الاستواء على العرش قال الرازيون رحمهم الله وان الله عز وجل على عرشه كائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف
احاط بكل شيء علما ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشغل ومن الاصول التي ادركوا عليها اجماع علماء اهل السنة والجماعة في الامساط وان الله عز وجل مستو على عرشه
اي منفصل من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم نؤمن بذلك بلا كيف نكيفه او نتخيله الى كيف نكيفه او نتخيله لانه اخبرنا عنه بما نفهمه من لسان العرب
ولم يخبرنا عن الكيفية وهو عز وجل احاط بكل شيء علما فانه جل جلاله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فاهل السنة مجمعون على ان الله سبحانه وتعالى مستو على عرشه حقيقة
استواء يليق بجلاله منفصل عن خلقه غير حال بهم ولا متحد معهم سبحانه وتعالى كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى
في سبعة مواضع هذا احدها في طه والثاني في سورة الاعراف قوله ان ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش وقال في سورة يونس عليه السلام
ان ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش وقال في سورة الرعد الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وقال في سورة الفرقان
ثم استوى على العرش الرحمن وقال في سورة الف لام ميم السجدة الله الذي خلق السماوات والارض وما بينهما في ستة ايام ثم استوى على العرش وقال في سورة الحديد
هو الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش هذه هي المواضع السبعة التي اخبر فيها سبحانه باستوائه على العرش وكلها قطعية الثبوت لانها من كتاب الله
لا يملك الجهمي المعطل لها ردا ولا انكارا كما انها صريحة في بابها لا تحتمل تأويلا فان لفظ استوى في اللغة اذا عدي بعلى لا يمكن ان يفهم منه الا العلو والارتفاع
ولهذا لم تخرج تفسيرات السلف لهذا اللفظ عن اربع عبارات العلامة ابن القيم في النونية حيث قال فلهم عبارات عليها اربع قد حصلت للفارس الطعان وهي استقر وقد علا وكذلك ارتفع الذي ما فيه من نكران
وكذلك قد صعد الذي هو رابع وابو عبيدة صاحب الشيباني يختار هذا القول في تفسيره ادرى من الجهمي بالقرآن فاهل السنة والجماعة يؤمنون بما اخبر به سبحانه عن نفسه من انه مستو على عرشه بائن من خلقه بالكيفية التي يعلمها هو جل شأنه
كما قال مالك وغيره الاستواء معلوم والكيف مجهول قال القرطبي رحمه الله في تفسيره في الكلام على قوله عز وجل ثم استوى على العرش ولم ينكر احد من السلف الصالح ان استواءه على عرشه حقيقة
وخص عرشه بذلك لانه اعظم مخلوقاته وانما جهلوا كيفية الاستواء فانه لا يعلم حقيقة كيفيته قال الامام ما لك الاستواء معلوم يعني في اللغة والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة؟ انتهى انظر العلو للذهبي الجزء الاول ثلاثمائة ستة وستين
ومختصره الالماني صفحة ثلاثمائة ستة وثمانين وهذا الاثر عن ما لك صح من طرق ذكرها الذهبي في العلو للعلي الغفار وقال هذا ثابت عن مالك وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك
وهو قول اهل السنة قاطبة ان كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها وان استواءه معلوم كما اخبر في كتابه وانه كما يليق به لا نعمق ولا نتحذلق ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا اثباتا
بل نسكت ونقف كما وقف السلف ونعلم انه لو كان له تأويل لبادر الى بيانه الصحابة والتابعون ولا ما وسعهم اقراره وامراره والسكوت عنه ونعلم يقينا مع ذلك ان الله جل جلاله لا مثل له في صفاته ولا باستوائه
ولا في نزوله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا انتهى من العلو للعلي الغفار للذهبي الجزء الاول مائة تسعة وثلاثين فالسلف رضي الله عنهم يؤمنون بكل ما اخبر الله به عن نفسه في كتابه
وبكل ما اخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ايمانا سالما من التحريف والتعطيل ومن التكييف والتمثيل ويجعلون الكلام في ذات الباري وصفاته بابا واحدا فان الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات يحتذى فيه حذوه
فاذا كان اثبات الذات اثبات وجود الله اثبات تكييف كذلك اثبات الصفات وقد يعبرون عن ذلك بقولهم تمر كما جاءت بلا تأويل ومن لم يفهم كلامهم ظن ان غرضهم بهذه العبارة هو قراءة اللفظ دون التعرض للمعنى
وهو باطل فان المراد بالتأويل المنفي هنا هو كنه الصفات وكيفيتها يثبتون المعنى وينفون حقيقته وهي الكيفية فانهم كانوا يقولون احيانا تمر كما جاءت بلا كيف وما كانوا يقولون تمر كما جاءت بلا معنى
فعلم من ذلك انهم يثبتون المعنى وينفون الكيف قال الامام احمد رحمه الله لا يوصف الله الا بما وصف به نفسه او وصفه به رسوله ولا يتجاوز القرآن والحديث انظر مجموع الفتاوى الجزء الخامس صفحة ستة وعشرين
وقال نعيم بن حماد شيخ البخاري من شبه الله بخلقه كفاه ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفضل وليس فيما وصف الله به نفسه او وصفه به رسوله تشبيه ولا تمثيل
رواه الذهبي باسناده في كتاب العلو وقال الالباني في مختصر العلو صفحة مائة اربعة وثمانين وهذا اسناد صحيح انتهى ونعيم ابن حماد هو ابو عبدالله نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي المروزي
اعلم الناس بالفرائض كان شديد الرد على الجهمية واهل الاهواء توفي سنة مئتين ثمانية وعشرين للهجرة العلامة الشنقيطي في تفسيره اضواء البيان الجزء الثاني صفحة ثماني عشرة قوله تعالى ثم استوى على العرش يغسل ليل النهار. الاية
هذه الاية الكريمة وامثالها من ايات الصفات لقوله يد الله فوق ايديهم ونحو ذلك مشكلة على كثير من الناس اشكالا ظل بسببه خلق لا يحصى كثرة فصار قوم الى التعطيل وقوم الى التشبيه
سبحانه وتعالى علوا كبيرا عن ذلك كله والله جل وعلا اوضح هذا غاية الايضاح ولم يترك فيه اي لبس ولا اشكال وحاصل تحرير ذلك انه جل وعلا بين ان الحق في ايات الصفات مترتب من امرين
احدهما تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الحوادث في صفاتهم سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا وثاني الايمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه او وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم
لانه لا يصف الله اعلم بالله من الله قل انتم اعلم ام الله ولا يصف الله بعد الله اعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى
فمن نفى عن الله وصى اثبته لنفسه في كتابه العزيز او اثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم زاعما ان ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق بالله جل وعلا فقد جعل نفسه اعلم من الله ورسوله بما يليق بالله جل وعلا
سبحانك هذا بهتان عظيم ومن اعتقد ان وصف الله يشابه صفات الخلق مشبه ملحد ضال ومن اثبت لله ما اثبته لنفسه او اثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة الخلق فهو مؤمن جامع بين الايمان بصفات الكمال والجلال
والتنزيه عن مشابهة الخلق سالم من مرتضى التشبيه والتعطيل والاية التي اوضح الله بها هذا قوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فنفى عن نفسه جل وعلا مماثلة الحوادث بقوله
ليس كمثله شيء واثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله وهو السميع البصير. فصرح في هذه الاية الكريمة بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال والظاهر ان السر في تعبيره بقوله وهو السميع البصير
دون ان يقول مثلا وهو العلي العظيم او نحو ذلك من الصفات الجامعة ان السمع والبصر يتصف بهما جميع الحيوانات فبين ان الله متصف بها ولكن وصفه بهما على اساس نفي المماثلة بين وصفه تعالى وبين صفات خلقه
ولهذا جاء بقوله وهو السميع البصير بعد قوله ليس كمثله شيء ففي هذه الاية الكريمة ايضاح للحق في ايات الصفات لا لبس معه ولا شبهة البتة انتهى
