الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله اما بعد فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته هذه الليلة نشرع في باب الاستغفار والتوبة وما ذكر تحته من الاحاديث والاذكار فاول ذلك ما جاء من حديث ابي هريرة
رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والله اني لاستغفر الله واتوب اليه في اليوم اكثر من سبعين مرة هذا الحديث اخرجه الامام البخاري رحمه الله في صحيحه
فقوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والله اني لاستغفر لاستغفر الله واتوب اليه اليوم اكثر من سبعين مرة اذى على سبيل التحضيظ والتحريظ فيخبره صلى الله عليه وسلم
عن كثرة استغفاره وتوبته الى ربه تبارك وتعالى تعليما للامة وتحريظا من اجل ان يكثروا من الاستغفار والتوبة فذكر ذلك مبتدأ بالقسم والله والنبي صلى الله عليه وسلم ليس عند السامع من اهل الايمان
ادنى شك في صدقه عليه الصلاة والسلام يكون القسم قد ورد تأكيدا لقوله عليه الصلاة والسلام وان لم يكن ثمة شك لدى المخاطب اني لاستغفر الله استغفر الله من ماذا
النبي صلى الله عليه وسلم غفر له ما تقدم من ذنبه. استغفر الحروف الاولى التي زيدت في اول هذه اللفظة التي اصلها غفر تلك للطلب استغفر يعني اطلب المغفرة وعرفنا ان الغفر يدل على الستر
كما يدل ايضا على الوقاية الستر والوقاية فاذا قال العبد استغفر الله معناها انه يطلب ستره فلا يفتضح في الدنيا ولا في الاخرة المغفر يستر رأس المقاتل يغطيه كما انه يقيه ضرب السلاح
فيكون قد وقي ما يتخوفه من جرائر واثار الذنوب والمعاصي فقوله صلى الله عليه وسلم اني لاستغفر الله واتوب اليه يستغفر من ماذا وقد غفر له ما تقدم من ذنبه
وما تأخر عليه الصلاة والسلام. وبعضهم يقول ان ذلك باعتبار التقصير في الطاعة فهذا قد يقع من العبد في بعض الاحوال ومهما بذل العبد ومهما عبد ربه فانه لا يوفي
حقه ونعمه عليه الظاهرة والباطنة لان كل عبادة متجددة يهدى اليها العبد ويوفق علما وعملا فان ذلك نعمة جديدة تستوجب شكرا جديدا. وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها يعني مجرد الاحصاء فضلا عن
الشكر المرتب عليه فهنا بعضهم قال من التقصير ان العبد مهما اجتهد وجد فانه لا يوفي نعم الله عليه فيستغفر النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يعقب
كثيرا من العبادات بالاستغفار فكان اذا انصرف من صلاته عليه الصلاة والسلام كان يستغفر ثلاثا يستغفر ثلاثا وهكذا ايضا والمستغفرين بالاسحار فالسحر وقت للاستغفار يكون قد قضى ليلا في قيام الليل ثم بعد ذلك يستغفر
في وقت السحر. اني لاستغفر الله اي اطلب منه المغفرة واتوب اليه التوبة بمعنى الرجوع الى الله تبارك وتعالى بعد التقصير  الاساءة او المعصية ونحو ذلك فهذا يكون من قبيل الرجوع والاول طلب
المغفرة. يعني ان الاول من قبيل السؤال والدعاء والطلب والثاني من قبيل الفعل لان التوبة عمل من الاعمال القلبية وقد مضى الكلام على ذلك مفصلا في اخر الاعمال القلبية فكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من هذا كما جاء في حديث ابن عمر
رضي الله تعالى عنهما انا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يعني الواحد رب اغفر لي وتب علي انك انت التواب الغفور مئة مرة هنا في حديث
ابي هريرة اكثر من سبعين مرة اكثر الى اي مدى؟ الله اعلم لكنه هنا في حديث ابن عمر في المجلس الواحد وهذه الصيغة المذكورة في حديث ابن عمر هي من صيغ
التوبة التي يمكن ان يعبر بها المؤمن يقول رب اغفر لي وتب علي انك انت التواب الغفور يعني في قوله صلى الله عليه وسلم اني لاستغفر الله واتوب اليه. هنا خبر عن الاستغفار والتوبة. لكن ما ذكر الصيغة
ما الذي كان يقوله صلى الله عليه وسلم؟ الصيغة التي يعبر بها عن الاستغفار هل كان يقول استغفر الله؟ اتوب الى الله مثلا؟ استغفر الله واتوب اليه هنا في حديث ابن عمر
اخبرنا عن قوله صلى الله عليه وسلم رب اغفر لي وتب علي انك انت التواب الغفور. يمكن ان تردد هذا كثيرا في اليوم والليلة. هنا يقول كان في المجلس الواحد عليه الصلاة والسلام يعدون له مئة مرة
يقول مثل هذا الكلام. المجلس الواحد معنى ذلك في المجالس بخلوته في ذهابه ومجيئه عليه الصلاة والسلام كم كان يقول مثل هذا ثم نرجع الى انفسنا بعد ذلك وننظر كم مرة نقول هذا في اليوم والليلة على كثرة التقصير والذنوب
والمقارفات التي يعلمها الله تبارك وتعالى ويسترها فهذا في اليوم وعرفنا ان اليوم شرعا يكون ما بين طلوع الفجر الى غروب الشمس ويكون في لغة العرب من طلوع الشمس الى
الى غروبها اكثر من سبعين مرة وفي حديث انس اني لاستغفر الله في اليوم سبعين مرة سبعين مرة والزيادة لا تنافي لا تنافي ذلك فقد كان يزيد عليه الصلاة والسلام
فان قوله اكثر من سبعين اكثر هذا مبهم يمكن ان يفسر بالحديث الاخر انه يبلغ الى المئة بل اكثر من ذلك لانه في المجلس الواحد يقول هذا مئة مر عليه الصلاة
والسلام مع انه مغفور له عليه الصلاة والسلام ما تقدم من ذنبه وما تأخر فالاستغفار في حد ذاته عبادة وفعله هذا تعليم للامة ايضا كثرة الاستغفار والتوبة الى الله تبارك وتعالى. كذلك الاستغفار يكون لترك
لترك الاولى وبعضهم يقول يحتمل ان يكون قال ذلك تواضعا او ما وقع على سبيل السهو او ما قبل النبوة وقيل ايضا ربما لاشتغاله في بعض الاوقات بمصالح الامة والنظر في
جهاد الاعداء ومحاربة الكفار ونحو ذلك من الاشغال والاعمال التي قد ينشغل بها عن الذكر ويستغفر ربه تبارك وتعالى. مع ان هذه الامور من اجل العبادات عن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى والقيام على مصالح
الامة وتدبير شؤونها ومع ذلك كان يستغفر عليه الصلاة والسلام وهكذا ايضا فان الطبع كما يقول بعض اهل العلم لربما يتجدد يتجدد له شيء من موجبات الاستغفار يعني كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وانه ليغان على قلبي
وانه ليغان وقد مضى الكلام على معنى هذه الجملة فمثل ابن الجوزي رحمه الله يقول بانها فوات الطباعة البشرية لا يسلم منها احد والانبياء عليهم الصلاة والسلام لم يعصموا من
الصغائر كذلك ايضا فان الله تبارك وتعالى يقول وما كان الله ليعذبهم وانت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ترى امانين الاول وجود النبي صلى الله عليه وسلم والثاني
الاستغفار الاستغفار الاستغفار امان من نزول العذاب فاذا كان هذا ينفع الكفار وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون كفار فكيف باهلي الايمان وكذلك ايضا نزول البركات فان الله تبارك وتعالى فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا
يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم باموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا الاستغفار يكون سببا لي خيرات الدنيا والاخرة به تجلب المسرات والانشراح وبه تدفع النقم والعقوبات الخاصة والعامة
الى غير ذلك مما ذكره اهل العلم ولا شك كما قال بعض شراح الصحيح ان اولى العباد بالاجتهاد في العبادة والاستغفار هم الانبياء عليهم الصلاة والسلام لما حباهم الله تبارك وتعالى به من معرفته. يعني بمعنى انه
كلما كان العبد بربه اعرف بصفات عظمته ودلائل قدرته ونحو ذلك من اوصاف الكمال فانه يعرف انه لا يوفي حقه اذا عرف العبد ربه وعرف نعمه الظاهرة والباطنة عليه فان ذلك يجعل العبد يستشعر التقصير دائما ما عبدناك حقا
عبادتك فيستغفر ويجدد التوبة دائما فهؤلاء دائبون في شكر ربهم معترفون له بالتقصير لا يدلون عليه بالاعمال كما يفعل الجهلاء وانما هي كانت والخشوع وقد ذكر شيخ الاسلام رحمه الله بان العباد عموما لابد لهم من الاستغفار اول العباد واخر
عباد كل العباد وقد ذكر الله عز وجل عن ادم ابي البشر عليه الصلاة والسلام انه استغفر ربه وتاب اليه فاجتباه ربه وتاب عليه وهداه بخلاف ابليس الذي ابى واستكبر
فلعنه الله عز وجل واقصاه فمن اذنب فتاب وندم فقد اشبه اباه ومن اشبه اباه فما ظلم قل ولهذا قرن الله تبارك وتعالى بين التوحيد والاستغفار في عدد من الايات كما في قوله فاعلم انه لا اله الا الله واستغفر
ذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. وقال فاستقيموا اليه واستغفروه فقرن بين الاستقامة والاستغفار لان العبد مهما فعل فانه لا بد من تقصير لابد من تقصير فيحتاج مع ذلك الى الى استغفار وذكر في موضع اخر اعني شيخ الاسلام
ابن تيمية رحمه الله ان الصديق والنبي عليهم عليه الصلاة والسلام يقول انما كملت مرتبته وانتهت درجته وتم علو منزلته في نهايته لا في بدايته وانما نال ذلك بفعل ما امر الله به من الاعمال الصالحة
وافضل ذلك التوبة وما وجد قبل التوبة فانه لم ينقص صاحبه ولا يتصور ان بشرا يستغني عن التوبة كما في الحديث يا ايها الناس توبوا الى الله فاني اتوب الى الله في اليوم اكثر من سبعين مرة وقال وانه
قانوا على قلبي واني لاستغفر الله في اليوم مئة مرة وكذلك في قوله اللهم اغفر لي خطئي وجهلي وعمدي كل ذلك عندي فهذا فيه من الاعتراف يعني بالتقصير والذنب ما لا يخفى. وهكذا ذكر الحافظ ابن القيم
رحمه الله وتكلم وذكر الاستغفار في استفتاح الصلاة وفي خاتمة الصلاة وانه علم افضل الامة يعني ابا بكر رضي الله تعالى عنه ليستغفر في صلاته ويعترف على نفسه بظلم كثير وقد مضى الكلام على هذا الذكر المتعلق
به والله تبارك وتعالى امر نبيه صلى الله عليه وسلم واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات. فيقوله ممتثلا استغفر الله واتوب اليه والله يقول ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر
يقول ابن القيم فاهل السماء واهل الارض محتاجون الى مغفرته كما هم محتاجون الى رحمته ومن ظن انه يستغفر ومن ظن انه يستغني عن مغفرة الله فهو كمن ظن انه مستغن عن رحمته
فلا يستغني احد عن مغفرته ورحمته كما لا يستغني عن نعمته ومنته فلو امسك عنهم فضله ومنته ورحمته لهلكوا وعذبوا ولم يكن ظالما وحينئذ فتصيبهم النقم بامساك فضله وكل نقمة منه عدل الى اخر ما ذكر الى ان يقول والتوبة لابد فيها من صدق بحيث اذا تاب الانسان الى
الله اقلع عن الذنب. اما الانسان الذي يتوب بلسانه وقلبه منطوي على فعل المعصية او على ترك الواجب او يتوب الى الله بلسانه وتكون جوارحه في حال من الاستمراء والاستمرار
على المعصية فان هذا لا تنفعه هذه التوبة حينما تقول اتوب الى الله يجب ان يعزم الانسان على هذه التوبة فعلا وان يعقد قلبه والا فانه ويكون يكون كاذبا هذا الذي يقول اتوب الى الله
وقلبه مصر على المعصية هو مستمر عليها عازم على فعلها. كلما لاحت له الفرصة مثل هذا لم يتب في الحقيقة. وانما يقول ذلك كاذبا ولو عامل احدا من البشر بهذه الطريقة فانه يكون مستخفا
مستخفا به مستهزئا ومن هنا فان العبد يجب عليه دائما ان يجدد التوبة. شيخ الاسلام رحمه الله كان يقول يقول اني في كل يوم اجدد اسلامي وما صح لي اسلام بعد
استشر اذا كثر علم الانسان وعرف ربه عرف شدة التقصير. اذا عرف تفاصيل الصراط المستقيم وشرائع الاسلام بتفاصيلها وعرف كثرة ما يعرض على القلب من العوارض التي تشوشه وتشغله وتصرفه عن ربه وخالقه تبارك وتعالى فانه يحتاج في كل يوم الى تجديد
ادي متنوعة منها ما يتعلق بالشهوات الشهوات التي تتعلق بالنفس شهوات تتعلق بالغير هناك اشياء تتعلق امور مما دنسوا التوحيد والاعتقاد والاخلاص لله تبارك وتعالى كالرياء والسمعة فهذا يأتي للانسان في خواطره في حركاته
كناته في صمته وكلامه يأتيه في ذكره وقراءته للقرآن وصلاته ونحو ذلك يحتاج الى تعاهد مستمر يحتاج الى تجديد يحتاج الى توبة والى استغفار هذه الاعمال التي نعملها في اليوم والليلة الاعمال الكثيرة
من ذهاب ومجيء وتجارة ووظيفة اكل وشرب ونوم هذه لا تخلو من تقصير فيما نعافسه مما تكون فيه المؤاخذة وفي قلة الشكر ايضا على ذلك لو ان الانسان لم يحصل له
مراده من نوم او اكل وشرب او نحو ذلك فانه يكون في حال اخرى تماما لا يطيب له العيش. ثم تتابع عليه انواع العلل يعني ان لم يستطع النوم فان ذلك يتبعه امور اخرى الارق
يتبع ذلك ايضا من الامور التي لربما تتحول الى قضايا تستعصي على الاطباء. ومبدأ ذلك هو ذهاب النوم ومجافاة النوم عنه. فهذا هذه نعم تحتاج الى شكر. فاذا تأمل العبد في هذا وتأمل الى عباداته القليلة
تأمل فيها ونظر مع كثرة النيات التي تداخلها. المقاصد تحتاج الى مجاهدة دائما العبد يحتاج الى مجاهدة وهو في بيته. فكيف اذا كان بحضرة الناس فكيف لو كان هذا الانسان مما
لربما يبتلى بشيء مما يستحسنه الاخرون كان يكون هذا الانسان مثلا يصلي للناس وله صوت حسن جذاب يصلي خلفه الجموع الالاف المؤلفة. فهذا كيف يستطيع ان يجاهد نفسه؟ اذا كان هذا الانسان قد توجه اليه
انظار الناس بسبب البريق الاعلامي والظهور الاعلامي والشهرة وما الى ذلك. هذا يحتاج الى مجاهدة مضاعفة بكل تصرفاته وحركاته. هذا في النهاية قد يصعب عليه ان يزن الحركات. يزن الخطى وحركة العين
وحركة اليد وحركة قد يكون له في كل حركة رياء نسأل الله العافية الامر ليس بالشيء السهل يحتاج العبد ان يجدد اسلامه كل يوم ان يتوب الى الله كل يوم ويستغفر الله تبارك وتعالى مئات المرات
لعله ان يثقل قلبه وان يرجع وان يتوب والا فانه يكون سادرا في غيه ولو كان في الظاهر لربما مصلحا معلما للناس الخير داعيا اليه ونحو ذلك الا ان هذه النية تتحول وتتقلب على الانسان لا يستطيع ان
يضبط ذلك ما لم يكن له مجاهدات واستعانة بالله تبارك وتعالى وكان الربيع ابن خثيم رحمه الله يقول لا تقل استغفر الله واتوب اليه فيكون ذنبا وكذبا ان لم تفعل بل قل اللهم اغفر لي وتب علي
هو نظر اليها باعتبار الجزء الثاني الذي هو واتوب اليه انه لم يتب. لكن ينبغي على العبد ان يتوب فعلا وليس يقول فقط تب علي. بل عليه ان يتوب وان يصدق في هذا
بهذه التوبة هذا هو الصحيح ومناقشات العلماء لهذه الجملة التي قالها الربيع يمكن ان يقال في ذلك هذا التفصيل والله تعالى اعلم. فالعبد بحاجة الى ان يدعو ربه وتب عليه
وكذلك هو بحاجة الى ان يتوب من اجل ان يتوب الله عليه لكن لا يكون كاذبا بحيث يقول اني تبت اتوب الى الله استغفر الله واتوب اليه وهو لم يتوب
هذا واسأل الله عز وجل ان ينفعنا واياكم بما سمعنا وان يجعلنا واياكم هداة مهتدين. والله اعلم وصلى الله على نبينا محمد واله وصحبه
