يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا
الاشارة في قوله تلك الى ما تقدم من قوله فاولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب الاية وقد بين جل وعلا في هذه الاية الكريمة
انه يورث المتقين من عباده جنته وقد بين هذا المعنى ايضا في مواضع اخر لقوله تعالى قد افلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون الى قوله اولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
وقوله وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض اعدت للمتقين الايات وقوله تعالى وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا الاية وقوله ونودوا ان تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون
الى غير ذلك من الايات ومعنا ايراثهم الجنة الانعام عليهم بالخلود فيها في اكمل نعيم وسرور على الزمخشري في الكشاف نورث اي نبقي عليه الجنة كما نبقي على الوارث مال الموروث
ولان الاتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت اعمالهم وثمرتها باقية وهي الجنة واذا ادخلهم الجنة فقد اورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى وقال بعض اهل العلم
معنى ايراثهم الجنة ان الله تعالى خلق لكل نفس منزلا في الجنة ومنزلا في النار فاذا دخل اهل الجنة الجنة اراهم منازلهم في النار لو كفروا وعصوا الله ليزداد سرورهم وغبطتهم
وعند ذلك يقولون الحمدلله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله الاية وكذلك يري اهل النار منازلهم في الجنة. لو امنوا واتقوا الله لتزداد ندامتهم وحسرتهم وعند ذلك يقول الواحد منهم
لو ان الله هداني لكنت من المتقين ثم انه تعالى يجعل منازل اهل الجنة في النار لاهل النار ومنازل اهل النار في الجنة لاهل الجنة ويرثون منازل اهل النار في الجنة
وهذا هو معنى الايراث المذكور على هذا القول قال مقيده عفا الله عنه وغفر له قد جاء حديث يدل لما ذكر من ان لكل احد منزلا في الجنة ومنزلا في النار
الا ان حمل الاية عليه غير صواب لان اهل الجنة يرثون من الجنة منازلهم المعدة لهم باعمالهم وتقواهم كما قد قال تعالى ونودوا ان تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون. ونحوها من الايات
ولو فرضنا انهم يرثون منازل اهل النار وحمل الاية على ذلك يوهم انهم ليس لهم في الجنة الا ما اورثوا من منازل اهل النار والواقع بخلاف ذلك كما ترى والحديث المذكور
هو ما رواه الامام احمد في المسند والحاكم في المستدرك من حديث ابي هريرة كل اهل الجنة يرى مقعده من النار. فيقول لولا ان الله هداني فيكون له شكر وكل اهل النار يرى مقعده من الجنة. فيقول لو ان الله هداني فيكون عليه حسرة انتهى
وعلم في الجامع الصغير على هذا الحديث علامة الصحة وقال شارحه المناوي قال الحاكم صحيح على شرطهما واقره الذهبي وقال الهيتمي رجال احمد رجال الصحيح انتهى قوله تعالى ويقول الانسان ائذا ما مت لسوف اخرج حيا. اولا يذكر الانسان انا خلقناه من قبل
ولم يك شيئا قال بعض اهل العلم نزلت هذه الاية في ابي ابن خلف وجد عظاما بالية ففتتها بيده وقال زعم محمد انا نبعث بعد الموت قاله الكلبي وذكره الواحدي والثعلبي
وقال المهدوي نزلت في الوليد بن المغيرة واصحابه وهو قول ابن عباس وقيل نزلت في العاصي ابن وائل وقيل في ابي جهل وعلى كل واحد من هذه الاقوال وقد اسند تعالى هذا القول لجنس الانسان
وهو صادر من بعض افراد الجنس لان من اساليب العربية اسناد الفعل الى المجموع مع ان فاعله بعضهم لا جميعهم ومن اظهر الادلة القرآنية في ذلك قراءة حمزة والكسائي فان قتلوكم فاقتلوهم
من القتل في الفعلين اي فان قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الاخر. كما تقدم مرارا ومن اظهر الشواهد العربية في ذلك قول الفرزدق وسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
وقد اسند الضرب الى بني عبس مع انه صرح بان الضارب الذي بيده السيف هو ورقاء وهو ابن زهير ابن جذيمة العبسي ابو خالد هو ابن جعفر الكلابي وقصة قتله لزهير المذكور مشهورة
وقد بين تعالى في هذه الاية ان هذا الانسان الكافر يقول منكرا البعث فاذا مت لسوف اخرج حيا زعم منه انه اذا مات لا يمكن ان يحيا بعد الموت وقد رد الله تعالى عليه مقالته هذه
بقوله اولا يذكر الانسان انا خلقناه من قبل ولم يك شيئا يعني ايقول الانسان مقالته هذه في انكار البعث ولا يذكر انا اوجدناه الايجاد الاول ولم يك شيئا بل كان عدما فاوجدناه
وايجادنا له المرة الاولى دليل قاطع على قدرتنا على ايجاده بالبعث مرة اخرى وهذا البرهان الذي اشار له هنا قد قدمنا الايات الدالة عليه في سورة البقرة والنحل وغيرهما لقوله تعالى وضرب لنا مثلا ونسي خلقه
قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي انشأها اول مرة وهو بكل خلق عليم وقوله تعالى افعينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد وقوله ولقد علمتم النشأة الاولى فلولا تذكرون
وقوله وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو اهون عليه. الاية وقوله فسيقولون من يعيدنا وللذي فطركم اول مرة وقوله يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب
الاية وقوله تعالى كما بدأنا اول خلق نعيده وعدا علينا انا كنا فاعلين الى غير ذلك من الايات كما تقدم ايضاحه وفي الحديث الصحيح الذي يرويه صلى الله عليه وسلم عن ربه يقول الله تعالى
كذبني ابن ادم ولم يكن له ان يكذبني واذان ابن ادم ولم يكن له ان يؤذيني اما تكذيبه اياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس اول الخلق اهون علي من اخره
واما اذاه اياي فقوله ان لي ولدا وانا الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد فان قيل اين العامل في الظرف الذي هو اذا فالجواب
انه منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط وتقدير ااخرج حيا اذا ما مت؟ اي حين يتمكن فيا الموت والهلاك تخرج حيا يعني لا يمكن ذلك فان قيل لم لا تقولوا بانه منصوب باخرج المذكور في قوله لسوف اخرج حيا
على العادة المعروفة من ان العامل في اذا هو جزاؤها الجواب ان لام الابتداء في قوله لسوف اخرج حيا مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها كما هو معلوم في علم العربية
فلا يجوز ان تقول اليوم لزيد قائم يعني لزيد قائم اليوم وما زعمه بعضهم من ان حرف التنفيس الذي هو سوف مانع من عمل ما بعده فيما قبله ايضا حتى انه على قراءة طلحة بن مصرف ائذا ما مت ساخرج حيا
بدون اللام يمتنع نصب اذا باخرج المذكورة فهو خلاف التحقيق والتحقيق ان حرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده فيما قبله ودليله وجوده في كلام العرب لقول الشاعر فلما رأته امنا هان وجدها
وقالت ابونا هكذا سوف يفعل فقوله هكذا منصوب بقوله يفعل كما اوضحه ابو حيان في البحر وعليه وعلى قراءة طلحة بن مصرف فقوله اذا منصوب بقوله اخرج لعدم وجود اللعب فيها
وعدم منع حرف التنفيس من عمل ما بعده فيما قبله بهذا ايها المستمع الكريم تنتهي هذه الحلقة ولنا باذن الحي القيوم حلقة قادمة فالى ذلك الحين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
