكر الصديق ان هذا يعني الصمت من فعل الجاهلية وفيه ان كل شيء يتأذى به الانسان ولو مآلا مما لم يرد بمشروعيته كتاب او سنة
كالمشي حافيا والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة الله فلا ينعقد به النذر فانه صلى الله عليه وسلم امر ابا اسرائيل باتمام الصوم دون غيره وهو محمول على انه علم انه لا يشق عليه
وامره ان يقعد ويتكلم ويستظل قال القرطبي في قصة ابي اسرائيل هذه اوضح الحجج للجمهور في عدم وجوب الكفارة على من نذر معصية او ما لا طاعة فيه قال مالك لما ذكره
ولم اسمع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم امره بالكفارة انتهى كلام صاحب فتح الباري وقد قال الزمخشري في تفسير هذه الاية التي نحن بصددها وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن صوم الصمت
فقال ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج احاديث الكشاف لم اره هكذا واخرج عبد الرزاق من حديث جابر بلفظ لا صمت يوم الى الليل وفيه حزام ابن عثمان وهو ضعيف
ولابي داوود من حديث علي مثله وقد تقدم في تفسير سورة النساء وبهذا ايها المستمع الكريم نكتفي في لقائنا هذا وسوف نكمل بقية تفسير الاية ان شاء الله في لقاءنا القادم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
