قالوا والشفاعة حق وان ناسا من اهل التوحيد يخرجون من النار بالشفاعة حقا الشرح ومما ادركوا عليه علماء اهل السنة والجماعة مجمعين ان الشفاعة حق وان ناسا من اوصاة اهل التوحيد الذين دخلوا النار يخرجون من النار بالشفاعة وهو حرام
اتفق عليه السلف ويدل عليه الكتاب والسنة ومقصود السلف من ايراد هذا في العقائد هو الرد على الخوارج ومن تبعهم من المعتزلة الذين انكروا خروج احد من النار بعد دخولها
فلم يفرقوا بين الكفار وعصاة المسلمين يذكرون هذا للرد عليهم فيما ذهبوا اليه من البدعة المخالفة للنصوص والاجماع ولهذه المسألة فروع الفرع الاول في انواع الشجاعة الشفاعة انواع منها ما هو متفق عليه بين الامة كلها
ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من اهل البدع النوم الاول الشفاعة العظمى الخاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم من بين سائر اخوانه من الانبياء والمرسلين صلوات الله عليهم اجمعين
وهذه الشفاعة لم يخالف فيها احد وفي الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم اجمعين احاديث الشفاعة منها عن ابي هريرة رضي الله عنه قال اوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فادوه اليه منها الذراع
وكانت تعجبه فنهس منها نسلة ثم قال انا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون لما ذلك؟ يجمع الله الاولين والاخرين في صعيد واحد فيقول بعض الناس لبعض الا ترون الى ما انتم فيه
الا ترون الى ما قد بلغكم؟ الا تنظرون من يشفع لكم الى ربكم يقول بعض الناس لبعض ابوكم ادم يأتون ادم فيقولون يا ادم انت ابو البشر فاشفع لنا الى ربك. الا ترى الى ما نحن فيه
الا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول ادم ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وانه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي. نفسي نفسي
اذهبوا الى اجري اذهبوا الى نوح فيأتون نوحا فيقولون يلوه انت اول الرسل الى اهل الارض وسماك الله عبدا شكورا فاشفع لنا الى ربك. فلا ترى الى ما نحن فيه
الا ترى ما قد بلغنا فيقول نوح ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وانه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي. نفسي نفسي اذهبوا الى غيري. اذهبوا الى ابراهيم
فيأتون ابراهيم فيقولون يا ابراهيم انت نبي الله وخليله من اهل الارض الا ترى الى ما نحن فيه؟ الا ترى ما قد بلغنا يقول ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله
وذكر كذباته نفسي نفسي اذهبوا الى غيري. اذهبوا الى موسى يأتون موسى فيقولون يا موسى انت رسول الله اصطفاك الله برسالته وبتكليمه على الناس. اشفع لنا الى ربك الا ترى ما نحن فيه؟ الا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله
واني قتلت نفسا لم اومر بقتلها. نفسي نفسي اذهبوا الى غيري اذهبوا الى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى انت رسول الله وكلمته والقاها الى مريم وروح منها قال هكذا هو
وكلمت الناس في المهد فاشفع لنا الى ربك. الا ترى الى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم عيسى ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله
ولم يذكر له ذنبا. اذهبوا الى غيري. اذهبوا الى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتوني فيقولون يا محمد انت رسول الله وخاتم الانبياء غفر الله لك ذنبك ما تقدم منه وما تأخر
تشفع لنا الى ربك الا ترى الى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا ساقوم فاتي تحت العرش فيقع ساجدا لربي عز وجل ثم يفتح الله عليه ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على احد قبلي
فيقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطى اشفع تشفع فاقول يا ربي امتي امتي يا رب امتي امتي. يا رب امتي امتي فيقول ادخل من امتك من لا حساب عليه من الباب الايمن من ابواب الجنة
وهم شركاء الناس فيما سواه من الابواب ثم قال والذي نفسي بيده لما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر او كما بين مكة ومصرى اخرجه في الصحيحين واللفظ للامام احمد
النوع الثاني من الشفاعة شفاعته صلى الله عليه وسلم في اقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة وهذه الشفاعة يشركه فيه غيره من النبيين والمؤمنين لكنه اكرمه على الله
النمو الثالث من الشراعة شفاعته صلى الله عليه وسلم في اقوام قد امر بهم الى النار الا يدخلوها وهي كالتي قبلها النوع الرابع شفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع درجات من يدخل الجنة فيها وزيادة نعيمهم فوق ما كان يقتضيه ثواب اعمالهم
وهي كالتي قبلها كما في صحيح مسلم عن ام سلمة ان النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابي سلمة لما قبض فقال اللهم اغفر لابي سلمة وارفع درجته في المهديين
الحديث وقد وافقت المعتزلة في هذه الشفاعة خاصة وخالفوا فيما عداها من المقامات مع تواتر الاحاديث فيها النوع الخامس الشفاعة في اقوام ان يدخلوا الجنة بغير حساب. كما في حديث عكاشة بن محسن
حين دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يجعله من السبعين الفا للذين يدخلون الجنة بغير حساب والحديث مخرج في الصحيحين النوع السادس الشفاعة في تخفيف العذاب عن من يستحقه
كشفاعته في عمه ابي طالب ان يخفف عنه عذابه. وهذه الشفاعة خاصة به صلى الله عليه وسلم. وبابي طالب خاصة لحديث العباس ابن عبدالمطلب بانه قال النبي صلى الله عليه وسلم
ما اغنيت عن عمك فانه كان يحوطك ويغضب لك قال هو في ضحظان من نار ولولا انا لكان في الدرك الاسفل من النار اخرجه البخاري ومسلم وفي حديث ابي سعيد لعله تنفعه شفاعتي فيجعل في دحضاح من النار يبلو كعبيه يغلي منه دماغه
رواه البخاري ومسلم قال القرطبي فان قيل فقد قال تعالى فما تنفعهم شفاعة الشافعين قيل له لا تنفعه في الخروج من النار كما تنفع صوت الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة
النوع السابع شفاعته ان يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة ففي صحيح مسلم عن انس رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انا اول شفيع في الجنة
وهذه من خصائصه عليه الصلاة والسلام قال ابن حجر وقد ثبت في صحيح مسلم انه صلى الله عليه وسلم اول من يستفتح باب الجنة وفي رواية علي بن زيد عن انس عند الترمذي فاخذ حلقة باب الجنة فاقعقعها فيقال من هذا؟ فيقول محمد
سيفتحون لي ويرحبون فاخروا ساجدا وفي رواية ثابت عن انس عند مسلم فيقول الخازن من؟ فيقول محمد فيقول بك امرت الا افتح لاحد قبلك وله من رواية المختار ابن فلفل عن انس رفعه انا اول من يقرع باب الجنة
وفي رواية قذارة عن انس اتي باب الجنة فاستفتح فيقال من هذا؟ فيقول محمد فيقال مرحبا بمحمد وفي حديث سلمان فيأخذ بحلقة الباب وهي من ذهب فيقرع الباب فيقال من هذا؟ فيقول محمد
سيفتح له حتى يقوم بين يدي الله فيستأذن في السجود فيؤذن له انتهى انظر فتح الباري ابن حجر الجزء الحادي عشر اربعمائة ستة وثلاثين النوع الثامن شفاعته في اهل الكبائر من امته ممن دخل النار فيخرجون منها
وقد تواترت بهذا النوع الاحاديث وقد خفي علم ذلك على الخوارج والمعتزلة وخالفوا في ذلك جهلا منهم بصحة الاحاديث وعنادا ممن علم ذلك واستمر على بدعته وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون ايضا
وهذه الشفاعة تتكرر منه صلى الله عليه وسلم اربع مرات كما في حديث انس بن ما لك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعتي لاهل الكبائر من امتي
رواه الامام احمد وابو داوود والترمذي وقال حسن صحيح البخاري رحمه الله عن انس ابن مالك رضي الله عنه في حديث الشفاعة قال صلى الله عليه وسلم فيأتوني فاقول انا لها
استأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد احمده بها لا تحضرني الان نحمده بتلك المحامد واخضوا له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعطى
فاقول يا ربي امتي امتي فيقال انطلق فاخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من ايمان سانطلق فافعل ثم اعود فاحمده بتلك المحامد ثم اخيط له ساجدا قالوا يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعطى
اقول يا ربي امتي امتي فيقال انطلق فاخرج من كان بما قلبه مثقال ذرة او خردلة من الايمان فانطلق فافعل. ثم اعود بتلك المحامل ثم اخروا له ساجدا يقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطى واشفع تشفع
اقول يا ربي امتي امتي. فيقول انطلق يا اخرج من كان في قلبه ادنى ادنى. مثقال حبة من خردل من ايمان فاخرجه من النار سانطلق وافعل. قال ثم اعود الرابعة فاحمده بتلك المحامل ثم اخضه له ساجدا
الشيطان يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطى واشفع تشفع اقول يا ربي ائذن لي في من قال لا اله الا الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لاخرجن منها من قال لا اله الا الله. رواه البخاري
وفي الصحيح من حديث ابي سعيد رضي الله عنه مرفوعا قال فيقول الله تعالى دفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق الا ارحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط
الحديث رواه مسلم وفي الصحيح عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول قوم من النار بعد ما يصيبهم منها سفح فيدخلون الجنة فيسميهم اهل الجنة الجهنميين رواه البخاري
وعن ابي سعيد مرفوعا اما اهل النار الذين هم اهلها فانهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس اصابتهم النار بذنوبهم فاماتهم اماطة حتى اذا كانوا فحما اذل في الشفاعة
سيجئ بهم ضبائر ضبائر. فبثوا على انهار الجنة فينبتون نبات الحبة تكون في حمير السيل رواه مسلم وعن يزيد الفقير قال شغفني رأي الخوارج وانا شاب فخرجنا في عصابة نحج. فاذا جابر بن عبدالله يحدث القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاذا هو يذكر الجهنميين فقلت ما هذا الذي تحدثون والله يقول انك من تدخل النار فقد اخزيته وكلما ارادوا ان يخرجوا منها من غم اعيدوا فيها. قال يا بني هل سمعت بمقام محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج
ثم نعت الصراط ومن مر الناس عليه وان قوما يخرجون من النار بعد ان كانوا فيها قال فيخرجون كانهم القراطيس فرجعنا. قلنا ويحكم اترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا
فلا والله ما خرج منها غير رجل واحد رواه مسلم الفرع الثاني في اقسام الناس بالايمان بالشفاعة الناس في الشفاعة على ثلاثة مذاهب الاول مذهب المشركين والنصارى والمبتدعين من الغلاة في المشايخ وغيره
شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا وثاني مذهب الوعيدية من المعتزلة والخوارج الذين انكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في اهل الكبائر والثالث مذهب اهل الحق من اهل السنة والجماعة
يوقظون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في اهل الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع احد حتى يأذن الله له ويعد له حدا كما في الحديث الصحيح حديث الشفاعة فيقول لهم عيسى عليه السلام اذهبوا الى محمد فانه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر
فاذهب فاذا رأيت ربي خررت له ساجدا فاحمد ربي بما حمد يفتحها علي لا احسنها الان فيقول اي محمد ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع اقول ربي امتي فيعد لي حدا فادخلهم الجنة ثم انطلق فاسجد فيحد لي حدا
ذكرها ثلاث مرات. رواه البخاري ومسلم الحاصل ان الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر فان الله لا يشفع عنده احد الا باذنه سبحانه وتعالى فان الامر كله اليه. فلا شريك له بوجه
فسيد الشفعاء يوم القيامة اذا سجد وحمد الله تعالى فيقول له الله ارفع رأسك وقل يسمع واسأل تعطى واشفع تشفع يحض له حدا فيدخلهم الجنة الامر كله لله. كما قال تعالى قل لله شفاعة جميعا
وقال سبحانه وتعالى قل ان الامر كله لله وقال تعالى ليس لك من الامر شيء وقال تعالى الا له الخلق والامر فاذا كان لا يصلح عنده احد الا باذنه لمن يشاء
ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته وفي الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يا بني عبد مناف لا املك لكم من الله شيئا يا صفية يا عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا املك لك من الله شيئا
يا عباس عم رسول الله لا املك لك من الله شيئا رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها وفي الصحيح ايضا عن النبي صلى الله عليه وسلم لالفين احدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء
اوشات لها يعاق او رقاع تخفق فيقول اغثني اغثني اقول قد ابلغتك ما املك لك من الله شيئا لا املك لك من الله من شيء. رواه مسلم عن ابي هريرة
اذا كان سيد الخلق وافضل الشفعاء يقول اخص الناس به لا املك لكم من الله من شيء الظن بغيره الفرع الثالث في اقسام الشفاعة من حيث النفي والاثبات والشفاعة من حيث النفي والاثبات قسمان
القسم الاول شفاعة منفية في القرآن وهي الشفاعة للكافر والمشرك قال تعالى من قبل ان يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة وقال فما تنفعهم شفاعة الشافعين وقال واتقوا يوما لا تجزي نفس عن النفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون
وقال تعالى ويوم تقوم الساعة يبالس المجرمون ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ونحو هذه الايات والقسم الثاني الشفاعة المثبتة في القرآن والسنة وهي خالصة لاهل الاخلاص
وقيدها تعالى بامرين. الاول اذنه للشافعي ان يشفع كما قال تعالى من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه واذنه تعالى لا يصدر الا اذا رحم عبده الموحد فاذا رحمه الله تعالى اذن للشافعي ان يشفع له
الامر الثاني رضاه عن المشفوع له. كما قال تعالى ولا يشفعون الا لمن ارتضى الاذن بشفاعة له بعد الرضاء كما في هذه الاية وهو سبحانه لا يرضى الا التوحيد وقال سبحانه وتعالى ام اتخذوا من دون الله شفعاء
ولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون لله شفاعة جميعا قال تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله تنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الارض سبحانه وتعالى عما يشركون
تبين تعالى في هذه الايات وامثالها ان وقوع الشفاعة على هذا الوجه منتف وممتنعة وان اتخاذه شفعاء شرك يتنزه الرب تعالى عنه وقد قال تعالى فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا الهة بل ضلوا عنهم
وذلك افكهم وما كانوا يفترون تبين تعالى ان دعواهم انهم يشفعون لهم بتأليههم ان ذلك منهم افك وافتراء وقوله تعالى قل لله الشفاعة جميعا اي هو مالكها وليس لمن تطلب منه شيء منها. وانما تطلب ممن يملكها دون كل من سواه
لان ذلك عبادة وتأليم لا يصلح الا لله قال البيضاوي لعله رد لما عسى ان يجيبوا به وهو ان شفعاء اشخاص مقربون وقوله تعالى له ملك السماوات والارض تقرير لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه. لانه مالك الملك فاندرج في ذلك ملك الشفاعة
فاذا كان هو مالكها بطل ان تطلب ممن لا يملكها من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه ولا يشفعون الا لمن ارتوى. قال ابن جرير نزلت لما قال الكفار ما نعبد اوثاننا هذه الا ليقربونا الى الله زلفى
قال الله تعالى له ملك السماوات والارض ثم اليه ترجعون وقوله من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه وقد تبين مما تقدم من الايات ان الشفاعة التي نفاها القرآن هي التي تطلب من غير الله
وفي هذه الاية بيان ان الشفاعة انما تقع في الدار الاخرة باذنه كما قال تعالى يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من اذن له الرحمن ورضي له قولا تبين انها لا تقع لاحد الا بشرطين
الرب تعالى للشافي ان يشفع ورضاه عن المأذون بالشفاعة فيه وهو تعالى لا يرضى من الاقوال والاعمال الظاهرة والباطنة الا ما اريد به وجهه ولقي العبد به ربه مخلصا غير شاك في ذلك
كما دل على ذلك الحديث الصحيح عن ابي هريرة الذي رواه البخاري انه قال يا رسول الله من اسعد الناس بشفاعتك؟ قال اسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله الا الله خالصا من قلبه
اخرجه البخاري ورواه احمد وصححه ابن حبان وفيه وشفاعته لمن قال لا اله الا الله مخلصا يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه اخرجه احمد وصححه ابن خزيمة في التوحيد وابن حبان والحاكم
وشاهده في صحيح مسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته واني اختبأت دعوتي شفاعة لامتي يوم القيامة فهي نائلة ان شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا
رواه مسلم قال ابن القيم رحمه الله تأمل هذا الحديث كيف جعل اعظم الاسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد عكس ما عند المشركين ان الشفاعة تنار باتخاذهم شفعاء. وعبادتهم وموالاتهم
فقلب النبي صلى الله عليه وسلم ما في زعمهم الكاذب واخبر ان سبب الشفاعة تجريد التوحيد حينئذ يأذن الله للشافي ان يشفع ومن جهل المشرك اعتقاده ان من اتخذه وليا او شفيعا انه يشفع له وينفعه عند الله
كما يكون خواص الولاة والملوك تنفع من والاهم ولا بيعلموا انه لا يشفع عنده احد الا باذنه في الشفاعة ولا يأذن بالشفاعة الا لمن رضي قوله وعمله كما قال في الفصل الاول من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه
وفي الفصل الثاني ولا يشفعون الا لمن ارتوى وبقي فصل ثالث وهو انه لا يرضى من القول والعمل الا توحيده واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم هذه ثلاثة فصول تقطع شجرة الشرك من قلب من عقلها ووعاها. انتهى
وقال الله جل جلاله قد يدع الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن اذن له
قال ابو العباس ابن تيمية نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون يكون لغيره ملك او قسط منه او يكون عونا لله ولم يبقى الا الشفاعة تبين انها لا تنفع الا لمن اذن له الرب
كما قال ولا يشفعون الا لمن ارتوى فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن واخبر النبي صلى الله عليه وسلم انه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بشفاعة اولا ثم يقال له ارفع رأسك وقل يسمع وسل
واشفع تشفع رواه البخاري ومسلم وقال ابو هريرة من اسعد الناس بشفاعتك؟ قال من قال لا اله الا الله خالصا من قلبه؟ رواه البخاري فتلك الشفاعة لاهل الاخلاص باذن الله
ولا تكونوا لمن اشرك بالله وحقيقته ان الله سبحانه هو الذي يتفضل على اهل الاخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من اذن له ان يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود فشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك
ولهذا اثبت الشفاعة بايده في مواضع وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم انها لا تكون الا لاهل التوحيد والاخلاص انتهى كلامه من مجموع الفتاوى الجزء السابع وصفحات سبعة وسبعين ثمانية وسبعين
وقال سبحانه وتعالى وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا الا من بعد ان يأذن الله لمن يشاء ويرضاه قال ابن كثير رحمه الله هذا كقوله بند الذي يشفع عنده الا باذنه
ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن اذن له فاذا كان هذا في حق الملائكة المقربين فكيف ترجون ايها الجاهلون شفاعة هذه الانداد عند الله وهو لم يشرع عبادتها ولا اذن فيها
بل قد نهى عنها على السنة جميع رسله وانزل بالله عن ذلك جميع كتبه وقوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض
وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن اذن له قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الايات وقد قطع الله الاسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها
فالمشرك انما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع والنفع لا يكون الا ممن فيه خصلة من هذه الاربعة اما مالك لما يريده عابده منه فان لم يكن مالكا كان شريكا للمالك فان لم يكن شريكا له كان معينا له وظهيرا
فان لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده فنفى الله سبحانه بالمراتب الاربعة نفيا مرتبا متنقلا من الاعلى الى الادنى فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك واثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة باذنه فكفى بهذه الاية نورا وبرهانا وتجريدا للتوحيد
وقطعا لاصول الشرك ومواده لمن عقلها القرآن مملوء من امثالها ونظائرها ولكن اكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنونها في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا
هذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن ولعمل الله ان كان اولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم او شر منهم او دونهم وتناول القرآن لهم كتناوله باولئك
ثم قال ومن انواعه اي الشرك طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم وهذا اصل شرك العالم فان الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضوا فضلا عمن استغاث به وسأله ان يشفع له الى الله
وهذا من جهله بشافع والمشفوع عنده فانه لا يقدر ان يشفع له عند الله الا باذنه والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لاذنه وانما السبب كمال التوحيد فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الاذن وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها
وهذه حالة كل مشرك فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة اهل التوحيد ونسبة اهله الى التنقص بالاموات وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك واولياءه الموحدين بذنبهم وعيبهم ومعاداتهم وتنقصوا من اشركوا به غاية التنقص
اذ ظنوا انهم راضون منهم بهذا وانهم امروهم به وانهم يوالون عليه والنوم يوالونهم عليه وهؤلاء هم اعداء الرسل في كل زمان ومكان. وما اكثر المستجيبين لهم وما نجا من شرك هذا الشرك الاكبر الا من جرد توحيده لله
وعاد المشركين في الله وتقرب بمقتهم الى الله واتخذ الله وحده وليه واله ومعبوده تجرد حبه لله وخوفه لله ورجاءه لله وذله لله وتوكله على الله واستعانته بالله والتجاءه الى الله واستغاثته بالله وقصده لله متبعا لامره متطلبا لمرضاته
اذا سأل سأل الله واذا استعان استعان بالله. واذا عمل عمل لله فهو لله وبالله ومع الله انتهى كلامه رحمه الله تعالى من مدارج السالكين الجزء الاول ثلاثمائة وتسعة واربعين ثلاثمائة اربعة وخمسين

