يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا
قد قدمنا في سورة الكهف في الكلام على قوله ومن اظلم ممن ذكر بايات ربه فاعرض عنها الاية الايات الموضحة نتائج الاعراض عن ذكر الله تعالى الوخيمة واغنى ذلك عن اعادته هنا
وقد قدمنا هناك ان منها المعيشة الضنك واعلم ان الضنك في اللغة الضيق. ومنه قول عنترة ان يلحقوا اكرر وان يستلحموا اشدد وان يلفوا بضنك انزلي ايضا ان المنية لو تمثلت مثلي اذا نزلوا بضنك المنزل
واصل الضنك مصدر وصف به فيستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع وبه تعلم ان معنى قوله معيشة ضنكا اي عيشا ضيقا والعياذ بالله تعالى  واختلف العلماء في المراد بهذا العيش الضيق على اقوال متقاربة. لا يكذب بعضها بعضا
وقد قدمنا مرارا ان الاولى في مثل ذلك شمول الاية لجميع الاقوال المذكورة ومن الاقوال في ذلك ان معناه ان الله عز وجل جعل مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله
والرضا بقسمته. فصاحبه ينفق مما رزقه الله. بسماح وسهولة فيعيش عيشا هنيئا ومما يدل على هذا المعنى من القرآن قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن
فلا نحيينه حياة طيبة. الاية. وقوله تعالى وان استغفروا ربكم ثم توبوا اليه يمتعكم متاعا حسنا الى اجل مسمى. الاية. كما تقدم ايضاح ذلك كله واما المعرض عن الدين فانه يستولي عليه الحرص. الذي لا يزال يطمح به الى الازدياد من الدنيا
مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الانفاق. فعيشه ضنك وحاله مظلمة. ومن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة بسبب كفره. كما قال تعالى ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله. ذلك بانهم كانوا يكفرون بايات الله الايات
وذلك من العيش الضنك بسبب الاعراض عن ذكر الله وبين في مواضع اخر انهم لو تركوا الاعراض عن ذكر الله فاطاعوه تعالى ان عيشهم يصير واسع رغدا لا ضنكا. كقوله تعالى ولو انهم اقاموا التوراة والانجيل. وما انزل اليهم من
ربهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم. الاية. وقوله تعالى ولو ان اهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض. الاية وكقوله تعالى عن نوح فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا. يرسل السماء عليكم
مدرارا ويمددكم باموال وبنين. ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا وقوله تعالى عن هود ويا قومي استغفروا ربكم ثم توبوا اليه. يرسل السماء عليكم ويزدكم قوة الى قوتكم وقوله تعالى وان لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه. الاية
الى غير ذلك من الايات. وعن الحسن ان المعيشة الضنك هي طعام الضريع تقوم يوم القيامة وذلك مذكور في ايات من كتاب الله تعالى. كقوله ليس لهم طعام الا من ضريع. الاية
وقوله ان شجرة الزقوم طعام الاثيم الاية. ونحو ذلك من الايات. وعن عكرمة والضحاك ومالك بن دينار. المعيشة الضنك الكسب الحرام والعمل السيء. وعن ابي سعيد الخدري وعبدالله بن مسعود وابي هريرة
رضي الله عنهم المعيشة الضنك عذاب القبر وضغطته. وقد اشار تعالى الى فتنة القبر وعذاب في قوله يثبت الله الذين امنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة. ويضل الله
الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابي هريرة ان المعيشة الضنك في الاية عذاب القبر
وبعض طرقه باسناد جيد كما قاله ابن كثير في تفسير هذه الاية. ولا ينافي ذلك شمول المعيشة الضنك. لمعيشته في الدنيا وطعام الضريع والزقوم فتكون معيشته ضنكا في الدنيا والبرزخ والاخرة. والعياذ بالله تعالى
قوله تعالى ونحشره يوم القيامة اعمى ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان من اعرض عن ذكره يحشره يوم القيامة في حال كونه اعمى قال مجاهد وابو صالح والسدي اعمى اي لا حجة له. وقال عكرمة
عمي عليه كل شيء الا جهنم. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ان من انواع البيان التي تضمنها ان يقول بعض العلماء في الاية قولا ويكون في نفس اية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وقد ذكرنا امثلة متعددة لذلك
فاذا علمت ذلك فاعلم ان في هذه الاية الكريمة قرينة دالة على خلاف قول مجاهد وابي صالح والسدي وعكرمة. وان المراد بقوله اعمى اي اعمى البصر. لا يرى شيئا والقرينة المذكورة
هي قوله تعالى قال رب لما حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا. فصرح بان اماه والعمى المقابل للبصر وهو بصر العين. لان الكافر كان في الدنيا اعمى القلب كما دلت على ذلك ايات كثيرة من كتاب الله. وقد زاد جل وعلا في سورة بني اسرائيل
انه مع ذلك العمى يحشر اصم ابكم ايضا وذلك في قوله تعالى ومن يهد الله فهو المهتدي. ومن يضلل فلن تجد لهم اولياء من ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما. مأواهم
جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ايها المستمع الكريم بقيت للحديث بقية. نستكملها ان شاء الله في لقاءنا القادم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
