يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته قوله تعالى وايوب اذ نادى ربه اني مسني الضر وانت ارحم الراحمين
فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر واتيناه اهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين الظاهر ان قوله وايوب منصوب بذكر مقدرا ويدل على ذلك قوله تعالى في صاد
واذكر عبدنا ايوب اذ نادى ربه اني مسني الشيطان بنصب وعذاب وقد امر جل وعلا في هاتين الايتين الكريمتين نبيه صلى الله عليه وسلم ان يذكر ايوب حين نادى ربه قائلا
اني مسني الضر وانت ارحم الراحمين وان ربه استجاب له وكشف عنه جميع ما به من الضر وانه اتاه اهله واتاه مثلهم معهم رحمة منه جل وعلا به وتذكيرا للعابدين
اي الذين يعبدون الله لانهم هم المنتفعون بالذكرى وهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره ايضا في سورة صاد في قوله واذكر عبدنا ايوب اذ نادى ربه اني مسني الشيطان بنصب وعذاب
الى قوله لاولي الالباب والضر الذي مس ايوب ونادى ربه ليكشفه عنه كان بلاء اصابه في بدنه واهله وماله ولما اراد الله اذهاب الضر عنه امره ان يركض برجله ففعل
فنبعت له عين ماء فاغتسل منها فجعل كل ما بظاهر بدنه من الضر وشرب منها وجعل كل ما بباطنه كما اشار تعالى الى ذلك في قوله اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب
وما ذكره في الانبياء من انه اتاه اهله ومثلهم معهم رحمة منه وذكرى لمن يعبده بينه في صاد في قوله واتيناه اهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولي الالباب وقوله في الانبياء
وذكرى للعابدين مع قوله في صاد وذكرى لاولي الالباب فيه الدلالة الواضحة على ان اصحاب العقول السليمة من الشوائب هم الذين يعبدون الله وحده ويطيعونه وهذا يؤيد قول من قال من اهل العلم
ان من اوصى بشيء من ما له لا عقل الناس ان تلك الوصية تصرف لاتقى الناس واشدهم طاعة لله تعالى لانهم هم اولوا الالباب اي العقول الصحيحة السالمة من الاختلال
ثم قال رحمه الله تنبيه في هذه الايات المذكورة سؤال معروف وهو ان يقال ان قول ايوب المذكور في الانبياء في قوله اذ نادى ربه اني مسني الضر وفي صاد
في قوله اذ نادى ربه اني مسني الشيطان بنصب وعذاب يدل على انه ضجر من المرض فشكى منه مع ان قوله تعالى عنه انا وجدناه صابرا نعم العبد انه اواب
يدل على كمال صبره والجواب ان ما صدر من ايوب دعاء واظهار فقر وحاجة الى ربه لا شكوى ولا جزع قال ابو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الاية الكريمة
ولم يكن قولهم مسني الضر جزعا لان الله تعالى قال انا وجدناه صابرا بل كان ذلك دعاء منه والجزع في الشكوى الى الخلق لا الى الله تعالى والدعاء لا ينافي الرضا
قال الثعلبي سمعت استاذنا ابا القاسم بن حبيب يقول حضرت مجلسا خاصا بالفقهاء والادباء في دار السلطان فسألت عن هذه الاية الكريمة بعد اجتماعهم على ان قول ايوب كان شكاية
وقد قال الله تعالى انا وجدناه صابرا فقلت ليس هذا شكاية وانما كان دعاء بيانه فاستجبنا له والاجابة تعقب الدعاء لا الاشتكاء استحسنوه وارتضوه وسئل الجنيد عن هذه الاية الكريمة
فقال عرفه فاقت السؤال ليمن عليه بكرم النوال انتهى منه ودعاء ايوب المذكور ذكره الله في سورة الانبياء من غير ان يسند مس الضر ايوب الى الشيطان في قوله اني مسني الضر وانت ارحم الراحمين
وذكره في سورة صاد واسند ذلك الى الشيطان في قوله اني مسني الشيطان بنصب وعذاب والنصب على جميع القراءات معناه التعب والمشقة والعذاب الالم وفي نسبة ما اصابه من المشقة والالم الى الشيطان
في اية صاد هذه اشكال قوي معروف لان الله ذكر في ايات من كتابه ان الشيطان ليس له سلطان على مثل ايوب من الانبياء الكرام لقوله انه ليس له سلطان على الذين امنوا
وعلى ربهم يتوكلون انما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وقوله وما كان له عليهم من سلطان الاية وقوله تعالى عنه مقررا له وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي
وقوله تعالى ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاويين وللعلماء عن هذا الاشكال اجوبة منها ما ذكره الزمخشري قال فان قلت لما نسبه الى الشيطان ولا يجوز ان يسلطه على انبيائه
ليقضي من اتعابهم وتعذيبهم وطرة ولو قدر على ذلك لم يدع صالحا الا وقد نكبه واهلكه وقد تكرر في القرآن انه لا سلطان له الا الوسوسة فحسب قلت لما كانت وسوسته اليه
وطاعته له فيما وسوس سببا فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبه اليه وقد راعى الادب في ذلك حيث لم ينسبه الى الله في دعائه مع انه فاعله ولا يقدر عليه الا هو
وقيل اراد ما كان يوسوس به اليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء ويغريه على الكراهة والجزع فالتجأ الى الله تعالى في ان يكفيه ذلك بكشف البلاء
او بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل وروي انه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين ارتد احدهم فسأل عنه فقيل القى اليه الشيطان ان الله لا يبتلي الانبياء الصالحين وذكر في سبب بلائه
ان رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه وقيل كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه وقيل اعجب بكثرة ما له انتهى منه ومنها ما ذكره جماعة من المفسرين
ان الله سلط الشيطان على ماله واهله ابتلاء لايوب فاهلك الشيطان ما له وولده ثم سلطه على بدنه ابتلاء له فنفخ في جسده نفخة اشتعل منها وصار في جسده ثأليل
فحكها باظافره حتى دميت ثم بالفخار حتى تساقط لحمه وعصم الله قلبه ولسانه قال المؤلف رحمه الله وغالب ذلك من الاسرائيليات وتسليطه للابتلاء على جسده وماله واهله ممكن وهو اقرب من تسليطه عليه
بحمله على ان يفعل ما لا ينبغي كمداهنة الملك المذكور وعدم اغاثة الملهوف الى غير ذلك من الاشياء التي يذكرها المفسرون وقد ذكروا هنا قصة طويلة تتضمن البلاء الذي وقع فيه وقدر مدته
وكل ذلك من الاسرائيليات وقد ذكرنا هنا قليلا وغاية ما دل عليه القرآن ان الله ابتلى نبيه ايوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وانه نادى فاستجاب له وكشف عنه كل ضر
ووهبه اهله ومثلهم معهم وان ايوب نسب ذلك في صاد الى الشيطان ويمكن ان يكون سلطه الله على جسده وماله واهله ابتلاء ليظهر صبره الجميل وتكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والاخرة
ويرجع له كل ما اصيب فيه والعلم عند الله تعالى وهذا لا ينافي ان الشيطان لا سلطان له على مثل ايوب لان التسليط على الاهل والمال والجسد من جنس الاسباب التي تنشأ عنها الاعراض البشرية
المرض وذلك يقع للانبياء فانهم يصيبهم المرض وموت الاهل وهلاك المال لاسباب متنوعة ولا مانع من ان يكون من جملة تلك الاسباب تسليط الشيطان على ذلك الابتلاء وقد اوضحنا جواز وقوع الامراض والتأثيرات البشرية على الانبياء
في سورة طه قول الله لنبيه ايوب في سورة صاد. وخذ بيدك ضعفا فاضرب به ولا تحنث. الاية قال المفسرون فيه انه حلف في مرضه ليضربن زوجه مائة سوط فامره الله ان يأخذ ضغفا
فيضربها به ليخرج من يمينه والضغط الحزمة الصغيرة من حشيش او ريحان او نحو ذلك والمعنى انه يأخذ حزمة فيها مئة عود فيضربها بها ضربة واحدة فيخرج بذلك من يمينه
وقد قدمنا في سورة الكهف الاستدلال باية ولا تحنث على ان الاستثناء المتأخر لا يفيد اذ لو كان يفيد لقال الله لايوب قل ان شاء الله ليكون ذلك استثناء في يمينك
ايها المستمع الكريم نستودعكم الله ولنا ان شاء الله لقاء اخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
