يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ولسليمان الريح عاصفة تجري بامره الى الارض التي باركنا فيها
وكنا بكل شيء عالمين قوله ولسليمان الريح معطوف على معمول سخرنا في قوله وسخرنا مع داوود الجبال ايوة سخرنا لسليمان الريح في حال كونها عاصفة اي شديدة الهبوب يقال عصفت الريح اي اشتدت
فهي ريح عاصف وعصوف وفي لغة بني اسد اعصفت فهي معصف ومعصفة وقد قدمنا بعض شواهده العربية في سورة الاسراء وقوله تجري بامره اي تطيعه وتجري الى المحل الذي يأمرها به
وما ذكره في هذه الاية من تسخير الريح لسليمان وانها تجري بامره بينه في غير هذا الموضع وزاد بيان قدر سرعتها وذلك في قوله ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر
وقوله فسخرنا له الريح تجري بامره رخاء حيث اصاب قال المؤلف اجزل الله مثوبته تنبيه اعلم ان في هذه الايات التي ذكرنا سؤالين معروفين الاول ان يقال ان الله وصف الريح المذكورة هنا
في سورة الانبياء بانها عاصفة اي شديدة الهبوب ووصفها في سورة صاد بانها تجري بامره رخاء والعاصفة غير التي تجري رخاء والسؤال الثاني هو انه هنا في سورة الانبياء خص جريها بكونه الى الارض التي بارك فيها للعالمين
وفي سورة صاد قال تجري بامره رخاء حيث اصاب وقوله حيث اصاب يدل على التعميم في الامكنة التي يريد الذهاب اليها على الريح وقوله حيث اصاب اي حيث اراد قاله مجاهد
وقال ابن الاعرابي العرب تقول اصاب الصواب واخطأ الجواب اي اراد الصواب واخطأ الجواب ومنه قول الشاعر اصاب الكلام فلم يستطع فاخطر الجواب لدى المفصلي قاله القرطبي وعن رؤبة ان رجلين من اهل اللغة قصداه
ليسألاه عن معنى اصاب فخرج اليهما فقال اين تصيبان فقال هذه طلبتنا ورجعا اما الجواب عن السؤال الاول فمن وجهين الاول انها عاصفة في بعض الاوقات ولينة رخاء في بعضها
بحسب الحاجة كأن تعصف ويشتد هبوبها في اول الامر حتى ترفع البساط الذي عليه سليمان وجنوده فاذا ارتفع سارت به رخاء حيث اصاب الجواب الثاني هو ما ذكره الزمخشري قال فان قلت وصفت هذه الريح
بالعصف تارة وبالرخاء اخرى فما التوفيق بينهما قلت كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم واذا مرت بكرسيه ابعدت به في مدة يسيرة على ما قال غدوها شهر ورواحها شهر وكان جمعها بين الامرين
ان تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم انتهى محل الغرض منه واما الجواب عن السؤال الثاني وهو ان قوله حيث اصاب
يدل على انها تجري بامره حيث اراد من اقطار الارض وقوله تجري بامره الى الارض التي باركنا فيها للعالمين لان مسكنه فيها وهي الشام فترده الى الشام وعليه فقوله حيث اصاب
في حالة الذهاب وقوله الى الارض التي باركنا فيها في حالة الاياب الى محل السكنى انفكت الجهة فزال الاشكال وقد قال نابغة ذبيان الا سليمان اذ قال الاله له قم في البرية فاحددها عن الفندق
وخيس الجن اني قد اذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد وتدمر بلد بالشام وذلك مما يدل على ان الشام هو محل سكناه كما هو معروف قوله تعالى ومن الشياطين من يغوصون له
ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين الاظهر في قوله من يغوصون انه في محل نصب عطفا على معمول سخرنا ايوه سخرنا له من يغوصون له من الشياطين وقيل من مبتدأ
والجار والمجرور قبله خبره وقد ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة انه سخر لسليمان من يغوصون له من الشياطين اي يغوصون له في البحار ويستخرجون له منها الجواهر النفيسة
اللؤلؤ والمرجان والغوص النزول تحت الماء والغواص الذي يغوص البحر ليستخرج منه اللؤلؤ ونحوه ومنه قول نابغة ذبيان او درة صدفية غواصها باهج متى يراها يهل ويسجد وقد ذكر جل وعلا
في هذه الاية الكريمة ايضا ان الشياطين المسخرين له يعملون عملا دون ذلك اي سوى ذلك الغوص المذكور اي كبناء المدائن والقصور وعمل المحاريب والتماثيل والجفان والقدور الراسيات وغير ذلك من اختراع الصنائع العجيبة
وقوله في هذه الاية الكريمة وكنا لهم حافظين اي من ان يزيغوا عن امره او يبدلوا او يغيروا او يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه وهذه المسائل الثلاث التي تضمنتها هذه الاية الكريمة
جاءت مبينة في غير هذا الموضع كقوله في الغوص والعمل سواء والشياطين كل بناء وغواص الاية وقوله في العمل غير الغوص ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه وقوله
يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وكقوله في حفظهم من ان يزيغوا عن امره وميزغ منهم عن امرنا نذقه من عذاب السعير وقوله واخرين مقرنين في الاصفاد
وصفة البساط وصفة حمل الريح له وصفة جنود سليمان من الجن والانس والطير كل ذلك مذكور بكثرة في كتب التفسير ونحن لم نطل به الكلام في هذا الكتاب المبارك ايها المستمع الكريم
حسبنا في هذا اللقاء ما مضى ولنا ان شاء الله لقاء اخر يعقبه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
