يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته في هذه الحلقة نمضي مع المؤلف في حديثه رحمه الله
عن قول الله تعالى والشعراء يتبعهم الغاوون الاية قال اجزل الله مثوبته مسألتان تتعلقان بهذه الاية الكريمة المسألة الاولى اعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه انه قال
لان يمتلئ جوف رجل قيحا يريه خير له من ان يمتلئ شعرا رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث ابي هريرة رضي الله عنه وقوله في الحديث يريه بفتح المثناة التحتية
وكسر الراء بعدها ياء مضارع ورى القيح جوفه يريه  اذا اكله وافسده والاظهر ان اصل وراه اصاب رئته بالافساد واعلم ان التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه ان الشعر كلام
حسن وحسن وقبيحه قبيح ومن الادلة القرآنية على ذلك انه تعالى لما ذم الشعراء بقوله يتبعهم الغابون المتر انهم في كل وادي يهيمون وانهم يقولون ما لا يفعلون استثنى من ذلك الذين امنوا وعملوا الصالحات
في قوله الا الذين امنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا الاية وبما ذكرنا تعلم ان التحقيق ان الحديث الصحيح المصرح بان امتلاء الجوف من المفسد له خير من امتلائه من الشعر
محمول على من اقبل على الشعر واشتغل به عن الذكر وتلاوة القرآن وطاعة الله تعالى وعلى الشعر القبيح المتضمن للكذب والباطل كذكر الخمر ومحاسن النساء الاجنبيات ونحو ذلك المسألة الثانية
اعلم ان العلماء اختلفوا في الشاعر اذا اعترف في شعره بما يستوجب حدا هل يقام عليه الحد على قولين احدهما انه يقام عليه لانه اقر به والاقرار تثبت به الحدود
والثاني انه لا يحد باقراره في الشعر لان كذب الشاعر في شعره امر معروف معتاد وواقع لا نزاع فيه قال مقيده عفا الله عنه وغفر له واظهر القولين عندي ان الشاعر اذا اقر في شعره بما يستوجب الحد
لا يقام عليه الحد لان الله جل وعلا صرح هنا بكذبهم في شعرهم في قوله وانهم يقولون ما لا يفعلون هذه الاية الكريمة تدرأ عنهم الحد ولكن الاظهر انه ان اقر بذلك استوجب باقراره به الملامة والتأديب
وان كان لا يحد به كما ذكره جماعة من اهل الاخبار في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه المشهورة عن النعمان ابن عدي ابن نضلة قال ابن كثير رحمه الله
في تفسير هذه الاية الكريمة وقد ذكر محمد بن اسحاق ومحمد بن سعد في الطبقات والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة ان امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
استعمل النعمان ابن عدي ابن نظلة على ميسان من ارض البصرة وكان يقول الشعر فقال الا هل اتى الحسناء ان حليلها بميسان يسقى في زجاج وحنتم اذا شئت غنتني دهاقين قرية
ورقاصة تجذو على كل من سمي وان كنت ندمان وبالاكبر اسقني ولا تسقني بالاصغر المتذلم لعل امير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوثق المتهدم فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال اي والله انه ليسوءني ذلك ومن لقيه فليخبره اني قد عزلته وكتب اليه عمر بسم الله الرحمن الرحيم ميم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب. شديد العقاب
للطول لا اله الا هو اليه المصير. اما بعد وقد بلغني قولك لعل امير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم والله انه ليسوؤني وقد عزلتك فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر
وقال والله يا امير المؤمنين ما شربتها قط ومع ذلك الشعر الا شيء طفح على لساني فقال عمر اظن ذلك ولكن والله لا تعمل لي عملا ابدا. وقد قلت ما قلت
فلم يذكر انه حده على الشراب وقد ضمنه شعره لانهم يقولون ما لا يفعلون ولكنه ذمه عمر ولامه على ذلك وعزله به انتهى محل الغرب من كلام ابن كثير وهذه القصة
يستأنس بها لما ذكرنا وقد ذكر غير واحد من المؤرخين ان سليمان بن عبدالملك لما سمع قول الفرزدق فبتنا بجانبي مصرعات وبت افض اغلاق الختام قال له قد وجب عليك الحد
وقال الفرزدق يا امير المؤمنين قدر الله عني الحد بقوله وانهم يقولون ما لا يفعلون ولم يحده مع اقراره بموجب الحد ايها المستمع الكريم حسبنا في هذا اللقاء ما مضى وقد بقيت لنا في سورة الشعراء حلقة واحدة
نأتي عليها في لقائنا القادم ان شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
