يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى تبارك الذي جعل في السماء بروجا
وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا قد قدمنا كلام اهل العلم في معنى تبارك في اول هذه السورة الكريمة والبروج في اللغة القصور العالية ومنه قوله تعالى ولو كنتم في بروج مشيدة
واختلف العلماء في المراد بالبروج في الاية وقال بعضهم هي الكواكب العظام قال ابن كثير وهو قول مجاهد وسعيد ابن جبير وابي صالح والحسن وقتادة ثم قال وقيل هي قصور في السماء للحرس
ويروى هذا عن علي وابن عباس ومحمد بن كعب وابراهيم النخاعي وسليمان ابن مهران الاعمش وهو رواية عن ابي صالح ايضا والقول الاول اظهر اللهم الا ان تكون الكواكب العظام
هي قصور الحرس فيجتمع القولان كما قال تعالى ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير وقال الزمخشري في الكشاف البروج منازل الكواكب السبعة السيارة الحمل والثور
والجوزاء السرطان والاسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت سميت البروج التي هي القصور العالية لانها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها واشتقاق البرج من التبرج لظهوره انتهى منه وما ذكره جل وعلا هنا
من انه جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وهو الشمس وقمرا منيرا بينه في غير هذا الموضع لقوله تعالى ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وقوله تعالى والسماء ذات البروج
وقوله تعالى وجعلنا سراجا وهاجا وقوله تعالى الم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا. وجعل الشمس سراجا وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي
وجعل فيها سراجا بكسر السين وفتح الراء بعدها الف على الافراد وقرأه حمزة والكسائي سرجا بضم السين والراء جمع سراج على قراءة الجمهور بافراد السراج المراد به الشمس بدليل قوله تعالى
وجعل الشمس سراجا وعلى قراءة حمزة والكسائي بالجمع المراد بالسرج الشمس والكواكب العظام وقد قدمنا في سورة الحجر ان ظاهر القرآن ان القمر في السماء المبنية لا السماء التي هي مطلق ما علاك
لان الله بين في سورة الحجر ان السماء التي جعل فيها البروج هي المحفوظة والمحفوظة هي المبنية في قوله تعالى والسماء بنيناها بايد وانا لموسعون وقوله وبنينا فوقكم سبعا شدادا
وليست مطلقة ما علاك والبيان المذكور في سورة الحجر في قوله تعالى ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها الاية فاية الحجر هذه دالة على ان ذات البروج هي المبنية المحفوظة
لا مطلق ما علاك واذا علمت ذلك فاعلم انه جل وعلا في اية الفرقان هذه بين ان القمر في السماء التي جعل فيها البروج لانه قال هنا تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا
وذلك دليل على انها ليست مطلقة ما علاك وهذا الظاهر لا ينبغي للمسلم العدول عنه الا بدليل يجب الرجوع اليه مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فان قيل يوجد في كلام بعض السلف
ان القمر في فضاء بعيد من السماء وان علم الهيئة دل على ذلك وان الارصاد الحديثة بينت ذلك قلنا ترك النظر في علم الهيئة عمل بهدي القرآن العظيم لان الصحابة رضي الله عنهم
لما تاقت نفوسهم الى تعلم هيئة القمر منه صلى الله عليه وسلم وقالوا له يا نبي الله ما بال الهلال يبدو دقيقة؟ ثم لم يزل يكبر حتى يستدير بدرا نزل القرآن بالجواب
بما فيه فائدة للبشر وترك ما لا فائدة فيه وذلك في قوله تعالى يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج والذي ارشد الله اليه في كتابه هو النظر في غرائب صنعه وعجائبه
في السماوات والارض ليستدل بذلك على كمال قدرته تعالى واستحقاقه للعبادة وحده وهذا المقصد الاساسي لم يحصل للناظرين في الهيئة من الكفار وعلى كل حال فلا يجوز لاحد ترك ظاهر القرآن العظيم
الا لدليل مقنع يجب الرجوع اليه كما هو معلوم في محله قال رحمه الله فان قيل الايات التي استدللت بها على ان القمر في السماء المحفوظة فيها احتمال على اسلوب عربي معروف
يقتضي عدم دلالتها على ما ذكرت وهو عود الضمير الى اللفظ وحده دون المعنى وايضاح ان يقال في قوله جعل في السماء بروجا هي السماء المحفوظة ولكن الضمير في قوله وجعل فيها
سراجا وقمرا منيرا راجع الى مطلق لفظ السماء الصادق بمطلق ما علاك في اللغة وهذا اسلوب عربي معروف وهو المعبر عنه عند علماء العربية بمسألة عندي درهم ونصفه اي نصف درهم اخر
ومنه قوله تعالى وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره الا في كتاب اي ولا ينقص من عمر معمر اخر قلنا نعم هذا محتمل ولكنه لم يقم عليه عندنا دليل
يجب الرجوع اليه والعدول عن ظاهر القرآن العظيم لا يجوز الا لدليل يجب الرجوع اليه مظاهر القرآن اولى بالاتباع والتصديق من غيره والعلم عند الله تعالى بهذا ايها المستمع الكريم
نأتي على نهاية لقائنا وعسى ان نجتمع في لقاءات اخرى وانتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
