الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله اما بعد فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته تحدثوا في هذه الليلة عن الحديث الاخير في باب الاستغفار والتوبة وهو حديث الاغر المزني رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
انه ليغان على قلبي واني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة وقد مضى الكلام على ما تضمنه هذا الحديث في بعض المناسبات ولكن هذا الموضع الذي ورد ذكره في هذا الكتاب
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وقوله عليه الصلاة والسلام انه ليغان على قلبي يعني انه الشأن ليغان الغين في اللغة يقال لي العطش وكذلك ايضا للغيم يقال غينة على كذا يعني غطي
غطي عليه فيكون قوله صلى الله عليه وسلم انه ليغان على قلبي يحتمل ان يكون بمعنى الستر تغطية التغشية ونحو ذلك من المعنى على خلاف بين اهل العلم بمحمله وبعضهم يقول هو شيء يعتري القلب
مما يقع من حديث النفس وذكر القاضي عياض رحمه الله بان المراد بذلك ما يحصل من الفترات والغفلات في الذكر الذي من شأنه صلى الله عليه وسلم ان يداوم عليه
فاذا حصل له صلى الله عليه وسلم فترة لاي سبب كان كما سيأتي فانه يعد صلى الله عليه وسلم ذلك تقصيرا وذنبا فيستغفر وهذا كما قال بعض اهل العلم بان هذا الانشغال
والانقطاع يكون بسبب نظره صلى الله عليه وسلم في في مصالح الامة ومحاربة اعدائها والقيام على شؤونها وتأليف المؤلفة قلوبهم وهكذا ايضا ما يتصل بمعاشرة اهله واكله وشربه ونومه مما تدعيه مما تدعو اليه وتقتضيه
جبلة هذا كله مما قيل في بيان المراد بقوله وانه ليغان انه ليغان على قلبي ما يحصل للقلب من حال تعتريه على كثرة استغفاره صلى الله عليه واله وسلم وقد
ذكر اهل العلم بان هذا الذي يحصل له من التغشية لا يخلو عنه بشر مما يقع من السهو وما الى ذلك من حاجات النفس فكأنه شيء يحصل للقلب ويعتريه بسبب ذلك
فهنا هذا يحتاج الى تصفية وتنقية واستغفار ليجلو القلب ويزيح عنه اثر ذلك وان لم يكن من قبيل الذنب لكن هو بالنسبة لاحواله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من الكمالات في الذكر والعبادة والاستغفار
فان ذلك يعده صلى الله عليه وسلم من قبيل التقصير فيستغفر وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله الاستشكال المعروف من كونه صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف يقع منه الاستغفار عليه الصلاة والسلام
ولم يكن عليه الصلاة والسلام مؤاخذا في شيء فذكر اجوبة لاهل العلم في ذلك كقول بعضهم بان ذلك يرجع الى ما تقدم من تفسير الغين فيستغفر من اجل ان يجلوه
وهكذا قول من قال بان الاستغفار من التقصير في اداء الحق الذي يجب لله عز وجل فان العبد مهما فعل فانه لا يؤدي شكر نعمة الله تبارك وتعالى عليه. وان تعدوا نعمة الله
لا تحصوها. هذا بالاضافة الى ما يكون عليه العبد من الاشتغال في امور من المباحات مما تقتضيه جبلته. وكما ما ذكرنا من قبل بان الانسان حينما يخرج من الخلاء فانه يقول غفرانك
وقد ذكرت وجه ذلك فيما ذكره بعض اهل العلم من انه حصل له انقطاع عن الذكر في هذه المدة اليسيرة مع انه ليس بموضع ذكر فهو ممنوع منه شرعا قالوا لكن الانسان في مثل هذه الحالة حينما يحصل له هذا الانقطاع ولو لهذا الوقت اليسير فانه يشعر بشيء من
التقصير وان كان ممنوعا من الذكر في لحظة دخول الخلاء. وان بعضهم حمل ذلك باعتبار ان خروج ذلك منه انه نعمة فلو بقي منحبسا لكان ذلك فيه غاية الاذى والضرر فلا يستطيع ان يؤدي نعمة الله عز وجل عليه
يقول غفرانك يسأل ربه تبارك وتعالى غفرانه وهكذا ايضا مما قيل من كونه صلى الله عليه وسلم يستغفر تعليما لامته ولكن ما ذكر قبله كأنه اقرب والله تعالى اعلم وقد ذكرت في بعض المناسبات ان قوله صلى الله عليه وسلم انه ليغان على قلبي واني لاستغفر الله في اليوم
مئة مرة هذا يحتمل ان يكون هذا الاستغفار ليحصل به جلاء القلب يعني اذا وجد ذلك من نفسه وقلبه فانه يستغفر من اجل ان يجلوه واني لاستغفر يعني لجلائه وازالته
ومحو اثره هذا يحتمل ويحتمل ان يكون المعنى انه ليغان على قلبي واني لاستغفر يقول معاني استغفر في اليوم مائة مرة ومع ذلك اجد في قلبي ما اجد. فكيف بالذي لا يستغفر اصلا؟ او الذي لا يستغفر الا قليلا ولا يذكر ربه الا قليلا فلا شك ان هذا يجد
على قلبه من العوالق والاثر وما يغشى القلب مما يسبب له الوحشة والضيق والالم ما لا يقادر قدره. فالقلب يجد وحشة في احوال شتى قد تكون هذه الوحشة مستديمة لدى بعض الناس لان الغفلة مستديمة. وقد تكون هذه
الوحشة ترد عليه بين حين واخر فيستوحش من الناس ويستوحش من نفسه ويستوحش من كل شيء حوله ولا يجد في نفسه انبعاثا لخروج او تصرف في شيء من مصالحه او نحو ذلك وانما يؤثر
يؤثر الانفراج ويشعر بشيء من الالم والضيق فهذا انما سببه ما يعلق بالقلب ولكن الغافل لا يشعر بسبب ذلك والجهة التي يرد عليه منها واما اهل الايمان واهل اليقظة فانهم يعرفون من اين اتوا لان ذنوبهم
وجناياتهم قليلة فاذا حصل منه التقصير في امر من الامور فهو يعرف انه قد اوتي من هذا الجانب فيبادر بالاستغفار والتوبة. لكن من لا يعرف ذلك وذنوبه وكثيرة وتقصيره كثير كحالنا
فانه ينبغي عليه ان يتوب توبة عامة ويكثر من الاستغفار والتوبة فان ذلك يكون سببا لجلاء قلبه وصلاحه وتحوله الى حال من الراحة والنعيم والسرور والانشراح فلابد للعبد من هذا ثمان قوله صلى الله عليه وسلم واني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة كما سبق انه كان صلى الله عليه وسلم كما مضى
بالاحاديث السابقة انه يتوب في اليوم مئة مرة وكذلك يقول اني لاستغفر الله واتوب اليه في اليوم اكثر من سبعين مرة وكذلك كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه انهم يعدون له في المجلس الواحد
عليه الصلاة والسلام نحوا من ذلك اذا من اهل العلم من قال ان ذلك يقصد به الكثرة وليس المئة فالانسان قد يذكر المئة وقد يذكر السبعين يريد بذلك التكثير يريد بذلك التكفير. وسواء قيل
المعنى انه ليغان على قلبي واني لاستغفر الله يعني لجلائه لمداواته بالاستغفار فهذا يدل على ان الاستغفار يجلو القلب ولا شك الاستغفار والذكر انه جلاء للقلب والقلب لا غنى له
عن ذلك بحال من الاحوال ومن الذي يدعي الكمال اذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فغيره من باب اولى. غفر له ما تقدم من ذنبه وهو كثير الذكر عليه الصلاة والسلام والاتصال
قال بربه وينزل عليه الملك صباح مساء ومع ذلك هو بهذه المثابة من الاستغفار والذكر عليه الصلاة والسلام وكذلك ايضا على المحمل الاخر انه ليغان على قلبي يعني ومع ذلك
اجد ما اجد من الاثر ليغان على قلبي مع كثرة هذا الذكر والاستغفار. اذا لا نستغرب نحن ما يعتري هذه القلوب من الوان الشدائد والكروب والضيق وما يعتريها من الوان الالم والعصرة
فان ذلك بسبب جناياتها والله المستعان والجزاء من جنس العمل. فمن اراد ان يتوسع في الملاذ فان ذلك يورثه ضيقا في الصدر واذا حبس العبد جوارحه عن مساخط الله تبارك وتعالى
او عن اسباب الغفلة وموجباتها من التوسع في المباحات فان ذلك يكون سببا لاتساع وانشراح في صدره سواء بسواء والجزاء من جنس العمل فمن قصرت خطواته في معصية الله عز وجل
فان ذلك يعوض منه انفساحا واتساعا في صدره وانشراحا ولذة يجدها في الدنيا قبل لذة الاخرة ونعيم الاخرة. فالنعيم هو نعيم القلب وليس بنعيم الجسد اما اللذات المحرمة فهي مرة المذاق
وهي مشؤومة العواقب لا يلبث صاحبها ان يجد من جراء ذلك من اثارها من الالام والحسرات تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الاثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار
فهو يلتذ بشيء عاجل سرعان ما يتحول الى الم وعصرة نسأل الله عز وجل ان يلطف بنا وان يغفر لنا ولوالدينا ولاخواننا المسلمين وان يشرح صدورنا وييسر امورنا وان يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وان يعيذنا من شر الشيطان وشركه ووسعه
انه سميع مجيب والله اعلم وصلى الله على نبينا محمد واله وصحبه السلام عليكم ورحمة الله
