يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم
اظهر الاقوال في الاحزاب المذكورة في هذه الاية انهم فرق اليهود والنصارى الذين اختلفوا في شأن عيسى فقالت طائفة هو ابن زنا وقالت طائفة هو ابن الله وقالت طائفة هو الله
وقالت طائفة هو اله مع الله ثمان الله توعد الذين كفروا منهم بالويل لهم من شهود يوم القيامة وذلك يشمل من كفر بالتفريط في عيسى كالذي قال انه ابن زنا
ومن كفر بالافراط فيه كالذين قالوا انه الله او ابنه وقوله ويل كلمة عذاب وهو مصدر لا فعل له من لفظه وسوغ الابتداء به وهو نكرة كونه في معنى الدعاء
والظاهر ان المشهد في الاية مصدر ميمي اي فويل لهم من شهود ذلك اليوم اي حضوره لما سيلاقونه فيه من العذاب خلافا لمن زعم ان المشهد في الاية اسمه مكان
اي فويل لهم من ذلك المكان الذي يشهدون فيه تلك الاهوال والعذاب والاول هو الظاهر وهو الصواب ان شاء الله تعالى وهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره ايضا في سورة الزخرف
لقوله تعالى ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة. ولابين لكم بعض الذي تختلفون فيه. فاتقوا الله واطيعون. ان الله هو ربي وربكم  هذا صراط مستقيم فاختلف الاحزاب من بينهم
فويل للذين ظلموا من عذاب يوم اليم وما اشار اليه في الايتين من ان الذين كفروا بالافراط او التفريط في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام انه لم يعاجلهم بالعذاب
وانه يؤخر عذابهم الى الوقت المحدد لذلك اشار له في مواضع اخر كقوله تعالى ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار وقوله تعالى وما نؤخره الا لاجل معدود
وقوله ولولا اجل مسمى لجاءهم العذاب. وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون وبالجملة فالله تعالى يمهل الظالم الى وقت عذابه ولكنه لا يهمله وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابي موسى الاشعري رضي الله عنه
ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله ليملي للظالم حتى اذا اخذه لم يفلته ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك اخذ ربك اذا اخذ القرى وهي ظالمة
ان اخذه اليم شديد وقال تعالى وكأي من قرية امليت لها وهي ظالمة ثم اخذتها والي المصير وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة اختلف الاحزاب من بينهم قال ابو حيان في البحر
ومعنى قوله من بينهم ان الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين انتهى محل الغرض منه قوله تعالى اسمع بهم وابصر يوم يأتوننا. لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين
قوله تعالى اسمع بهم وابصر صيغة تعجب ومعنى الاية الكريمة ان الكفار يوم القيامة يسمعون ويبصرون الحقائق التي اخبرتهم بها الرسل سمعا وابصارا عجيبين وانهم في دار الدنيا في ضلال وغفلة. لا يسمعون الحق ولا يبصرون
وهذا الذي بينه تعالى في هذه الاية الكريمة بينه في مواضع اخر كقوله في سمعهم وابصارهم يوم القيامة ولو ترى اذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا ابصرنا وسمعنا ارجعنا نعمل صالحا انا موقنون
وقوله تعالى لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك. فبصرك اليوم حديد وكقوله في غفلتهم في الدنيا وعدم ابصارهم وسمعهم اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون وقوله يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون
وقوله صم بكم عمي فهم لا يرجعون وقوله مثل الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع. الاية والمراد بالاعمى والاصم الكفار والايات بمثل هذا كثيرة واعلم ان صيغة التعجب اذا كانت على وزن افعل به فهي فعل عند الجمهور
واكثرهم يقولون انه فعل ماض جاء على صورة الامر وبعضهم يقول انه فعل امر لانشاء التعجب. وهو الظاهر من الصيغة ويؤيده دخول نون التوكيد عليه لقول الشاعر ومستبدل من بعد غضبة صريمة فاحري به من طول فقر واحريا
لان الالف في قوله واحريا مبدلة من نون التوكيد الخفيفة على حد قوله في الخلاصة وابدلنها بعد فتح الفا وقفا كما تقول في قفا قفا والجمهور ايضا على ان صيغة التعجب الاخرى التي هي ما افعله
فعل ماض خلافا لجماعة من الكوفيين في قولهم انها اسم بدليل تصغيرها في قول العرجي ياما اميلح غزلانا شدن لنا من هؤلاء كن الضال والصمد قالوا والتصغير لا يكون الا في الاسماء
واجاب من خالفهم بان تصغيرها في البيت المذكور شاذ يحفظ ولا يقاس عليه قوله تعالى وانذرهم يوم الحسرة اذ قضي الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون الحسرة اشد الندم. والتلهف على الشيء الذي فات
ولا يمكن تداركه والانذار الاعلام المقترن بتهديد اي انذر الناس يوم القيامة وقيل له يوم الحسرة لشدة ندم الكفار فيه على التفريط قد يندم فيه المؤمنون على ما كان منهم من التقصير
وقد اشار تعالى الى هذا المعنى في مواضع اخر كقوله وانذرهم يوم الازفة القلوب لدى الحناجر كاظمين الاية وقوله اني نذير لكم بين يدي عذاب شديد واشار الى ما يحصل فيه من الحسرة
في مواضع اخر كقوله ان تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله الاية وقوله تعالى قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى اذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها. الاية
وقوله كذلك يريهم الله اعمالهم حسرات عليهم ومعهم بخارجين من النار الى غير ذلك من الايات وقوله في هذه الاية الكريمة وهم في غفلة اي في غفلة الدنيا معرضون عن الاخرة
وجملة وهم في غفلة حالية والعامل فيها انذرهم اي انذرهم في حال غفلتهم غير مؤمنين خلافا لمن قال ان العامل في الجملة الحالية قوله قبل هذا في ضلال مبين وقد جاء في الحديث الصحيح
ما يدل على ان المراد بقوله هنا اذ قضي الامر اي ذبح الموت قال البخاري رحمه الله في صحيحه باب قوله عز وجل وانذرهم يوم الحسرة حدثنا عمر بن حفص بن غياث
حدثنا ابي حدثنا الاعمش حدثنا ابو صالح عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالموت كهيئة كبش املح في نادي مناد
يا اهل الجنة فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ثم ينادي يا اهل النار وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت
وكلهم قد رآه فيذبح ثم يقول يا اهل الجنة خلود فلا موت ويا اهل النار خلود فلا موت ثم قرأ وانذرهم يوم الحسرة اذ قضي الامر وهم في غفلة وهؤلاء في غفلة الدنيا وهم لا يؤمنون
انتهى من صحيح البخاري والحديث مشهور متفق عليه وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم الاية بعد ذكره ذبح الموت تدل على ان المراد بقوله اذ قضي الامر اي ذبح الموت
وفي معناه اقوال اخر غير هذا تركناها لدلالة الحديث الصحيح على المعنى الذي ذكرناه ايها المستمع الكريم حسبنا في هذا اللقاء ما مضى واعمل ان يتجدد لنا ولكم اللقاء وانتم بخير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
