يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى واذا القوا منها مكانا ضيقا مقرنين
دعوا هنالك ذبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ذبورا كثيرا ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان اهل النار اذا القوا اي طرحوا في مكان ضيق من النار
في حال كونهم مقرنين دعوا هنالك اي بذلك المكان الضيق ثبورا يقال لهم لا تدعوا ذبورا واحدة. وادعوا ذبورا كثيرا وقوله مكان منصوب على الظرف كما قال ابو حيان في البحر المحيط
وما ذكره هنا من انهم يلقون في مكان ضيق من النار جاء مذكورا ايضا في غير هذا الموضع قوله تعالى انها عليهم مؤصدة في عمد ممددة وقوله تعالى والذين كفروا باياتنا
هم اصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة ومعنا مؤصدة في الموضعين بهمز وبغير همز مطبقة ابوابها مغلقة عليهم كما اوضحناه بشواهده العربية في سورة الكهف الكلام على قوله تعالى وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد
ومن كان في مكان مطبق مغلق عليه فهو في مكان ضيق والعياذ بالله قد ذكر ان الواحد منهم يجعل في محله من النار بشدة كما يدق الوتد في الحائط وعن ابن مسعود ان جهنم تضيق على الكافر
كتضييق الزج على الرمح والزج بالضم الحديدة التي في اسفل الرمح وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة مقرنين اي في الاصفاد بدليل قوله تعالى في سورة إبراهيم وترى المجرمين يومئذ مقرنين بالاصفاد
والاصفاد القيود والاظهر ان معنا مقرنين ان الكفار يقرن بعضهم الى بعض بالاصفاد والسلاسل وقال بعض اهل العلم كل كافر يقرن هو وشيطانه قد قال تعالى حتى اذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين
فبئس القرين وهذا اظهر من قول من قال مقرنين مكثفين ومن قول من قال مقرنين اي قرنت ايديهم الى اعناقهم في الاغلال والثبور الهلاك والويل والخسران قال ابن كثير والاظهر ان الثبور يجمع الخسارة والهلاك والويل والدمار
كما قال موسى لفرعون واني لاظنك يا فرعون مثبورا  قال عبدالله بن الزبعرة السهمي اذ جاري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور انتهى قال الجوهري في صحاحه والثبور الهلاك والخسران ايضا
وعلى الكويت ورأت قضاعة في الايام رأي مثبور وثابر اي مغسول وخاسر يعني في انتسابها لليمن انتهى منه وقوله تعالى دعوا هنالك ثبورا معنى دعائهم الثبور هو قولهم واثبوراه يعنون يا ويل ويا هلاك تعال
فهذا حينك وزمانك قال الزمخشري ومعنى وادعوا ثبورا كثيرا انكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا انما هو ثبور كثير اما لان العذاب انواع والوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته
او لانهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم انتهى قال المؤلف رحمه الله تنبيه اعلم انه تعالى في هذه الاية الكريمة هذا مكانا ضيقا وكذلك في الانعام في قوله تعالى
اجعل صدره ضيقا حرجا  وضائق به صدرك فما وجه التعبير في سورة هود بقوله ضائق على وزن فاعل وفي الفرقان والانعام بقوله ضيقا على وزن فيعل مع انه في المواضع الثلاثة هو الوصف من ضاق يضيق فهو ضيق
والجواب عن هذا هو انه تقرر في فن الصرف ان جميع اوزان الصفة المشبهة باسم الفاعل ان قصد بها الحدود والتجدد جاءت على وزن فاعل مطلقا كما اشار له ابن مالك في لاميته
بقوله وفاعلا صالح للكل ان قصد الحدوث نحو غدا ذا فارحا جديدا وان لم يقصد به الحدود والتجدد بقي على اصله واذا علمت ذلك فاعلم ان قوله تعالى في سورة هود
فلعلك تارك بعض ما يوحى اليك وضائق به صدرك اريد به انه يحدث له ضيق الصدر ويتجدد له بسبب عنادهم وتعنتهم في قولهم لولا انزل عليه كنز او جاء معه ملك
ولما كان كذلك قيل فيه ضائق بصيغة اسم الفاعل اما قوله ضيقا الفرقان والانعام فلم يرد به حدود ولذلك بقي على اصله ومن امثلة اتيان الفيعل على فاعل ان قصد به الحدوث
قوله تعالى وضائق به صدرك وقول قيس بن الخطيب الانصاري ابلغ خداعشا انني ميت كل امرئ ذي حسب ماء فلما اراد حدوث الموت قال ماءت بوزن فاعل واصله ميت على وزن فيعل
ومن امثلته في فاعلة بفتح فكسر قول ابي عمرو اشجع ابن عمرو السلمي يرثى قتيبة ابن مسلم فما انا من رزق وان جل جازع ولا بسرور بعد موتك فارح فلما نفى ان يحدث له في المستقبل فرح ولا جزع
قال جازع وفارح والاصل جزع وفرح ومثاله في فعيل قول لبيد حسبت التقى والجود خير تجارة رباحا اذا المرء اصبح ثاقلا لما اراد حدوث الثقل قال ثاقلا. والاصل ثقيل وقول السمهري العكلي
بمنزلة اما اللئيم فسامن بها وكرام الناس بادي شحوبها فلما اراد حدوث السمن قال فسامن والاصل سمين واعلم ان قراءة ابن كثير ضيقة بسكون الياء في الموضعين راجعة في المعنى الى قراءة الجمهور
بتشديد الياء لان اسكان الياء تخفيف كهين ولين في هين ولين والعلم عند الله تعالى ايها المستمع الكريم حسبنا في هذا اللقاء ما مضى لتصرم وقت لقائنا حتى نلقاكم نستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
