يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ونوحا اذ نادى من قبل فاستجبنا له
ونجيناه واهله من الكرب العظيم ونصرناه من القوم الذين كذبوا باياتنا انهم كانوا قوم سوء فاغرقناهم اجمعين قوله ونوحا منصوب بذكر مقدرا. اي واذكر نوحا حين نادى من قبل اي من قبل ابراهيم ومن ذكر معه
ونداء نوح هذا المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه واهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين وقد اوضح الله هذا النداء بقوله وقال نوح الرب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا
انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا وقوله تعالى كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر. فدعا ربه اني مغلوب فانتصر ففتحنا ابواب السماء بماء منهمر. الاية
والمراد بالكرب العظيم في الاية الغرق بالطوفان الذي تتلاطم امواجه كانها الجبال العظام كما قال تعالى وهي تجري بهم في موج كالجبال وقال تعالى فانجيناه واصحاب السفينة. الاية الى غير ذلك من الايات
والكرب هو اقصى الغم والاخذ بالنفس وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة فنجيناه واهله يعني الا من سبق عليه القول من اهله بالهلاك مع الكفرة الهالكين كما قال تعالى قل نحمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك
الا من سبق عليه القول الاية ومن سبق عليه القول منهم ابنه المذكور في قوله وحال بينهما الموج فكان من المغرقين وامرأته المذكورة في قوله ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح
الى قوله وقيل ادخل النار مع الداخلين قوله تعالى وداوود وسليمان اذ يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا اتينا حكما وعلما قوله تعالى وداوود منصوب بذكر مقدرا
وقيل معطوف على قوله ونوحا اذ نادى من قبل اي واذكر نوحا اذ نادى من قبل وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث. الاية وقوله اذ بدل من داوود وسليمان بدل اشتمال
كما اوضحناه في سورة مريم وذكرنا بعض المناقشة فيه قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ان من انواع البيان التي تضمنها ان يقول بعض العلماء في الاية قولا ويكون في نفس الاية قرينة تدل على خلاف ذلك القول
وذكرنا في هذا الكتاب مسائل كثيرة من ذلك واذا علمت ذلك فاعلم ان جماعة من العلماء قالوا ان حكم داوود وسليمان في الحرث المذكورة في هذه الاية كان بوحي الا ان ما اوحي الى سليمان
كان ناسخا لما اوحي الى داوود وفي الاية قرينتان على ان حكمهما كان باجتهاد لا بوحي وان سليمان اصاب فاستحق الثناء باجتهاده واصابته وان داود لم يصب واستحق الثناء باجتهاده
ولم يستوجب لوما ولا ذما بعدم اصابته كما اثنى على سليمان بالاصابة في قوله ففهمناها سليمان واثنى عليهما في قوله وكلا اتينا حكما وعلما فدل قوله اذ يحكمان على انهما حكما فيه معا
كل منهما بحكم مخالف لحكم الاخر ولو كان وحيا لما ساغ الخلاف ثم قال ففهمناها سليمان ودل ذلك على انه لم يفهمها داوود ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفهما اياها كما ترى
فقوله اذ يحكمان مع قوله ففهمناها سليمان قرينة على ان الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد واصاب فيه سليمان دون داوود بتفهيم الله اياه ذلك والقرينة الثانية لان قوله تعالى ففهمناها الاية
يدل على انه فهمه اياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع لا انه انزل عليه فيها وحيا جديدا ناسخا لان قوله تعالى ففهمناها اليق بالاول من الثاني كما ترى
قال المؤلف رحمه الله مسائل تتعلق بهذه الاية الكريمة مسألة اعلم ان هذا الذي ذكرنا من ان القرينة تدل عليه في هذه الاية وهو انهما حكما فيها باجتهاد وان سليمان اصاب في اجتهاده
جاءت السنة الصحيحة بوقوع مثله منهما في غير هذه المسألة ودل ذلك على امكانه في هذه المسألة وقد دلت القرينة القرآنية على وقوعه قال البخاري في صحيحه باب اذا ادعت المرأة تبنى
حدثنا ابو اليمان اخبرنا شعيب حدثنا ابو الزناد عن الاعرج عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كانت امرأتان معهم ابناهما جاء الذئب فذهب بابن احداهما
فقالت لصاحبتها انما ذهب بابنك وقالت الاخرى انما ذهب بابنك فتحاكمتا الى داوود عليه السلام فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان ابن داوود عليهما السلام فاخبرتاه فقال ائتوني بالسكين اشقه بينهما
وقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقطع به للصغرى قال ابو هريرة والله ان سمعت بالسكين قط الا يومئذ. وما كنا نقول الا المدية انتهى من صحيح البخاري
وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه حدثني زهير بن حرب حدثني شبابه حدثني وارقاء عن ابي الزناد عن الاعرج عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن احداهما
وقالت هذه لصاحبتها انما ذهب بابنك انت وقالت الاخرى انما ذهب بابنك وتحاكمتا الى داوود فقضى به للكبرى وخرجتا على سليمان ابن داود عليهما السلام فاخبرتاه فقال ائتوني بالسكين اشقه بينكما
فقالت الصغرى لا يرحمك الله انتهى منه هذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على انهما قضيا معا بالاجتهاد في شأن الولد المذكور وان سليمان اصاب في ذلك اذ لو كان قضاء داوود بوحي لما جاز نقضه بحال
قضاء سليمان واضح انه ليس بوحي لانه اوهم المرأتين انه يشقه بالسكين ليعرف امه بالشفقة عليه ويعرف الكاذبة برضاها بشقه لتشاركها امه في المصيبة فعرف الحق بذلك وهذا شبيه جدا بما دلت عليه الاية حسب ما ذكرنا
وبينا دلالة القرينة القرآنية عليه ومما يشبه ذلك من قضائهما القصة التي اوردها الحافظ ابو القاسم ابن عساكر في ترجمة سليمان عليه السلام من تاريخه قال رحمه الله وذكر قصة مطولة
ملخصها ان امرأة حسناء في زمان بني اسرائيل راودها عن نفسها اربعة من رؤسائهم فامتنعت على كل منهم واتفقوا فيما بينهم عليها فشهدوا عند داوود عليه السلام انها مكنت من نفسها كلبا لها
قد عودته ذلك منها فامر برجمها فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان واجتمع معه ولدان مثله فانتصب حاكما وتزيى اربعة منهم بزي اولئك واخر بزي المرأة وشهدوا عليها بانها مكنت من نفسها كلبا
فقال سليمان فرقوا بينهم فسأل اولهم ما كان لون الكلب؟ فقال اسود فعزله واستدعى الاخر فسأله عن لونه فقال احمر وقال الاخر اغبش وقال الاخر ابيض فامر عند ذلك بقتلهم
فحكي ذلك لداوود عليه السلام واستدعى من فوره باولئك الاربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب فاختلفوا عليه. فامر بقتلهم انتهى بواسطة نقل ابن كثير في تفسير هذه الاية الكريمة
وكل هذا مما يدل على صحة ما فسرنا به الاية بدلالة القرينة القرآنية عليه وممن فسرها بذلك الحسن البصري رحمه الله كما ذكره البخاري وغيره عنه قال البخاري رحمه الله في صحيحه
باب متى يستوجب الرجل القضاء وقال الحسن اخذ الله على الحكام الا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس ولا يشتروا باياته ثمنا قليلا. الى ان قال وقرأ وداوود وسليمان اذ يحكمان في الحرث
اذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا اتينا حكما وعلما وحمد سليمان ولم يلم داوود ولولا ما ذكره الله من امر هذين لرأيت ان القضاة هلكوا
فانه اثنى على هذا بعلمه وعذر هذا باجتهاده انتهى محل الغرض منه وبه تعلم ان الحسن رحمه الله يرى ان معنى الاية كما ذكرنا ويزيد هذا ايضاحا ما قدمناه في صورة بني اسرائيل
من الحديث المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمرو بن العاص وابي هريرة رضي الله عنهما اذا حكم الحاكم فاجتهد ثم اصاب فله اجران واذا حكم فاجتهد ثم اخطأ
فله اجر كما قدمنا ايضاحة ايها المستمع الكريم سيكون حديثنا القادم ان شاء الله في مسألة اخرى عقدها المؤلف حول الاجتهاد والى ان نلتقي نستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
