الميزان قال الرزيون مما ادركوا عليه علماء اهل السنة مجمعين والميزان حق وله كفتان يوزن فيه اعمال العباد حسنوها وسيئوها الشرح ومما ادركوا عليه علماء اهل السنة مجمعين اثبات الميزان. وانه حق لا شك فيه
وله كفتان يوزن فيه اعمال العباد حسنها وسيئها لقد اجمع اهل السنة والجماعة على اثبات الميزان حقيقة وان له كفتين حقيقيتين دل على ذلك الكتاب والسنة والاجماع الله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة
وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بنا حاسبين وقال تعالى فاما من ثقلت موازينه فهو في عيشة خاطئة منخفض موازينه فامه هاوية وما ادراك ما هي نار حامية
الى غير ذلك من الايات قال الشيخ مراعي في البهجة في هذا ان اعمال الجن توزن كما توزن اعمال الانس. وهو كذلك ارتضاه الائمة انظر لوامع الانوار الجزء الثاني صفحة مائة اربعة وثمانين
ففي يوم القيامة تنصب الموازين فتوزن بها اعمال العباد والذي ينصب الموازين هو الله عز وجل لتوزن بها اعمال العباد لتروزن بها اعمال العباد. قال ابن عباس رضي الله عنهما
توزن الحسنات في احسن صورة والسيئات في اقبح صورة قال العلامة الشيخ مرعي في بهجته الصحيح ان المراد بالميزان الميزان الحقيقي. لا مجرد العدل خلافا لبعضهم انتهى يعني المعتزلة انظر الاوامي على الانوار الجزء الثاني صفحة مائة اربعة وثمانين
فرع ذكر اهل العلم ان مراتب المعاد البعث والنشور ثم المحشر ثم القيام لرب العالمين ثم العرض ثم تطاير الصحف واخذها باليمين واخذها بالشمال ثم السؤال والحساب ثم الميزان انظر لوامع الانوار الجزء الثاني صفحة مائة اربعة وثمانين
ثم الحوض ثم الصراط ثم من سلم منه فالقنطرة ثم الجنة جعلنا الله من اهلها وقال القرطبي في تذكرته قال العلماء اذا انقضى الحساب كان بعده وزن الاعمال لان الوزن للجزاء فينبغي ان يكون بعد المحاسبة لتقدير الاعمال والوزن لاظهار مقاديرها
ليكون الجزاء بحسبها انتهى فرع وردت النصوص بذكر الميزان بالجمع والافراد فمثال الجمع قول الله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة وقال تعالى والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون
ومن خفت موازينه فاولئك الذين خسروا انفسهم وقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمتان حبيبتان الى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. رواه البخاري ومسلم
عن ابي هريرة رضي الله عنه افرد ذكرى الميزان فكيف نجمع بين الايات القرآنية وبين هذا الحديث الجواب ان نقول اما انها جمعت باعتبار الموزون حيث انه متعدد وافرضت باعتبار ان الميزان واحد او ميزان كل امة
او ان المراد بالميزان في قوله عليه الصلاة والسلام ثقيلتان في الميزان اي في الوزن والذي يظهر والله اعلم ان الميزان واحد وانه جمع باعتبار الموزون لكن يتوقف الانسان هل يكون ميزانا واحدا لجميع الامم
قول كل امة ميزان لان الامم كما دلت عليه النصوص تختلف باعتبار اجرها فرع والميزان ميزان حسي حقيقة له كفتان ولسان والوزن يكون على حسب المعهود بالراجح والمرجوح وذلك لان الاصل في الكلمات الواردة في الكتاب والسنة تحمل على المعهود المعروف
الا اذا قام دليل على انها خلاف ذلك والمعهود المعروف عند المخاطبين منذ نزول القرآن الكريم الى اليوم ان الميزان حسي وان هناك راجحا ومرجوحا وخالف في ذلك جماعة فالمعتزلة قالوا انه ليس هناك ميزان حسي
ولا حاجة له لان الله تعالى قد علم اعمال العباد واعصاها ولكن المراد بالميزان الميزان المعنوي الذي هو العدل ولا شك ان قول المعتزلة باطل لانه مخالف لظاهر اللفظ واجماع السلف
ولاننا اذا قلنا ان المراد بالميزان العدل فلا حاجة الى ان نعبر بالميزان. بل نعبر بالعدل لانه احب الى النفس من كلمة ميزان ولهذا قال الله تعالى ان الله يأمر بالعدل والاحسان
والصواب ان نجري الوزن على ظاهره ونقول ان الراجح هو الذي ينزل ويدل لذلك حديث صاحب البطاقة فان فيه ان السجلات تطيش وتثقل البطاقة وهذا واضح لان الرجحان يكون بالنزول
فرع في كيفية الوزن فان قيل كيف يوزن العمل والعمل وصف قائم بالعامل وليس جسما فيوزا الجواب ان يقال ان الله سبحانه وتعالى يجعل هذه الاعمال اجساما ليس هذا بغريب على قدرة الله عز وجل
وله نظير وهو الموت. فانه يجعل على صورة كبش ويذبح بين الجنة والنار كما جاء ذلك في الصحيحين عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه مع ان الموت معنا وليس بجسم
وليس الذي يذبح ملك الموت ولكنه نفس الموت حيث يجعله الله تعالى جسما يشاهد ويرى كذلك الاعمال يجعلها الله عز وجل اجساما توزن بهذا الميزان الحسي والتي يوزر العمل سواء كان خيرا ام شرا وهذا هو ظاهر القرآن
كما قال الله تعالى يومئذ يصدر الناس اشتاتا ليروا اعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمتان حبيبتان الى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان
متفق عليه وهذا ظاهر ايضا بل صريح في ان الذي يزن العمل لان الذي يوزن العمل والنصوص في هذا كثيرة ولكن هناك نصوص قد يخالف ظاهرها هذا الحديث منها حديث صاحب البطاقة عن عبدالله بن عمرو بن العاص
رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله سيخلص رجلا من امتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البساطة
ثم يقول اتنكر من هذا شيئا؟ اظلمك كتبت الحافظون؟ فيقول لا يا رب فيقول افلك عذر؟ فيقول لا يا رب. فيقول بلى ان لك عندنا حسنة فانه لا ظلم عليك اليوم
فتخرج بطاقة فيها اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله فيقول احضر وزنك. فيقول يا ربي ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فقال انك لا تظلم. قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة
تطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء رواه احمد والترمذي وحسنه وابن ماجة والحاكم في المستدرك وقال صحيح الاسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه الالباني في الصحيحة
وللحافظ حمزة الكناني جزء البطاقة وظاهر هذا ان الذي يوزن صحائف الاعمال وهناك نصوص اخرى تدل على ان الذي يوزن العامل مثل قوله تعالى اولئك الذين كفروا بايات ربهم ولقائه فحبطت اعمالهم
الا نقيم لهم يوم القيامة وزنا؟ مع انه قد ينازع في الاستدلال بهذه الاية فيقال ان معنى قوله فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا يعني قدرا ومثل ما ثبت من حديث ابن مسعود رضي الله عنه
انه كان يجتني سواكا من الاراك وكان رضي الله عنه دقيق الساقين جعلت الريح تحركه فضحك الصحابة رضي الله عنهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اما تضحكون؟ قالوا من دقة ساقيه؟ قال والذي نفسي بيده لهما في الميزان اثقل من احد
رواه احمد وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه احمد وابو يعلى والبزار والطبراني من طرق وامثل طرقها فيه عاصم بن ابي النجود وهو حسن الحديث على ضعفه. وبقية رجال احمد وابي يعلى رجال الصحيح
فصار ها هنا ثلاثة اشياء العمل والعامل والصحائف قال بعض العلماء ان الجمع بينها ان يقال ان من الناس من يوزن عمله ومن الناس من يوزن صحائف عمله ومن الناس من يوزن هو بنفسه
وقال بعض العلماء الجمع بينها ان يقال ان المراد بوزن العمل ان العمل يوزن وهو في الصحائف ويبقى وزن صاحب العبر فيكون لبعض الناس قال الشيخ ابن عثيمين ولكن عند التأمل نجد ان اكثر النصوص تدل على ان الذي يوزن هو العمل
ويخص بعض الناس فتوزن صحائف اعماله او يوزن هو نفسه واما ما ورد في حديث ابن مسعود وحديث صاحب البطاقة فقد يكون هذا امرا يخص الله به من يشاء من عباده
فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون والمراد بثقل الموازين القدحان الحسنات على السيئات فرعون هل الكفار توزن واعمالهم اختلف العلماء في ذلك هل الكفار توزن اعماله ام لا على قولين لظاهر قوله سبحانه وتعالى
ومن خفت موازينه فاولئك الذين خسروا انفسهم في جهنم خالدون والصحيح ان المراد بخفة الموازين والله اعلم رجعان السيئات على الحسنات او فقدان الحسنات وذهابها بالكلية وان قلنا بان الكفار توزن اعمالهم كما هو ظاهر هذه الاية الكريمة وامثالها
وهو احد القولين لاهل العلم ان كان لاظهار خفة موازينهم لا للرجحان حسناتهم فانه قول صحيح لان الكفار لا حسنات لهم يوم القيامة لان الكفار لا حسنات لهم يوم القيامة
موازنة ترجيح فلا يقام لهم يوم القيامة وزنا والقول الثاني ان الكفار لا توزن اعمالهم مطلقة لقوله تعالى قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا الذين ظل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا
اولئك الذين كفروا بايات ربهم ولقائه فحبطت اعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله مسألة محاسبة الكفار هل يحاسبون ام لا مسألة لا يكفر فيها بالاتفاق
والصحيح ايضا ان لا يضيق فيها ولا يهجر وقد حكي عن ابي الحسن ابن بشار انه قال لا يصلى خلف من يقول انهم يحاسبون والصواب الذي عليه الجمهور انه يصلى خلف الفريقين
بل يكاد الخلاف بينهم يرتفع عند التحقيق مع انه قد اختلف فيها اصحاب الامام احمد وان كان اكثرهم يقولون لا يحاسبون واختلف فيها غيرهم من اهل العلم واهل الكلام وذلك ان الحساب قد يراد به الاحاطة بالاعمال وكتابتها في الصحف
وعرضها على الكفار وتوبيخهم على ما عملوه وزيادة العذاب ونقصه بزيادة الكفر ونقصه فهذا الضرب من الحساب ثابت بالاتفاق وقد يراد بالحساب وزن الحسنات بالسيئات ليتبين ايهما ارجح الكافر لا حسنات له توزن بسيئاته
اذ اعماله كلها وانما توزن لتظهر خفة موازينه لا ليتبين رجحان حسنات له وقد يراد بالحساب ان الله هل هو الذي يكلمهم ام لا القرآن والحديث يدلان على ان الله يكلمهم تكليم توبيخ وتقريع وتبكيت
لا تكليم تقريب وتكريم ورحمة وان كان من العلماء من انكر تكليمهم جملة انتهى انظر مجموع الفتاوى الجزء السادس اربعمائة ستة وثمانين وقال في الواسطية فتنصب الموازين فتوزن بها اعمار العباد
فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون ومنخفض موازينه فاولئك الذين خسروا انفسهم في جهنم خالدون وتنشر الدواوين وهي صحائف الاعمال. فاخذ كتابه بيمينه واخذ كتابه بشماله او من وراء ظهره
كما قال سبحانه وتعالى وكل انسان الزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ويحاسب الله الخلائق ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه
كما وصف ذلك في الكتاب والسنة واما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته فانه لا حسنات لهم ولكن تعد اعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها انتهى من شرح الواسطية للهراس صفحة مئتين وخمسة مئتين وثمانية
والله اعلم
