تحريم القتال في الفتنة قالوا ولا القتال في الفتنة شرح مما ادركوا عليه العلماء مجمعين انهم لا يرون القتال في الفتنة بين المسلمين وان هنا الكبائر كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال
لا يهل دم امرئ مسلم يشهد ان لا اله الا الله واني رسول الله الا باحدى ثلاثة الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه
قال النووي في شرح مسلم قوله والتارك لدينه المفارق للجماعة عام في كل مرتد عن الاسلام باي ردة كانت فيجب قتله ان لم يرجع الى الاسلام. قال العلماء ويتناول ايضا كل خارج عن الجماعة ببدعة او بغي او غيرهما
وكذا الخوارج والله اعلم واعلم ان هذا عام يخص منه الصائل ونحوه فيباح قتله في الدفع وقد يجاب عن هذا بانه داخل في المفارق للجماعة او يكون المراد لا يحل تعمد قتله قصدا الا في هذه الثلاثة والله اعلم
انت وقال القرطبي في المفهم ظاهر قوله المفارق للجماعة انه نعت لدينه اذا ارتد فارق جماعة المسلمين وان لم يرتد كمن يمتنع من اقامة الحد عليه اذا وجب ويقاتل على ذلك كاهل البغي وقطاع الطريق والمحاربين من الخوارج وغيرهم
قال فيتناول لفظ المفارق للجماعة بطريق العموم ولو لم يكن كذلك لم يصح الحصر لانه يلزم ان ينفي من ذكر ودمه حلال فلا يصح الحصر وكلام الشارع منزه عن ذلك
تدل على ان وصف المفارق للجماعة يعم جميع هؤلاء. قال وتحقيقه ان كل من فارق الجماعة ترك دينه غير ان المرتد ترك كله والمفارق بغير ردة ترك بعضه. انتهى وقال ابن قدامة في المغني فاما من اريدت نفسه او ماله فلا يجب عليه الدفع
لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة اجلس في بيتك فان خفت ان يبهرك شعاع السيف فغط وجهك وفي لفظ فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل
ولان عثمان ترك القتال مع امكانه مع ارادتهم نفسه فان قيل فقد قلتم في المضطر اذا وجد ما يدفع به الضرورة لزمه الاكل منه في احد الوجهين لم لم تقولوا ذلك ها هنا
قلنا لان الاكل يحيي به نفسه من غير تفويت نفسي غيره وها هنا في احياء نفسه فوات نفس غيره فلم يجب علي اما ان امكنه الهرب فهل يلزمه؟ فيه وجهان
احدهما يلزمه لانه امكنه الدفع عن نفسه من غير ضرر يلحق غيره ما لزمه كالاكل في المخمصة والثاني لا يلزمه لانه دفع عن نفسه فلم يلزمه الدفع بالقتال. انتهى وفي الصحيحين عن الاحنف قال خرجت وانا اريد هذا الرجل يعني عليا
فلقيني ابو بكرة فقال اين تريد يا احنف؟ فقلت اريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني عليا رضي الله عنه فقال لي يا احنف ارجع فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
اذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار فقلت او قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال انه اراد قتل صاحبه رواه البخاري ومسلم ولمسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل فقيل كيف يكون ذلك؟ قال الهرج القاتل والمقتول في النار. رواه مسلم
قال ابن هبيرة الحنبلي في هذا الحديث من الفقه ان هذا القاتل والمقتول يكونان في زمان ليس فيه امام يعرف به الحق من الباطل. انتهى انظر الايصاح عن معاني الصحاح
الجزء الثامن صفحة مائة وواحد واربعين وقال النووي واما كون القاتل والمقتول من اهل النار محمول على من لا تأويل له ويكون قتلهما عصبية ونحوها ثم كونه في النار اي مستحق لها
وقد يجازى بذلك وقد يعفو الله تعالى عنه وهو مذهب اهل الحق انتهى من شرح نووي الجزء الثامن عشر صفحة عشرة وقال ابن الملقن في التوضيح وابن حجر والسياق له
واحتج به من لم يرى القتال في الفتنة وهم كل من ترك القتال مع علي في حروبه كسعد بن ابي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وابي بكرة وغيرهم
وقالوا يجب الكف حتى لو اراد احد قتله لم يدفعه عن نفسه ومنهم من قال لا يدخل في الفتنة فان اراد احد قتله دفع عن نفسه وذهب جمهور الصحابة والتابعين الى وجوب نصر الحق وقتال الباغين
وحمل هؤلاء الاحاديث الواردة في ذلك على من ضعف عن القتال او قصر نظره عن معرفة صاحب الحق واتفق اهل السنة على وجوب منع الطعن على احد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك
ولو عرف المعق منهم لانهم لم يقاتلوا في تلك الحروب الا عن اجتهاد وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت انه يؤجر اجرا واحدا وان المصيب يؤجر اجرين
وحمل هؤلاء الوعيد المذكور في الحديث على من قاتل بغير تأويل سائغ بل بمجرد طلب الملك ولا يرد على ذلك منع ابي بكرة الاحنف من القتال مع علي لان ذلك وقع عن اجتهاد من ابي بكرة
اداه الى الامتناع والمنع احتياطا لنفسه ولمن نصحه قال الطبري لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما اقيم حد ولا ابطل باطل
ولوجد اهل الفسوق سبيلا الى ارتكاب المحرمات من اخذ الاموال وسفك الدماء وسبي الحريم بان يحاربوهم ويكف المسلمون ايديهم عنهم بان يقولوا هذه فتنة. وقد نهينا عن القتال فيها وهذا مخالف للامر بالاخذ على ايدي السفهاء انتهى
وقد اخرج البزار في حديث القاتل والمقتول في النار زيادة تبين المراد وهي اذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار ويؤيده ما اخرجه مسلم بلفظ لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل
فقيل كيف يكون ذلك؟ قال الهرج القاتل والمقتول في النار. قال القرطبي تبين هذا الحديث ان القتال اذا كان على جهل من طلب الدنيا او اتباع هوى فهو الذي اريد بقوله القاتل والمقتول في النار
قلت ومن ثم كان الذين توقفوا عن القتال في الجمل اقل عددا من الذين قاتلوا وكلهم متأول مأجور ان شاء الله. بخلاف من جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا كما سيأتي عن ابي برزة الاسلمي والله اعلم
ومما يؤيد ما تقدم ما اخرجه مسلم عن ابي هريرة رفعه من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة او يدعو الى عصبة او ينصر عصبة فقتل قتلته جاهلية فقدرته جاهلية اخرجه مسلم
واستدل بقوله انه كان حريصا على قتل صاحبه من ذهب الى المؤاخذة بالعزم وان لم يقع الفعل واجاب من لم يقم بذلك ان في هذا فعلا وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال
ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار ان يكونا في مرتبة واحدة القاتل يعذب على القتال والقتل والمقتول يعذب على القتال فقط فلم يقع التعذيب على العزم المجرد. انتهى انظر فتح الباري لابن حجر الجزء الثالث عشر صفحة
ثلاثة وثلاثين والتوضيح لشرح الجمع الصحيح لابن الملقن الجزء الثاني والثلاثين صفحة ثلاثمائة وثلاثين تنبيه على اشكال وجوابه. قال ابو محمد ابن قتيبة في اختلاف الحديث قالوا رويتم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل دون ما له فهو شهيد
ثم رويتم كن حلس بيتك فان دخل عليك فادخل مخدعك فان دخل عليك فقل باثمي واثمك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل فان الله تعالى ضرب لكم بابنه ادم مثلا فخذوا خيرهما ودعوا شرهما. قالوا وهذا خلاف الحديث الاول
قال ابو محمد ونحن نقول ان لكل حديث موضعا غير موضع اخر فاذا وضعا بموضعيه ما زال الاختلاف لانه اراد بقوله من قتل دون ما له فهو شهيد. من قاتل النصوص عن ما له حتى يقتل
في منزله وفي اسفاره ولذلك قيل في حديث اخر اذا رأيت سوادا في منزلك فلا تكن اجبان السوادين يريد تقدم عليه بالسلاح فهذا موضع الحديث الاول واراد بقوله كن هلس بيتك فان دخل عليك فادخل مخدعك
فان دخل عليك فقل بؤ باثمي واثمك وكن عبدالله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل اي افعل هذا في زمن الفتنة واختلاف الناس على التأويل وتنازع سلطانين كل واحد منهما يطلب الامر ويدعيه لنفسه
بحجة يقول فكن حلس بيتك في هذا الوقت. ولا تسل سيفا ولا تقتل احدا. فانك لا تدري من المحق من الفريقين ومن المبطل؟ واجعل دمك دون دينك وفي مثل هذا الوقت قال القاتل والمقتول في النار
اما قوله تعالى وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى امر الله فانه امر بذلك الجميع منا بعد الاصلاح وبعد البغي
وامر الواحد والاثنين والثلاثة اذا لم يجتمع ملؤنا على الاصلاح بينهما ان نلزم منازلنا ونقي ادياننا باموالنا وانفسنا انتهى انظر تأويل مختلف الحديث صفحة مائة خمسة وخمسين وقال الحافظ ابن حجر في الفتح
وفي رواية لابي داوود والترمذي من اريد ماله بغير حق تقاتل فقتل فهو شهيد ولابن ماجة من حديث ابن عمر نحوه وروى الترمذي وبقية اصحاب السنن من حديث سعيد بن زيد نحوه
وفيه ذكر الاهل والدم والدين وفي حديث ابي هريرة عند ابن ماجة من اريد ما له ظلما فقتل فهو شهيد قال النووي فيه جواز قتل من قصد اخذ المال بغير حق
سواء كان المال قليلا او كثيرا وهو قول الجمهور وشذ من اوجبه وقال بعض المالكية لا يجوز اذا طلب الشيء الخفيف قال القرطبي سبب الخلاف عندنا هل الاذن في ذلك من باب تغيير المنكر
فلا يفترق الحال بين القليل والكثير او من باب دفع الضرر فيختلف الحال وحكى ابن المنذر عن الشافعي قال من اريد ما له او نفسه او حريمه فله الاختيار ان يكلمه او يستغيث
فان دفع او امتنع لم يكن له قتاله والا فله ان يدفعه عن ذلك ولو اتى على نفسه وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة لكن ليس له عمد قتله
قال ابن المنذر والذي عليه اهل العلم ان للرجل ان يدفع عما اذا اريد ظلما بغير تفصيل الا ان كل من يحفظ عنه من علماء الحديث المجمعين على استثناء السلطان
للاثار الواردة بالامر بالصبر على جوره وترك القيام عليه وفرق الاوزاعي بين الحال التي للناس فيها جماعة وامام فحمل الحديث عليها واما في حال الاختلاف والفرقة فليستسلم ولا يقاتل احدا
ويرد عليه ما وقع في حديث ابي هريرة عند مسلم بلفظ ارأيت ان جاء رجل يريد اخذ مالي؟ قال فلا تعطه قال ارأيت ان قاتلني؟ قال فاقتلها قال ارأيت ان قتلني؟ قال فانت شهيد. قال ارأيت ان قتلته؟ قال فهو في النار
قال ابن بطال انما ادخل البخاري هذه الترجمة في هذه الابواب ليبين ان للانسان ان يدفع عن نفسه وماله ولا شيء عليه فانه اذا كان شهيدا اذا قتل في ذلك
فلا قود عليه ولا دية اذا كان هو القاتل انتهى
