يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمعون الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نستوفي حديث المؤلف حول قول الله تعالى
قل ان كان للرحمن ولد الاية وانكاره ان تكون ان شرطية قال رحمه الله ولا شك في ان كل شرطية صدقت مع بطلان مقدمها الذي هو الشرط والصحة تاليها الذي هو الجزاء
لا يصح التمثيل بها لهذه الاية بوجه من الوجوه وان ما ظنه الفخر الرازي من صحة التمثيل لها بذلك غلط فاحش منه بلا شك وايضاح ذلك ان كل شرطية كاذبة الشرط صادقة الجزاء عند ازالة الربط
لابد ان يكون موجب ذلك فيها احد امرين لا ثالث لهما البتة وكلاهما يكون الصدق به من اجل امر خاص لا يمكن وجود مثله في الاية الكريمة التي نحن بصددها
بل هو مناقض لمعنى الاية والاستدلال بوجود احد المتناقضين على وجود الاخر ضروري البطلان ونعني باول الامرين المذكورين كون الشرطية اتفاقية لا لزومية اصلا وبالثاني منهما كون الصدق المذكور من اجل خصوص المادة
ومعلوم ان الصدق من اجل خصوص المادة لا عبرة به في العقليات وانه في حكم الكذب لعدم اضطراده لانه يصدق في مادة ويكذب في اخرى والمعتبر انما هو الصدق اللازم المضطرد. الذي لا يختلف باختلاف المادة
في حال من الاحوال ولا شك ان كل قضية شرطها محال لا يضطرد صدقها الا اذا كان جزاؤها محالا خاصة فان وجدت قضية باطلة الشرط صحيحة الجزاء فلا بد ان يكون ذلك لكونها اتفاقية
او لاجل خصوص المادة فقط فمثال وقوع ذلك لكونها اتفاقية قولك ان كان زيد في السماء لم ينج من الموت الشرط الذي هو كونه في السماء باطل والجزاء الذي هو كونه لم ينج من الموت
صحيح وانما صح هذا لكون هذه الشرطية اتفاقية ومعلوم ان الاتفاقية لا علاقة بين طرفيها اصلا ولا يقتضي ثبوت احدهما ولا نفيه الثبوت الاخر ولا نفيه فلا ارتباط بين طرفيها في المعنى اصلا
وانما هو في اللفظ فقط وكون زيد في السماء لا علاقة له بعدم نجاته من الموت اصلا ولا ارتباط بينهما الا في اللفظ فهو كقولك ان كان الانسان ناطقا فالفرس صاهل
وقد قدمنا ايضاح الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في سورة الكهف الكلام على قوله تعالى وان تدعوهم الى الهدى فلن يهتدوا اذا ابدا مراجع ومعلوم ان قوله قل ان كان للرحمن ولد
لم يقل احد انها شرطية اتفاقية ولم يدع احد انها لا علاقة بين طرفيها اصلا ومثال وقوع ذلك لاجل خصوص المادة فقط ما مثل به الفخر الرازي لهذه الاية الكريمة
مع عدم انتباهه لشدة المنافاة بين الاية الكريمة وبينما مثل لها به فانه لما قال ان الشرط الذي هو ان كان للرحمن ولد باطل والجزاء الذي هو فانا اول العابدين صحيح
مثل لذلك بقوله ان كان الانسان حجرا فهو جسم يعني ان قوله ان كان الانسان حجرا شرط باطل وهو كقوله تعالى ان كان للرحمن ولد وكون الانسان حجرا وكون الرحمن ذا ولد كلاهما شرط باطل
فلما صح الجزاء المرتب على الشرط الباطل لقوله ان كان الانسان حجرا فهو جسم دل ذلك على ان الجزاء الصحيح في قوله فانا اول العابدين يصح ترتيبه على الشرط الباطل الذي هو
ان كان للرحمن ولد وهذا غلط فاحش جدا وتسوية بين المتنافيين غاية المنافاة لان الجزاء المرتب على الشرط الباطل بقوله ان كان الانسان حجرا فهو جسم انما صدق لاجل خصوص المادة
لا لمعنى اقتضاه الربط البتة وايضاح ذلك ان النسبة بين الجسم والحجر والنسبة بين الانسان والجسم هي العموم والخصوص المطلق في كليهما فالجسم اعم مطلقا من الحجر والحجر اخص مطلقا من الجسم
كما ان الجسم اعم من الانسان ايضا عموما مطلقا والانسان اخص من الجسم ايضا خصوصا مطلقا فالجسم جنس قريب للحجر وجنس بعيد للانسان وان شئت قلت جنس متوسط له وايضاح ذلك ان تقول في التقسيم الاول
الجسم اما نام اي يكبر تدريجا او غير نام غير النام كالحجر مثلا ثم تقسم النامية تقسيما ثانيا فتقول النامي اما حساس او غير حساس وغير الحساس منه كالنبات ثم تقسم الحساسة تقسيما ثالثا. فتقول
الحساس اما ناطق او غير ناطق والناطق منه هو الانسان اتضح ان كلا من الانسان والحجر يدخل في عموم الجسم والحكم بالاعم على الاخص صادق في الايجاب بلا نزاع ولا تفصيل
وقولك الانسان جسم صادق في كل تركيب ولا يمكن ان يكذب بوجه وذلك للملابسة الخاصة بينهما من كون الجسم جنسا للانسان وكون الانسان فردا من افراد انواع الجسم ولاجل خصوص هذه الملابسة بينهما
كان الحكم على الانسان بانه جسم صادقا على كل حال سواء كان الحكم بذلك غير معلق على شيء او كان معلقا على باطل او على حق الاستدلال بصدق هذا المثال
على صدق الربط بين الشرق والجزاء. في قوله تعالى قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين بطلانه كالشمس في رابعة النهار والعجب كل العجب من عاقل يقوله لان المثال المذكور
انما صدق لان الانسان يشمله مسمى الجسم اما من كان له ولد النسبة بينه وبين المعبود الحق هي تباين المقابلة لان المقابلة بين المعبود بحق وبين والد او ولد هي المقابلة بين الشيء
ومساوي نقيضه لان من يولد او يولد له لا يمكن ان يكون معبودا بحق في حال من الاحوال وايضاح المنافاة بين الامرين انك لو قلت الانسان جسم لقلت الحق ولو قلت المولود له معبود او المولود معبود
فالباطل الذي هو الكفر البواح ومما يوضح ما ذكرنا اجماع جميع النظار على انه ان كانت احدى مقدمتي الدليل باطلة وكانت النتيجة صحيحة ان ذلك لا يكون الا لاجل خصوص المادة فقط
وان ذلك الصدق لا عبرة به وحكمه حكم الكذب ولا يعتبر الا الصدق اللازم المضطرد في جميع الاحوال فلو قلت مثلا كل انسان حجر وكل حجر جسم لانتج من الشكل الاول
كل انسان جسم وهذه النتيجة في غاية الصدق كما ترى مع ان المقدمة الصغرى من الدليل التي هي قولك كل انسان حجر في غاية الكذب كما ترى وانما صدقت النتيجة لخصوص المادة كما اوضحنا
ولولا ذلك لكانت كاذبة لان النتيجة لازم الدليل والحق لا يكون لازما للباطل فان وقع شيء من ذلك فلخصوص المادة كما اوضحنا وبهذا التحقيق تعلم ان الشرط الباطل لا يلزم وتضطرد صحة ربطه
الا بجزاء باطل مثله وما يظنه بعض اهل العلم من ان قوله تعالى فان كنت في شك مما انزلنا اليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك كقوله قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين
فهو غلط فاحش والفرق بين معنى الايتين شاسع وظن استوائهما في المعنى باطل وايضاح ذلك ان قوله فان كنت في شك الاية معناه المقصود منه جار على الاسلوب العربي ولا ايهام فيه
لان اوضحنا سابقا ان مدار صدق الشرطية على صحة الربط بين شرطها وجزائها وهي صادقة ولو كذب طرفاها عند ازالة الربط كما تقدم ايضاحه قريبا وربط قوله فان كنت في شك بقوله فاسأل الذين يقرأون الكتاب
ربط صحيح لا اشكال فيه لان الشاك في الامر شأنه ان يسأل العالم به عنه كما لا يخفى وهي قضية صادقة مع ان شرطها وجزاءها كلاهما باطل بانفراده وهي كقوله
لو كان فيهما الهة الا الله لفسدتا فهي شرطية صادقة لصحة الربط بين طرفيها. وان كان الطرفان باطلين عند ازالة الربط اما قوله تعالى قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين
على القول بان ان شرطية لا تمكن صحة الربط بين شرطها وجزاءها البتة لان الربط بين المعبود وبين كونه والدا او ولدا لا يصح بحال ولذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم
انه قال لا اشك ولا اسأل اهل الكتاب فنفى الطرفين مع ان الربط صحيح ولا يمكن ان ينفي صلى الله عليه وسلم هو ولا غيره الطرفين في الاية الاخرى فلا يقول هو ولا غيره ليس له ولد ولا اعبده
وعلى كل حال الربط بين الشك وسؤال الشاك للعالم امر صحيح بخلاف الربط بين العبادة وكون المعبود والدا او ولدا فلا يصح اتضح الفرق بين الايتين وحديث لا اشك ولا اسأل اهل الكتاب رواه قتادة بن دعامة مرسلا
وبنحوه قال بعض الصحابة فمن بعدهم ومعناه صحيح بلا شك ايها المستمعون الكرام بهذا نأتي الى نهاية لقائنا. آملا ان يجمعنا لقاء اخر وانتم بخير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
