يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته قوله تعالى ام يقولون به جنة بل جاءهم بالحق واكثرهم للحق كارهون
ام المذكورة في هذه الاية هي المعروفة عند النحويين بام المنقطعة وضابطها الا تتقدم عليها همزة تسوية نحو سواء عليهم اانذرتهم ام لم تنذرهم او همزة مغنية عن لفظة اي
كقولك ازيد عندك ام عمرو؟ اي ايهما عندك؟ المسبوقة باحدى الهمزتين المذكورتين هي المعروفة عندهم بامن متصلة والتي لم تسبق بواحدة منهما هي المعروفة بالمنقطعة كما هنا وامل منقطعة تأتي لثلاثة معان
الاول ان تكون بمعنى بل الاضرابية الثاني ان تكون بمعنى همزة استفهام الانكار الثالث ان تكون بمعناهما معا وتكون جامعة بين الاضراب والانكار وهذا الاخير هو الاكثر في معناها خلافا لابن مالك
الخلاصة في اختصاره على انها بمعنى بل في قوله وبانقطاع وبمعنى بل وفت ان تك مما قيدت به خلت ومراده بخلوها مما قيدت به الا تسبقها احدى الهمزتين المذكورتين فان سبقتها احداهما فهي المتصلة
كما تقدم قريبا وعلى ما ذكرنا فيكون المعنى متضمنا للاضراب عما قبله اضرابا انتقالية مع معنى استفهام الانكار تتضمن الاية الانكار على الكفار في دعواهم ان نبينا صلى الله عليه وسلم به جنة
اي جنون يعنون ان هذا الحق الذي جاءهم به هذيان مجنون قبحهم الله ما اجحدهم للحق وما اكثرهم ودعواهم عليه هذه انه مجنون كذبها الله هنا بقوله بل جاءهم بالحق
والاضراب ببلد ابطالي والمعنى ليس بمجنون بل هو رسول كريم جاءكم بالحق الواضح المؤيد بالمعجزات الذي يعرف كل عاقل انه حق ولكن عاندتم وكفرتم لشدة كراهيتكم للحق وما نفته هذه الاية الكريمة
من دعواهم عليه الجنون صرح الله بنفيه في مواضع اخر كقوله تعالى وما صاحبكم بمجنون وقوله تعالى ما انت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون وهذا الجنون الذي افتري على اخر الانبياء
افتري ايضا على اولهم كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة عن قوم نوح انهم قالوا فيه ان هو الا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين وقد بين في موضع اخر
ان الله لم يرسل رسولا الا قال قومه انه ساحر او مجنون كانهم اجتمعوا فتواصوا على ذلك لتواطؤ اقوالهم لرسلهم عليه وذلك في قوله تعالى كذلك ما اتى الذين من قبلهم من رسول
الا قالوا ساحر او مجنون فتواصوا به بل هم قوم طاغون تبين ان سبب تواطؤهم على ذلك ليس التواصي به لاختلاف ازمنتهم وامكنتهم ولكن الذي جمعهم على ذلك هو مشابهة بعضهم لبعض في الطغيان
وقد اوضح هذا المعنى في سورة البقرة في قوله كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم وهذه الايات تدل على ان سبب تشابه مقالاتهم لرسلهم هو تشابه قلوبهم في الكفر
والطغيان وكراهية الحق وقوله واكثرهم للحق كارهون ذكر نحو معناه في قوله تعالى لقد جئناكم بالحق ولكن اكثركم للحق كارهون وقوله تعالى واذا تتلى عليهم اياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر
الاية وذلك المنكر الذي تعرفه في وجوههم انما هو لشدة كراهيتهم للحق ومن الايات الموضحة لكراهيتهم للحق انهم يمتنعون من سماعه ويستعملون الوسائل التي تمنعهم من ان يسمعوه كما قال تعالى في قصة اول الرسل
الذين ارسلهم بتوحيده والنهي عن الاشراك به وهو نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام واني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا اصابعهم في اذانهم واستغشوا ثيابهم واصروا واستكبروا استكبارا وانما جعلوا اصابعهم في اذانهم
واستغشوا ثيابهم خوف ان يسمعوا ما يقوله لهم نبيهم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. من الحق والدعوة اليه وقال تعالى في امة اخر الانبياء صلى الله عليه وسلم وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه
الاية فترى بعضهم ينهى بعضا عن سماعه ويأمرهم باللغو فيه كالصياح والتصفيق المانع من السماع لكراهتهم للحق ومحاولتهم ان يغلبوا الحق بالباطل وفي هذه الاية الكريمة سؤال معروف وهو ان يقال
قوله واكثرهم للحق كارهون يفهم من مفهوم مخالفته ان قليلا من الكفار ليسوا كارهين للحق وهذا السؤال وارد ايضا على اية الزخرف التي ذكرنا انفا وهي قوله تعالى ولكن اكثركم للحق كارهون
والجواب عن هذا السؤال وما اجاب به بعض اهل العلم بان قليلا من الكفار كانوا لا يكرهون الحق وسبب امتناعهم عن الايمان بالله ورسوله ليس هو كراهيتهم للحق ولكن سببه الانفة
والاستنكاف من توبيخ قومهم وان يقولوا صبأوا وفارقوا دين ابائهم ومن امثلة من وقع له هذا ابو طالب فانه لا يكره الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم
وقد كان يشد عضده في تبليغ رسالته كما قدمنا في شعره في قوله اصدع بامرك ما عليك غضاضة الابيات وقال فيها ولقد علمت بان دين محمد من خير اديان البرية دينا
وقال فيه صلى الله عليه وسلم لقد علموا ان ابننا لا مكذب لدينا ولا يعني بقول الاباطل وقد بين ابو طالب في شعره ان السبب المانع له من اعتناق الاسلام
ليس كراهية الحق ولكنه الانفة والخوف من ملامة قومه او سبهم له كما في قوله لولا الملامة او حذار مسبة لوجدتني سمعا بذاك يقينا ايها المستمع الكريم بهذا نأتي الى نهاية لقائنا
بامل ان يجمعنا بكم لقاء اخر ان شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
