يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون
اعلم ان هذا الحرف فيه قراءتان سبعيتان قرأه نافع وابن كثير وابو عمرو وحمزة والكسائي قول الحق بضم اللام وقرأه ابن عامر وعاصم قول الحق بالنصب والاشارة في قوله ذلك
راجعة الى المولود المذكور في الايات المذكورة قبل هذا وقوله ذلك مبتدأ وعيسى خبره وابن مريم لعيسى وقيل بدل منه وقيل خبر بعد خبر وقوله قول الحق على قراءة النصب
مصدر مؤكد لمضمون الجملة والى نحوه اشار ابن مالك بقوله في الخلاصة والثاني كابني انت حقا صرفا وقيل منصوب على المدح واما على قراءة الجمهور بالرفع فقول الحق خبر مبتدأ محذوف
اي هو اي نسبته الى امه فقط قول الحق قاله ابو حيان وقال الزمخشري وارتفاعه على انه خبر بعد خبر او بدل او خبر مبتدأ محذوف قال مقيده عفا الله عنه وغفر له
اعلم ان لفظة الحق في قوله هنا قول الحق فيها للعلماء وجهان الاول ان المراد بالحق ضد الباطل بمعنى الصدق والثبوت كقوله وكذب به قومك وهو الحق وعلى هذا القول
فاعراب قوله قول الحق على قراءة النصب انه مصدر مؤكد لمضمون الجملة كما تقدم وعلى قراءة الرفع فهو خبر مبتدأ محذوف كما تقدم ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في ال عمران في القصة بعينها
الحق من ربك فلا تكن من الممترين الوجه الثاني ان المراد بالحق في الاية الله جل وعلا لان من اسمائه الحق كقوله ويعلمون ان الله هو الحق المبين وقوله ذلك بان الله هو الحق
الاية وعلى هذا القول فاعراب قوله تعالى قول الحق على قراءة النصب انه منصوب على المدح وعلى قراءة الرفع فهو بدل من عيسى او خبر بعد خبر وعلى هذا الوجه
فقول الحق هو عيسى كما سماه الله كلمة في قوله وكلمته القاها الى مريم وقوله ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح الاية وانما سمي عيسى كلمة لان الله اوجده بكلمته التي هي كن
مكان كما قال ان مثل عيسى عند الله كمثل ادم خلقه من تراب ثم قال له كن والقول والكلمة على هذا الوجه من التفسير بمعنى واحد وقوله الذي فيه يمترون
ان يشكون الامتراء افتعال من المرية وهي الشك وهذا الشك الذي وقع للكفار نهى الله عنه المسلمين على لسان نبيهم في قوله تعالى ان مثل عيسى عند الله كمثل ادم
خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين وهذا القول الحق الذي اوضح الله به حقيقة الامر في شأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام
بعد نزوله على نبينا صلى الله عليه وسلم امره ربه ان يدعو من حاجه في شأن عيسى الى المباهلة ثم اخبره ان ما قص عليه من خبر عيسى هو القصص الحق
وذلك في قوله تعالى فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعو ابناءنا وابناءكم ونسائنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. ان هذا لهو القصص الحق
الاية ولما نزلت ودعا النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران الى المباهلة خافوا الهلاك وادوا كما هو مشهور قوله تعالى ما كان لله ان يتخذ من ولد سبحانه اذا قضى امرا فانما يقول له كن فيكون
اعلم اولا ان لفظ ما كان يدل على النفي وتارة يدل ذلك النفي من جهة المعنى على الزجر والردع لقوله تعالى ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول الله
الاية وتارة يدل على التعجيز كقوله تعالى االله خير ام ما يشركون؟ امن خلق السماوات والارض وانزل من السماء ماء فانبتنا هذه حدائق ذات بهجة ما كان لكم ان تنبتوا شجرها
الاية وتارة يدل على التنزيه كقوله هنا ما كان لله ان يتخذ من ولد وقد اعقبه بقوله سبحانه اي تنزيها له عن اتخاذ الولد وكل ما لا يليق بكماله وجلاله
وقوله ما كان لله بمعنى ما يصح ولا يتأتى ولا يتصور في حقه جل وعلا ان يتخذ ولدا سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا والاية كقوله تعالى وما ينبغي للرحمن ان يتخذ ولدا
وفي هذه الاية الرد البالغ على النصارى الذين زعموا المحال في قولهم عيسى ابن الله وما نزه عنه جل وعلا نفسه هنا من الولد المزعوم كذبا كعيسى نزه عنه نفسه في مواضع اخر
لقوله تعالى انما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته القاها الى مريم الى قوله انما الله اله واحد سبحانه ان يكون له ولد الاية والايات الدالة على مثل ذلك كثيرة
كقوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ادا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا ان دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن ان يتخذ ولدا الى غير ذلك من الايات
كما تقدم مستوفا في سورة الكهف وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة اذا قضى امرا اي اراد قضاءه بدليل قوله انما امرنا لشيء اذا اردناه ان نقول له كن فيكون
وقوله تعالى انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون وحذف فعل الارادة لدلالة المقام عليه كثير في القرآن وفي كلام العرب ومن امثلته في القرآن قوله تعالى يا ايها الذين امنوا اذا قمتم الى الصلاة الاية
اي اذا اردتم القيام اليها وقوله تعالى فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم اي اذا اردت قراءة القرآن كما تقدم مستوفى وقوله تعالى في هذه الاية التي نحن بصددها ما كان لله ان يتخذ من ولد
زيدت فيه لفظة من قبل المفعول به لتأكيد العموم وقد تقرر في الاصول ان النكرة في سياق النفي اذا زيدت قبلها لفظة من لتوكيد العموم كانت نصا صريحا في العموم
وتضطرد زيادتها للتوكيد المذكور قبل النكرة في سياق النفي في ثلاثة مواضع قبل الفاعل لقوله تعالى ما اتاهم من نذير وقبل المفعول كهذه الاية وكقوله وما ارسلنا من قبلك من رسول الا نوحي اليه
الاية وقبل المبتدأ كقوله ما لكم من اله غيره بهذا ايها المستمع الكريم نأتي على نهاية هذا اللقاء ولنا باذن الله لقاء اخر متجدد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
