يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمعون الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نمضي مع المؤلف في حديثه حول قول الله تعالى
عن عيسى عليه السلام وانه لعلم للساعة. الاية قال تداركه الله برحمته وجمعنا به ووالدينا والمسلمين في دار كرامته وبهذا كله تعلم ان الضمير في قوله قبل موته راجع الى عيسى
وان تلك الاية من سورة النساء تبين قوله تعالى هنا وانه لعلم للساعة كما ذكرنا فان قيل ان كثيرا ممن لا تحقيق عندهم يزعمون ان عيسى قد توفي ويعتقدون مثل ما يعتقده ضلال اليهود والنصارى
ويستدلون على ذلك بقوله تعالى اذ قال الله يا عيسى اني متوفيك ورافعك الي وقوله فلما توفيتني كنت انت الرقيب عليهم فالجواب انه لا دلالة في احدى الايتين البتة على ان عيسى قد توفي فعلا
اما قوله تعالى اني متوفيك فان دلالته المزعومة على ذلك منفية من اربعة اوجه الاول ان قوله متوفيك حقيقة لغوية في اخذ الشيء كاملا غير ناقص والعرب تقول توفى فلان دينه يتوفاه
فهو متوف له اذا قبضه وحازه اليه كاملا من غير نقص بمعنى اني متوفيك في الوضع اللغوي اي حائزك الي كاملا بروحك وجسمك ولكن الحقيقة العرفية خصصت التوفي المذكور بقبض الروح دون الجسم
ونحو هذا مما دار بين الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية فيه لعلماء الاصول ثلاثة مذاهب الاول هو تقديم الحقيقة العرفية وتخصيص عموم الحقيقة اللغوية بها وهذا هو المقرر في اصول الشافعي واحمد
وهو المقرر في اصول ما لك الا انهم في الفروع ربما لم يعتمدوه في بعض المسائل والى تقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية اشار في مراقي السعود بقوله واللفظ محمول على الشرعي. ان لم يكن فمطلق العرفي
اللغوي على الجلي ولم يجب بحث عن المجازف الذي انتخب المذهب الثاني هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية بناء على ان العرفية وان ترجحت بعرف الاستعمال فان اللغوية مترجحة باصل الوضع
وهذا القول مذهب ابي حنيفة رحمه الله المذهب الثالث انه لا تقدم العرفية على اللغوية ولا اللغوية على العرفية بل يحكم باستوائهما ومعادلة الاحتمالين فيهما ويحكم على اللفظ بانه مجمل لاحتمال هذه
واحتمال تلك وهذا اختيار ابن السبكي ومن وافقه والى هذين المذهبين الاخيرين اشار في مراقص سعود بقوله ومذهب النعمان عكس ما مضى والقول بالاجمال فيه مرتضى واذا علمت هذا فاعلم انه على المذهب الاول
الذي هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية فان قوله تعالى اني متوفيك لا يدل الا على انه قبضه اليه بروحه وجسمه ولا يدل على الموت اصلا كما ان توفي الغريم لدينه لا يدل على موت دينه
واما على المذهب الثاني وهو تقديم الحقيقة العرفية على اللغوية فان لفظ التوفي حين اذ يدل في الجملة على الموت ولكن سترى ان شاء الله انه وان دل على ذلك في الجملة
لا يدل على ان عيسى قد توفي فعلا قال رحمه الله رحمة واسعة وقد ذكرنا في كتابنا دفع ايهام الاضطراب عن ايات الكتاب في سورة ال عمران وجه عدم دلالة الاية على موت عيسى فعلا
اعني قوله تعالى اني متوفيك فقلنا ما نصه؟ والجواب عن هذا من ثلاثة اوجه الاول ان قوله تعالى متوفيك ما يدل على تعيين الوقت ولا يدل على كونه قد مضى
وهو متوفيه قطعا يوما ما ولكن لا دليل على ان ذلك اليوم قد مضى واما عطفه ورافعك الي على قوله متوفيك فلا دلالة فيه لاطباق جمهور اهل اللسان العربي على ان الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع
وانما تقتضي مطلق التشريك وقد ادعى السرافي والسهيلي اجماع النحات على ذلك وعزاه الاكثر للمحققين. وهو الحق خلافا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وابو عمرو الزاهد وهشام والشافعي من انها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه
وقد انكر السرافي ثبوت هذا القول عن الفراء وقال لم اجده في كتابه وقال ولي الدين انكر اصحابنا نسبة هذا القول الى الشافعي حكاه عنه صاحب الضياء اللامع وقوله صلى الله عليه وسلم
ابدأ بما بدأ الله به يعني الصفا لا دليل فيه على اقتضائها الترتيب وبيان ذلك هو ما قاله الفهري كما ذكره عنه صاحب الضياء اللامع وهو انها كما انها لا تقتضي الترتيب ولا المعية
وكذلك لا تقتضي المنع منهما وقد يكون العطف بها مع قصد الاهتمام بالاول لقوله ان الصفا والمروة من شعائر الله الاية بدليل الحديث المتقدم وقد يكون المعطوف بها مرتبا كقول حسان
نجوت محمدا واجبت عنه على رواية الواو وقد يراد بها المعية لقوله تعالى فانجيناه واصحاب السفينة قوله وجمع الشمس والقمر ولكن لا تحمل على الترتيب ولا على المعية الا بدليل منفصل
الوجه الثاني ان معنا متوفيك اي منيمك ورافعك الي اي في تلك النومة وقد جاء في القرآن اطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار
وقوله الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها وعزا ابن كثير هذا القول للاكثرين واستدل بالايتين المذكورتين الوجه الثالث ان متوفيك اسم فاعل توفاه اذا قبضه وحازه اليه
ومنه قولهم فلان دينه اذا قبضه اليه سيكون معنا متوفيك على هذا قابضك منهم الي حيا وهذا القول هو اختيار ابن جرير واما الجمع بانه توفاه ساعات او اياما ثم احياه
فلا معول عليه اذ لا دليل عليه انتهى من دفع ايهام الاضطراب عن ايات الكتاب ايها المستمع الكريم ندع بقية الحديث حول عيسى عليه السلام بلقائنا القادم ان شاء الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
