الايمان بالجنة والنار قالوا والجنة حق والنهر حق وهما مخلوقتان ولا يفنيان ابدا والجنة ثواب لاوليائه والنار عقاب لاهل معصيته الا من رحم عز وجل الشرح ومن الاصول التي ادركوا عليها جماعة اهل الاسلام ان الجنة حق والنار حقا
وهم الان مخلوقتان ولا يفنيان ابدا وان الجنة ثواب لاولياءه من المؤمنين والنار عقاب لاهل معصيته الا من رحم الله عز وجل من عصاة المسلمين وقد دل على ذلك النص من الكتاب والسنة واجماع السلف
فمن نصوص الكتاب قوله تعالى عن النار اعدت للكافرين وقال جل جلاله ان جهنم كانت مرصادا للطاغين مئابا فهي مرصدة ولا يكون مرصدا الا الموجود وقال عز وجل عن الجنة اعدت للمتقين
وقوله سبحانه وتعالى اعدت للذين امنوا بالله ورسله فهي معدة موجودة فهي قائمة موجودة ورآها النبي صلى الله عليه وسلم في المعراج فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى
ورأى عندها جنة المأوى وقال تعالى ولقد رآه نزلة اخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وفي الصحيحين من حديث انس رضي الله عنه في قصة الاسراء وفي اخره قال صلى الله عليه وسلم
ثم انطلق بي جبرائيل حتى اتى سدرة المنتهى فغشيها الوان لا ادري ما هي قال ثم دخلت الجنة فاذا هي جناب ذو اللؤلؤ واذا ترابها المسكة اخرجه البخاري ومسلم. وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. ان رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال ان احدكم اذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ان كان من اهل الجنة فمن اهل الجنة وان كان من اهل النار فمن اهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة
ومن حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ينادي مناد من السماء ان صدق عبدي فافرشوه من الجنة وافتحوا له بابا الى الجنة. فيأتيه من روحها وطيبها. رواه احمد وابو داود بسند صحيح
وفي حديث انس بمعنى حديث البراء اخرجه البخاري ومسلم وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت قصفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكرت الحديث وفيه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به. حتى لقد رأيت لي اخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني تقدمت ولقد رأيت النار يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخرت اخرجه البخاري ومسلم. وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال ان خسف
الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه فقالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت فقال اني رأيت الجنة وتناولت عنقودا. ولو اصبته لاكلتم منه ما بقيت الدنيا. ورأيت النار فلم ارى
كاليوم قط افظع ورأيت اكثر اهلها النساء الحديث اخرجه البخاري ومسلم. وفي الموطأ والسنن وصححه ابن حبان من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
انما نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله الى جسده يوم القيامة قال في هامشه قوله تعلق في شر الجنة يروى بفتح اللام وهو الاكثر. ويروى بضم اللام والمعنى واحد وهو الاكل والرعي
يقول تأكل من ثمار الجنة وترعى وتسرح بين اشجارها. والعلوقة والعلاق والعلوق الاكل والرعية قاله ابن عبد البغي في التمهيد الجزء الحادي عشر صفحة تسعة وخمسين والحديث رواه مالك والنسائي
وابن ماجة وصححه ابن حبان وكذا ابن عبدالبر في التمهيد وفي الاستذكار وابن العربي في العارضة وابن القيم والالباني في صحيح السنن. انتهى من هامشه قال وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة. وفي حديث ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه
عليه وسلم قال لما خلق الله الجنة والنار ارسل جبرائيل الى الجنة فقال اذهب فانظر اليها والى ما اعددت لاهلها فيها. فذهب فنظر اليها. والى ما اعد الله لاهلها فيها. فرجع
فقال وعزتك لا يسمع بها احد الا دخلها فامر بالجنة فحفت بالمكاره فقال ارجع. فانظر اليها والى ما اعددت لاهلها فيها. قال فنظر اليها ثم رجع فقال وعزتك لقد خشيت الا يدخلها احد. قال ثم ارسله الى النار قال اذهب فانظر اليها
والى ما اعددت لاهلها فيها. قال فنظر اليها فاذا هي يركب بعضها بعضا. ثم رجع فقال وعزتك لا يدخلها احد سمع بها. فامر بها فحفت بالشهوات ثم قال اذهب فانظر الى ما اعددت لاهلها فيها
فذهب فنظر اليها فرجع فقال وعزتك لقد خشيت والا ينجو منها احد الا دخلها اخرجه احمد وابو داود والترمذي وقال حسن صحيح وهو كما قال. ونظائر ذلك في السنة كثير. ولم يزل اهل
على ذلك ولم يزل اهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فانكرت ذلك وقالت بل ينشئهما الله يوم القيامة. وحملهم على ذلك اصلهم الفاسد. الذي وضعوا به
لما يفعله الله وانه ينبغي ان يفعل كذا. ولا ينبغي له ان يفعل كذا. وقاسوه على خلقه في افعالهم فهم مشبهة في الافعال. ودخل التجهم فيهم فصاروا مع ذلك معطلة. وقالوا خلق الجنة قبل الجزاء
عبث لانها تصير معطلة مضدا متطاولة. فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى. وحرفوا النصوص عن مواضعها وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم المحدثة تنبيه قال العلماء ولم يقل بفناء الجنة والنار الا الجهم بن صفوان امام المعطلة
وليس له سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين لهم باحسان ولا من ائمة المسلمين ولا من اهل السنة وانكره عليه عامة اهل السنة وكفروه به. وصاحوا به وباتباعه من اقطار الارض
واما ابدية الجنة وانها لا تفنى ولا تبيد فهذا مما يعلم بالضرورة ان الرسول صلى الله عليه وسلم اخبر به. قال تعالى اما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والارض الا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ. اي غير
ومقطوعة ولا ينافي ذلك قوله الا ما شاء ربك واختلف السلف في هذا الاستثناء فقيل معناه الا مدة مكثهم في النار وهذا يكون لمن ادخل منهم النار ثم اخرج منها لا لكلهم
وقيل ان مدة مقامهم في الموقف. وقيل الا مدة مقامهم في القبور والموقف. وقيل هو استثناء الرب ولا يفعله كما تقول والله لاضربنك الا ان ارى غير ذلك. وانت لا ترى بل تجزم بضربه. وقيل الا بمعنى الواو. وهذا على قول
في بعض النحات وهو ضعيف يجعل الا بمعنى لكن فيكون الاستثناء منقطعا ورجحه ابن جرير. وقال ان الله تعالى لقل فلوعده وقد وصل الاستثناء بقوله عطاء غير مجذوذ قالوا ونظيره ان تقول اسكنتك داري حولا الا ما شئت. اي سوى ما شئت. ولكن ما شئت من الزيادة عليه
وقيل الاستثناء لاعلامهم بانهم مع خلودهم فهم في مشيئة الله. ولا يخرجون عن مشيئته ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود كما في قوله تعالى ولئن شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا
ولم يذهب به وقوله تعالى فان يشأ الله يختم على قلبك. ولم يفعل ذلك مع قدرته عليه لو شاء. وقوله عز ودم قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا ادراكم به. ونظائره كثيرة يخبر عباده سبحانه ان الامور كلها
مشيئته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقيل انما بمعنى من اي الا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء وقيل المراد استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة. من مدة الخلود. كاستثناء الموتة الاولى من جملة الموت في قوله جل جلاله
لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولى. وهذا الاستثناء منقطع. واذا ضممته الى الاستثناء في قوله تعالى الا ما شاء ربك فهذه موتة تقدمت على حياتهم الابدية وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها. وتبين المراد. وقيل غير ذلك
وعلى كل تقدير فهذا الاستثناء من المتشابه. وقوله عطاء غير مجذوذ محكم. وكذلك قوله تعالى ان هذا لرزق ما له من نفاذ. وقوله اكلها دائم وظلها. وقوله وما هم منها بمخرجين. وقد اكد الله خلود
اهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن. واخبر انهم لا يذوقون فيها الموت الا الموتة الاولى. والايات في تأبيد الخلود في جنتي كثيرة والادلة من السنة على ابدية الجنة ودوامها كثيرة. كقوله صلى الله عليه وسلم من يدخل الجنة ينعم
ولا يبأس لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه. رواه مسلم من حديث ابي هريرة رضي الله عنه. وفي رواية من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت. رواه الترمذي والدارمي
وقوله ينادي مناد يا اهل الجنة ان لكم ان تصحوا فلا تسقموا ابدا. وان تشبوا فلا تهرموا ابدا. وان تحيوا فلا ابدا. رواه مسلم وفي حديث ذبح الموت بين الجنة والنار. ويقال يا اهل الجنة خلود فلا موت. ويا اهل النار خلود فلا موت
متفق عليه. واما ابدية النار فان الله تعالى يخرج منها من شاء. كما ورد في السنة ويبقى فيها الكفار بقاء لا انقضاء والايات في تأبيد الخلود في النار كثيرة منها قوله تعالى ولا ليهديهم طريقا الا طريق جهنم خالدين فيها ابدا. وقوله سبحانه وتعالى ان
الله لعن الكافرين واعد لهم سعيرا خالدين فيها ابدا. وقوله جل جلاله ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم انما خالدين فيها ابدا. وقال الله تعالى ان المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون
وقوله سبحانه وتعالى ولهم عذاب مقيم. وقوله فلن نزيدكم الا عذابا. وقوله وما هم بخارجين من النار ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. وقوله سبحانه وتعالى لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف
عنهم من عذابها. وقوله جل جلاله ان عذابها كان غراما. اي مقيما لازما. قال ابن جرير غراما اي دائما لازما غير مفارق من عذب به من الكفار ثم روى عن ابن جريج قال كان غراما اي لا يفارقه. انظر تفسير ابن جرير عشرين الفا مائة وستة
وقد دلت السنة المستفيضة انه يخرج من النار من قال لا اله الا الله. واحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار  وان هذا حكم مختص بهم. فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم ولم يختص الخروج باهل الايمان. وبقاء الجنة
داري ليس لذاتهما بل بابقاء الله لهما تنبيه ثان وقوله لا تفنيان ابدا ولا تبيدان. هذا قول جمهور الائمة من السلف والخلف. اما الجنة فالاجماع قطعي لا شك فيه واما النار فهو كذلك اجماع على الصحيح
وحكي فيه شبهة خلاف ولا اظنه يصح قال ابن حزم في مراتب الاجماع وان النار حق وانها دار عذاب ابدا. لا تفنى ولا يفنى اهلها ابدا بلا نهاية اية انتر
وجاء في رواية البرذعي لهذه العقيدة ونعيم الجنة لا يفنى ابدا. وسكتوا عن النار فكأن فيه تنبيها على القول الاخر حكي عن قلة من اهل السنة ان الله يخرج منها من يشاء. ثم يبقيها شيئا ثم يفنيها فانه جعل لها امدا تنتهي
الي وقد حكى شيخ الاسلام ابن تيمية في رسالة له. وابن القيم في حاد الارواح وابن ابي العز في شرح الطحاوية انه قد قال بفناء النار جماعة من السلف والخلف
والقولان مذكوران في بعض كتب التفسير وغيرها. ولم اجد له اسنادا صحيحا عمن نسب اليه قال ابن ابي العز في شرح الطحاوية تبعا لابن القيم وهذان القولان لاهل السنة ينظر في ادلتهما. فمن ادلة القول
بالفناء قوله تعالى قال النار مثواكم خالدين فيها الا ما شاء الله ان ربك حكيم عليم وقوله تعالى فاما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والارض الا ما شاء
ربك ان ربك فعال لما يريد ولم يأت بعد هذين الاستثنائيين لما اتى بعد الاستثناء المذكور لاهل الجنة وهو قوله عطاء غير مجذوذ. وقوله تعالى لا فيها احقابا وهذا القول اعني القول بفناء النار دون الجنة من قول عن عمر وابن مسعود وابي هريرة وابي سعيد وغيرهم
قلت لكنه باسانيد ضعيفة ثم قال وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور بسنده الى عمر رضي الله عنه انه قال لو لبث اهل النار في النار كقدر رمل عالج
فكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه. ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى لابثين فيها احقابا قلت وهذا لو صح لا دليل فيه لانه ذكره استبعادا لخروجهم فان معنى كلامه لو كان للبثهم في النار امد ولو كقد الرمل بيداء عالج لانقضى. وخرجوا ولكنه لا امد له فلا
قضية كما قال الله جل جلاله والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ثم قال قالوا وما ورد من الخلود فيها والتأبيد وعدم الخروج وان عذابها مقيم وانه غرام. كله حق مسلم لا نزاع
وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية وانما يخرج منها في حال بقائها اهل التوحيد ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه
قلت ونسب لشيخ الاسلام ابن تيمية القول بفناء النار حتى صنف بعضهم ردا علي وهذا غير صحيح فانه رحمه الله سئل عن ذلك وبسط القول ليبين ان هذا القول ليس كقول الجهمية القائلين بفناء الجنة والنار
بل هو نوع من اختلاف اهل السنة وليس القول به من الضلالة الجهلية. ولم يصرح بترجيح هذا القول. كما في رسالة له الرد على القائلين بفناء النار فان له تصريحا في موضع اخر بين فيه انها لا تفنى
كما في منهاج السنة. واقراره لنقل ابن حزم للاجماع على ذلك الذي تقدم ذكره ولم يعترض عليه في نقض مراتب الاجماع قال في المنهاج والتسلسل في المستقبل جائز عند جماهير المسلمين وغيرهم من اهل الملل وغير اهل الملل
فان نعيم الجنة وعذاب النار دائما مع تجدد الحوادث فيهما. وانما انكر ذلك الجهم ابن صفوان. فزعم ان الجنة والنار وابو الهديري العلاف زعم ان حركات اهل الجنة والنار تنقطع ويبقون في سكون دائم. وذلك انهم لما اعتقدوا
ان التسلسل في الحوادث ممتنع في الماضي والمستقبل قالوا هذا القول الذي ضللهم به ائمة الاسلام. انتهى من منهاج السنة النبوية الجزء الاول صفحة ثمانين فانت ترى انه صرح بدوام عذاب النار كدوام نعيم الجنة. ولم يعرف له قول صرح به خلاف ذلك
وانما هو كلام مشتبه لينبغي رده الى محكم كلامه وكذا لابن القيم بسط في حاد الارواح اطال فيه الكلام ولم يرجح شيئا. ولكنه فصل في الوابل الصيب وهو من اخر كتبه
تبين ان نار الكفار لا تفنى. واما التي تفنى فهي نار عصاة الموحدين اذا اخرجوا منها. فقال رحمه الله ولما كان الناس على ثلاث طبقات طيب لا يشينه خبيث. وخبيث لا طيب فيه. واخرون فيهم خبث وطيب
دورهم ثلاثة، دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة. فانه لا يبقي في جهنم من عصاة الموحدين احدا. فانهم اذا عذبوا بقدر جزائهم
اخرجوا من النار فادخلوا الجنة ولا يبقى الا دار الطيب المحض. ودار الخبث المحض. انتهى. والذي ينبغي ان به براءة الشيخين من القول بفناء النار مطلقا. بل هذا الذي نقلناه عنهما هو صريح قولهما رحمهما الله تعالى
والله اعلم
