يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا
لم يبين هنا جل وعلا في هذه الاية الكريمة سبب قتله لهذه النفس ولا ممن هي ولم يبين السبب الذي نجاه به من ذلك الغم ولا الفتون الذي فتنه ولكنه بين في سورة القصص
خبر القتيل المذكور في قوله تعالى ودخل المدينة على حين غفلة من اهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه
فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين قال ربياني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له انه هو الغفور الرحيم واشار الى القتيل المذكور في قوله قال ربياني قتلت منهم نفسا
فاخاف ان يقتلون وهو المراد بالذنب في قوله تعالى عن موسى فارسل الى هارون ولهم علي ذنب فاخاف ان يقتلون وهو مراد فرعون بقوله لموسى بما ذكره الله عنه وفعلت فعلتك التي فعلت. الاية
وقد اشار تعالى في القصص ايضا الى غم موسى والى السبب الذي انجاه الله به منه في قوله وجاء رجل من اقصى المدينة يسعى قال يا موسى ان الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. فاخرج اني لك من الناصحين
فخرج منها خائفا يترقب قال ربي نجني من القوم الظالمين ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي ان يهديني سواء السبيل الى قوله قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين
وقوله وفتناك فتونا قال بعض اهل العلم الفتون مصدر وربما جاء مصدر الثلاثي المتعدي على فعول وقال بعضهم هو جمع فتنة وقال الزمخشري في الكشاف يجوز ان يكون مصدرا على فعول
المتعدي كالثبور والشكور والكفور وجمع فتن او فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزة وبدرة اي فتناك دروبا من الفتن وقد جاء في تفسير الفتون المذكور حديث معروف عند اهل العلم في حديث الفتول
اخرجه النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وساقه ابن كثير في تفسيره عن النسائي بسنده وهو حديث طويل يقتضي ان الفتون يشمل كل ما جرى على موسى من المحن
من فرعون في صغره وكبره كالخوف عليه من الذبح وهو صغير ومن اجل ذلك القي في التابوت وقذف في اليم القاه اليم بالساحل وكخوفه وهو كبير من ان يقتله فرعون بالقبطي الذي قتله
وعلى هذا الايات التي ذكرت فيها تلك المحن مبينة للفتون على تفسير ابن عباس للفتون المذكور وقال ابن كثير رحمه الله بعد ان ساق حديث الفتون بطوله هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى
واخرجه ابو جعفر ابن جرير وابن ابي حاتم في تفسيريهما كلهم من حديث يزيد ابن هارون به وهو موقوف من كلام ابن عباس وليس فيه مرفوع الا قليل منه وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنه مما ابيح نقله من الاسرائيليات عن كعب الاحبار او غيره
والله اعلم وسمعت شيخنا الحافظ ابا الحجاج المجزي يقول ذلك ايضا انتهى قوله تعالى فلبثت سنين في اهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى السنون التي لبثها في مدين
هي المذكورة في قوله تعالى قال اني اريد ان انكحك احدى ابنتي هاتين على ان تأجرني ثماني حجج فان اتممت عشرا فمن عندك وقد قدمنا في سورة مريم انه اتم العشر
وبينا دليل ذلك من السنة وبه تعلم ان الاجل في قوله فلما قضى موسى الاجل انه عشر سنين لا ثمن وقال بعض اهل العلم لبث موسى في مدينة ثمان وعشرين سنة
عشر منها مهر ابنة صهره وثمان عشرة اقامها هو اختيارا والله تعالى اعلم واظهروا الاقوال في قوله تعالى ثم جئت على قدر يا موسى اي جئت على القدر الذي قدرته وسبق في علمي
انك تجيء فيه فلم تتأخر عنه ولم تتقدم كما قال تعالى ان كل شيء خلقناه بقدر وقال وكل شيء عنده بمقدار وقال وكان امر الله قدرا مقدورا وقال جرير يمدح عمر بن عبدالعزيز
جاء الخلافة او كانت له قدرا كما اتى ربه موسى على قدري وقوله تعالى اذهب انت واخوك باياتي ولا تنيا في ذكري اذهبا الى فرعون انه طغى قال بعض اهل العلم
المراد بالايات في قوله هنا اذهب انت واخوك باياتي الايات التسع المذكورة في قوله تعالى ولقد اتينا موسى تسع ايات بينات الاية وقوله وادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع ايات. الاية
والايات التسع المذكورة هي العصا واليد البيضاء الى اخرها وقد قدمنا الكلام عليها مستوفا في سورة بني اسرائيل وقوله تعالى انه طغى اصل الطغيان مجاوزة الحد ومنه انا لما طغى الماء حملناكم في الجارية
وقد بين الله تعالى شدة طغيان فرعون ومجاوزته الحد في قوله عنه فقال انا ربكم الاعلى وقوله عنه ما علمت لكم من اله غيري وقوله عنه ايضا لئن اتخذت الها غيري لاجعلنك من المسجونين
وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة ولا تنيا مضارع وما يني على حد قول ابن مالك في الخلاصة فامر نوم ضارع من كوعد احذف وفي كعدة ذاك الطرد ولونا في اللغة
الضعف والفتور والكلال والاعياء ومنه قول امرئ القيس في معلقته مسح اذا ما السابحات على الونا اثرن غبارا بالكديد المركل وقول العجاج فما ونى محمد غفر له الاله ما مضى وما غبر
وقوله ولا تنيا في ذكري اي لا تضعف ولا تفتر في ذكري وقد اثنى الله على من يذكره في جميع حالاته في قوله الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم
وامر بذكر الله عند لقاء العدو في قوله اذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا كما تقدم ايضاحه وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الاية الكريمة والمراد انهما لا يفتران في ذكر الله في حال مواجهة فرعون
ليكون ذكر الله عونا لهما عليه وقوة لهما وسلطانا كاسرا له كما جاء في الحديث ان عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه انتهى منه وقال بعض اهل العلم
ولا تنيا في ذكري لا تزالا في ذكري واستشهد لذلك بقول طرفة كأن القدور الراسيات امامهم قباب بنوها لا تني ابدا تغلي اي لا تزال تغلي ومعناه راجع الى ما ذكرنا
والعلم عند الله تعالى ايها المستمع الكريم بحسبنا في هذا اللقاء ما تقدم ولنا بمشيئة الله لقاء اخر يعقبه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
