يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة وما يليها نمضي مع المؤلف رحمه الله
في تفسير سورة الحج قال اجزل الله مثوبته قوله تعالى يا ايها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت. وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى
ولكن عذاب الله شديد امر جل وعلا في اول هذه السورة الكريمة الناس بتقواه جل وعلا بامتثال امره واجتناب نهيه وبين لهم ان زلزلة الساعة شيء عظيم تذهل بسببه المراضع عن اولادها
وتضع بسببه الحوامل احمالها من شدة الهول والفزع وان الناس يرون فيه كأنهم سكارى من شدة الخوف ومعهم بسكارى من شرب الخمر ولكن عذابه شديد وما ذكره تعالى هنا من الامر بالتقوى
ذكره في مواضع كثيرة جدا من كتابه لقوله في اول سورة النساء يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة الى قوله واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام الاية
والايات بمثل ذلك كثيرة جدا وما بينه هنا من شدة اهوال الساعة وعظم زلزلتها بينه في غير هذا الموضع لقوله تعالى اذا زلزلت الارض زلزالها واخرجت الارض اثقالها. وقال الانسان ما لها
يومئذ تحدث اخبارها وقوله تعالى وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة وقوله تعالى اذا رجت الارض رجا وبست الجبال بسا وقوله تعالى يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة. قلوب يومئذ واجفة. ابصارها خاشعة. يقولون ائنا لمردودون في الحافرة
وقوله تعالى ثقلت في السماوات والارض لا تأتيكم الا بغتة الى غير ذلك من الايات الدالة على عظم هول الساعة وقوله في هذه الاية الكريمة اتقوا ربكم قد اوضحنا فيما مضى معنى التقوى بشواهده العربية
فاغنى ذلك عن اعادته هنا والزلزلة شدة التحريك والازعاج ومضاعفة زليل الشيء عن مقره ومركزه اي تكرير انحرافه وتزحزحه عن موضعه لان الارض اذا حركت حركة شديدة تزلزل كل شيء عليها زلزلة قوية
وقوله يوم ترونها منصوب بتذهل والضمير عائد الى الزلزلة والرؤية بصرية لانهم يرون زلزلة الاشياء بابصارهم وهذا هو الظاهر وقيل انها من رأى العلمية وقوله تذهل كل مرضعة اي بسبب تلك الزلزلة
والذهول الذهاب عن الامر مع دهشة ومنه قول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله وقال قطرب ذهل عن الامر اشتغل عنه
وقيل ذهل عن الامر غفل عنه لطرو شاغل من هم او مرض او نحو ذلك والمعنى واحد وبقية الاقوال راجعة الى ما ذكرنا وقوله كل مرضعة اي كل انثى ترضع ولدها
ووجه قوله مرضعة ولم يقل مرضع هو ما تقرر في علم العربية من ان الاوصاف المختصة بالاناث ان اريد بها الفعل لحقها التاء وان اريد بها النسب جردت من التاء
فان قلت هي مرضع تريد انها ذات رضاع جردته من التاء كقول امرئ القيس فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا فالهيتها عن ذي تمائم مغجلي وان قلت هي مرضعة بمعنى انها تفعل الرضاع اي تلقم الولد الثدي
قلت هي مرضعة بالتاء ومنه قوله كمرضعة اولاد اخرى وضيعت بني بطنها هذا الضلال عن القصد كما اشار له بقوله وما من الصفات بالانثى يخص عن تاء استغنى لان اللفظ نص
وحيث معنى الفعل يعني التاء زد غدت مرضعة طفلا ولد وما زعمه بعض النحاة الكوفيين من ان ام الصبي مرضعة بالتاء والمستأجرة للارضاع مرضع بلا هاء باطل قاله ابو حيان في البحر
واستدل عليه بقوله كمرضعة اولاد اخرى البيت وقد اثبت التاء لغير الام وقول الكوفيين ايضا ان الوصف المختص بالانثى لا يحتاج فيه الى التاء لان المراد منها الفرق بين الذكر والانثى
والوصف المختص بالانثى لا يحتاج الى فرق لعدم مشاركة الذكر لها فيه مردود ايضا قاله ابو حيان في البحر ايضا مستدلا بقول العرب مرضعة وحائضة وطالقة قال المؤلف رحمه الله والاظهر في ذلك هو ما قدمنا
من انه ان اريد الفعل جيء بالتاء وان اريد النسبة جرفد من التاء ومن مجيء التائل المعنى المذكور قول الاعشاء اجارتنا بيني فانك طالقة فذاك امور الناس غاد وطارقه قال الزمخشري في تفسير هذه الاية الكريمة
فان قلت لما قيل مرضعة دون مرضع قلت المرضعة التي هي في حال الارضاع ملقمة ثديها الصبي والمرضع التي شأنها ان ترضع وان لم تباشر الارضاع في حال وصفها به
فقيل مرضعة ليدل على ان ذلك الهول اذا فوجئت به هذه وقد القمت الرضيعة ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة وقوله تعالى عما ارضعت الظاهر ان ما موصولة
والعائد محذوف اي اربعته على حد قوله في الخلاصة والحذف عندهم كثير منجلي في عائد متصل ان انتصب بفعل او وصف كمن نرجو يهب وقال بعض العلماء هي مصدرية اي تذهل كل مرضعة عن ارضاعها
قال ابو حيان في البحر ويقوي كونها موصولة تعدي وضع الى المفعول به في قوله حملها لا الى المصدر وقوله وتضع كل ذات حمل حملها اي كل صاحبة حمل تضع جنينها
من شدة الفزع والهول والحمل بالفتح ما كان في بطن من جنين او على رأس شجرة من ثمر وترى الناس سكارى جمع سكران ان يشبههم من رآهم بالسكارى من شدة الفزع وما هم بسكارى من الشراب
ولكن عذاب الله شديد والخوف منه هو الذي سير من رآهم يشبههم بالسكارى لذهاب عقولهم من شدة الخوف كما يذهب عقل السكران من الشراب وقرأ حمزة والكسائي وترى الناس سكرى وما هم بسكرى
بفتح السين وسكون الكاف في الحرفين على وزن فعلة بفتح فسكون وقرأه الباقون سكارى بضم السين وفتح الكاف بعدها الف في الحرفين ايضا وكلاهما جمع سكران على التحقيق وقيل ان سكرى بفتح فسكون جمع سكر
بفتح فكسر بمعنى السكران كما يجمع الزمن على الزمن قاله ابو علي الفارسي كما نقله عنه ابو حيانة في البحر وقيل ان سكرى مفرد وهو غير صواب واستدلال المعتزلة بهذه الاية الكريمة
على ان المعدوم يسمى شيئا لانه وصف زلزلة الساعة بانها شيء في حال عدمها قبل وجودها قال المؤلف رحمه الله قد بينا وجه رده في سورة مريم فاغنى عن اعادته هنا
وبهذا التنبيه منه رحمه الله نأتي على نهاية لقائنا ولنا ان شاء الله لقاء اخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
