﻿1
00:00:00.033 --> 00:00:00.972
السلام عليكم

2
00:00:01.182 --> 00:00:04.106
- لماذا أُنجب أصلا وأتحمَّل تعب الأولاد؟!

3
00:00:04.309 --> 00:00:07.796
هل لمجرَّد أن أبدوَ طبيعيةً كباقي الناس؟!

4
00:00:07.879 --> 00:00:12.959
- هل الأولاد نعمةٌ حقا، وهم في صغرهم مصدرُ إرهاقي وشدِّ أعصابي،

5
00:00:13.049 --> 00:00:17.555
ثم إذا كَبِروا قليلًا عاشوا في عالمِهم الخاصِّ بعُزْلة عني،

6
00:00:17.659 --> 00:00:19.666
ثم إذا استقلُّوا وتركوا البيت

7
00:00:19.769 --> 00:00:25.434
تركوني لحُزني واكتئابي ولزوج ٍتوتَّرت علاقتي به لأجلهم؟!

8
00:00:25.645 --> 00:00:31.502
- هل يُعقلُ أن أرسلَ أبنائي للمدرسة، حتى إن أحسست أنها لا تقومُ بدورها،

9
00:00:31.573 --> 00:00:36.871
لكن من قبيل أن أرتاح من إزعاجهم لبضع ساعات أراعي فيها شؤوني قليلًا؟!

10
00:00:37.025 --> 00:00:41.577
- تقولون: إنَّ من أهمِّ أعمال المرأة تربيةَ أبنائها، التربية فقط؟!

11
00:00:41.577 --> 00:00:46.869
قدراتي وطاقاتي ووقتي ومواهبي أشغلُ معظم ذلك بالتربية فقط؟!

12
00:00:47.073 --> 00:00:51.719
- ألا يكفي أني وضعتُ أولادي في مدرسةٍ نصرفُ عليها مبالغَ ضخمة؟!

13
00:00:51.877 --> 00:00:54.457
-إذا أردتُ أن أُبرِّئ ذمَّتي تِجاه أولادي،

14
00:00:54.664 --> 00:00:59.872
ما الأمور التربويَّة التي يمكن أن أذهبَ بها إلى المدارس عند تسجيل أبنائي،

15
00:01:00.078 --> 00:01:03.053
وأسألَهم عن برامجهم لتحقيقها؟

16
00:01:03.145 --> 00:01:08.098
- ما هي قِصَّة الطبيبَيْن اللذَيْن كانا يعطيان مرضى السرطان ماءً ومِلحًا؟

17
00:01:08.311 --> 00:01:10.477
وما علاقة ذلك بالتربية؟

18
00:01:10.673 --> 00:01:12.807
- تُحذِّروننا من الألعاب الإلكترونية

19
00:01:12.839 --> 00:01:16.485
وتوفيرِ الهواتف للأولاد يفتحون فيها ما شاءوا،

20
00:01:16.539 --> 00:01:18.488
حسنًا وكيف أملأ فراغَهم؟

21
00:01:18.578 --> 00:01:22.087
هل المطلوب أن أَملأ فراغَهم كلَّه بنفسي وأنسى حالي؟

22
00:01:22.212 --> 00:01:25.320
-ماذا إذا كنت لا أجد نفسي في زوجي وأولادي،

23
00:01:25.460 --> 00:01:28.785
وإنما في العمل الَّتطوعي والتَّثقيفي بل والدَّعوي؟

24
00:01:28.915 --> 00:01:31.255
أليستْ هذه أهدافًا سامية؟!

25
00:01:31.474 --> 00:01:34.181
- زوجي لا يتعاون معي على تربية أولادنا،

26
00:01:34.395 --> 00:01:37.294
هل من العدل أن أتحمَّل الحِملَ وحدي؟!

27
00:01:37.314 --> 00:01:41.107
- حاولتُ أن أصلحَ ابني أو ابنتي لكنه ضلَّ وانحرف،

28
00:01:41.368 --> 00:01:44.962
وأنا مُحبَطةٌ حزينةٌ عليه، فماذا أفعل؟

29
00:01:45.109 --> 00:01:48.565
- لماذا يظهرُ موضوعُ التربية عميقًا وليس بالسهل؟

30
00:01:48.773 --> 00:01:53.457
أليست المسألة أيسر من ذلك، وكلُّ مولود يولد على الفطرة؟!

31
00:01:53.701 --> 00:01:54.997
بداية القصة -يا كرام:

32
00:01:55.353 --> 00:01:57.006
خلق الله الخلق لغاية،

33
00:01:57.271 --> 00:02:03.421
العبوديةُ لله بمفهومها الشامل الذي تكلَّمنا عنه المرَّة الماضية،

34
00:02:03.537 --> 00:02:06.361
هذه العبودية تحتاج نفوسًا شريفةً،

35
00:02:06.591 --> 00:02:11.680
عبَّر عن تشريفها الحفاوةُ باستقبال الإنسان وسجودُ الملائكة له

36
00:02:11.955 --> 00:02:14.610
ثم تسخيرُ كلِّ شيء لخدمته،

37
00:02:14.677 --> 00:02:19.262
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ

38
00:02:19.389 --> 00:02:22.779
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (القرآن 45: 13)

39
00:02:22.849 --> 00:02:25.284
كلُّ شيءٍ هو لأجلك وفي خدمتك؛

40
00:02:25.344 --> 00:02:30.102
لتحقِّقَ هدفَ وجودِك من العبودية لله بمفهومها الشامل.

41
00:02:30.223 --> 00:02:35.901
ستحتاج لاكتساب صفات الشرف والكرامة لتَرقَى نفسُك لمهمة العمل للغاية العظمى،

42
00:02:35.992 --> 00:02:40.522
ولتحصيل العزة والتمكين والاستخلاف اللائق بأولياء الله،

43
00:02:40.747 --> 00:02:44.710
لذلك: ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ (القرآن 17: 15)،

44
00:02:44.362 --> 00:02:47.392
فأنت المستفيدُ في عمليَّةِ تأهيلها هذهِ،

45
00:02:47.433 --> 00:02:50.604
بالإضافة إلى النعيم المقيم في جنات الخلود.

46
00:02:50.783 --> 00:02:56.090
في المقابل: من تَغافل عن غاية وُجودِه ونَسِيَ ربَّه حُرِم هذا الشَّرفَ

47
00:02:56.296 --> 00:03:00.932
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ (القرآن 59: 19)

48
00:03:00.982 --> 00:03:04.288
أنساهم أن يعملوا لخير أنفسهم وأن يُزكُّوها

49
00:03:04.456 --> 00:03:10.287
ويَبْنوا منها إنسانًا يعمل للغاية العظيمة التي أُوجِد من أجلها.

50
00:03:10.416 --> 00:03:13.703
عندما أستحضر أن غاية وجودي هي العبودية لله

51
00:03:13.766 --> 00:03:18.669
وما يَتْبعها من نَعيمٍ فإنَّ أفعالي كلَّها تَصُبُّ في تحقيق هذه الغاية،

52
00:03:18.864 --> 00:03:21.840
حتى الأفعالُ الفطريَّةُ كالزّواج والإنجاب،

53
00:03:21.883 --> 00:03:27.578
ومن جمال العبوديّة لله أنها تُعَزِّز لنا الاستمتاع الفطريَّ بنعمة الأولاد

54
00:03:27.710 --> 00:03:32.671
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ...

55
00:03:32.761 --> 00:03:34.982
وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (القرآن 25: 74)

56
00:03:35.008 --> 00:03:37.584
قرةَ أعينٍ في الدّنيا وفي الآخرة،

57
00:03:37.685 --> 00:03:42.057
مقابلَ الذين نسوا اللهَ فانقَلبتْ قرةُ العينِ عذابًا

58
00:03:42.299 --> 00:03:45.174
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ...

59
00:03:45.348 --> 00:03:50.162
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...

60
00:03:50.182 --> 00:03:52.812
وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (القرآن 9: 55)

61
00:03:52.950 --> 00:03:55.963
أبنائي امتدادٌ لمشروعي بعد وفاتي؛

62
00:03:56.083 --> 00:03:58.316
«أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (صحيح مسلم)،

63
00:03:58.406 --> 00:04:03.656
لكنْ حتى يكونوا كذلك لا بدَّ من أن أبنيَ فيهم الإنسانَ الشريفَ الكريم

64
00:04:03.829 --> 00:04:05.899
كما أحبَّ اللهُ له أن يكون،

65
00:04:05.989 --> 00:04:07.630
وهذه هي التربية،

66
00:04:07.740 --> 00:04:13.772
كل هذا يجعل أبنائي وتربيتَهم في بُؤرَة اهتماماتي، فيصبحون أهمَّ مشاريعي.

67
00:04:13.839 --> 00:04:18.924
تبدأ المشكلة إخواني إذا نسينا الغاية العظمى من العبودية لله في هذا كلِّه،

68
00:04:19.011 --> 00:04:23.446
ولما كانت هذه الكلمةُ هي ضمنَ سلسلةٍ لكِ أنتِ -أيتها المسلمة-

69
00:04:23.548 --> 00:04:26.384
فسيكون تركيزُنا فيها على نفسكِ أنت؛

70
00:04:26.674 --> 00:04:28.057
دورِها في التربية،

71
00:04:28.180 --> 00:04:33.001
لأنَّها ضمنَ دائرة النجاح في الأساسيات التي تكلَّمنا عنها

72
00:04:33.050 --> 00:04:38.133
قبل أن تنطلقي لمحاولة النّجاح والبحث عن الذات في مجالاتٍ أخرى

73
00:04:38.305 --> 00:04:42.839
تائهةً عن خارطة الأساسيات والأولويات التي تكلَّمنا عنها.

74
00:04:42.952 --> 00:04:45.582
التربية مسؤوليةٌ مشتركةٌ من الزوجين.

75
00:04:45.843 --> 00:04:47.848
ماذا إن قَصَّر الأب؟ - سنجيب،

76
00:04:47.911 --> 00:04:50.999
لكن حديثنا الآن هو لك أنت أيتها الكريمة،

77
00:04:51.049 --> 00:04:57.326
كثيرٌ من النساء عندما تسمع كلمة (تربية)، لا تَجِد لها وقعا كبيرًا في حسِّها.

78
00:04:57.590 --> 00:04:59.701
- تربية؟! أولادي يذهبون للمدارس،

79
00:04:59.721 --> 00:05:04.040
وقد حرصتُ أن أسجلهم في مدارسَ محافظةٍ وبيئات آمنة نسبيًّا،

80
00:05:04.109 --> 00:05:07.317
سيتربّون كما تربيتُ أنا، ماذا عليَّ أكثر من ذلك؟

81
00:05:07.484 --> 00:05:11.041
حسنًا، تعالي نستعرض معًا ماذا تعني التربية،

82
00:05:11.080 --> 00:05:15.506
ثم نرى إن كان ابنُك يحصِّلُها في المدارس أو المجتمع حقًّا:

83
00:05:15.644 --> 00:05:21.298
التربية: تعني أن تُنشِّأ أبناءك على معاني الحياء والشهامة والنخوة والرحمة والكرامة

84
00:05:21.434 --> 00:05:27.948
والعِزَّةِ ورفضِ الظلم، والغضبِ لله، والغيرةِ على الحرمات، والنهيِ عن المنكر، وقوّةِ الشَّخصية،

85
00:05:28.016 --> 00:05:32.119
في هذا العالم الذي يحاول سحقَ هذه المعاني بكل الوسائلِ،

86
00:05:32.338 --> 00:05:36.607
ومنها التَّعليمُ والإعلامُ والرسوم المتحركة والألعابُ الإلكترونية

87
00:05:36.795 --> 00:05:41.555
بما فيها من إيحاءات مدروسةٍ تَهدِم الحياء وتُنمِّي العنف.

88
00:05:41.685 --> 00:05:46.255
التربية: تعني أن تعلِّمي ابنَك كيف يفكر، وكيف يطرحُ الأسئلة الصحيحة،

89
00:05:46.429 --> 00:05:51.113
وكيف يعبر عن نفسه، وكيف يميِّز بين العلم الحقيقيِّ والعلم الزَّائف،

90
00:05:51.233 --> 00:05:53.750
وكيف يَنقُد الأفكار التي تُعرَض عليه،

91
00:05:53.900 --> 00:05:58.513
كيف يعرف المغالطات في النقاش، التي يستخدمها المبطلون ليُشكِّكوه في دينه.

92
00:05:58.634 --> 00:06:00.486
وكيف يَتحقَّقُ من المعلومة.

93
00:06:00.525 --> 00:06:06.641
التربية تعني: أن تُعيني ابنَك وبنتك على اكتشاف نفسه، واستثمار جوانب قوته،

94
00:06:06.678 --> 00:06:11.157
ومن ثَمّ على اختيار الأهداف التي تُناسب قُدُراتِه وظُروفَه

95
00:06:11.328 --> 00:06:13.894
ويُساهم بها في إعزازِ أمَّته.

96
00:06:14.107 --> 00:06:19.556
أن تُعَلِّمي الولدَ أن: كُن نفسك، تَقبَّل نفسك، لا تَتَقَمَّصْ شخصيَّة غيرك،

97
00:06:19.621 --> 00:06:23.495
ولا تُحسَّ بالفشل إن لم تُحقِّق ما حقَّقه غيرُك،

98
00:06:23.658 --> 00:06:27.090
ولا ترسم أهدافًا لا تناسبك؛ فلكلٍّ شخصيته،

99
00:06:27.380 --> 00:06:30.937
لأنَّ ابنكِ بغير ذلك لن يقنع ولن يسعد.

100
00:06:31.049 --> 00:06:36.272
التربية تعني: أن تَدُلِّي أبناءَك على الإجابات عن الأسئلة الوجودية الكبرى:

101
00:06:36.553 --> 00:06:41.960
من أنا؟ من خلقني؟ إلى أين المصير؟ ما الغاية من وجودي؟ لماذا أنا مسلم؟

102
00:06:42.064 --> 00:06:44.137
ما الأدلَّة على أن القرآن من عند الله؟

103
00:06:44.281 --> 00:06:47.987
ما الأدلةُ على نبوة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؟

104
00:06:48.160 --> 00:06:52.270
كيف حُفِظ القرآنُ والسُّنَّة اللذان أرجعُ إليهما في حياتي؟

105
00:06:52.380 --> 00:06:55.602
التربية تعني: ألا يصير عُمُرُ الولَدِ اثنتين وعشرين سنة

106
00:06:55.661 --> 00:07:01.129
أَمْضى منها ثماني عشرة سنة في المدارس والجامعات، وهو لا يعرف إجابة هذه الأسئلة،

107
00:07:01.254 --> 00:07:02.939
بل ولا يعرف كيف يُفكِّر؛

108
00:07:03.153 --> 00:07:05.212
فكلمة تأتي به وكلمة تُذْهِبُه،

109
00:07:05.333 --> 00:07:09.676
ومقالٌ تافهٌ أو مقطع فيديو يَخْلَعه من دينه بكل سهولة،

110
00:07:09.834 --> 00:07:14.903
ويناقشُ بكل سذاجة فاقِدًا لأدنى مقوِّمات التفكير الصحيح

111
00:07:15.069 --> 00:07:19.729
والنقاش العقلاني والنَّقد العلمي، وهو مغرورٌ بظنه أنه متعلم،

112
00:07:19.837 --> 00:07:23.161
بل ربما مهندس أو طبيب أو دكتور جامعي.

113
00:07:23.249 --> 00:07:28.546
التَّربية تعني: أن تربطي أبناءَك وبناتك بالرموز الحقيقية في تاريخهم الإسلامي،

114
00:07:28.691 --> 00:07:30.544
وتُعَرِّفِيهم بتاريخ أمَّتهم؛

115
00:07:30.738 --> 00:07:34.245
ليعلموا أن لهم جذورا عميقةً ويعتزُّوا بها،

116
00:07:34.518 --> 00:07:38.575
بدل أن يكونوا طَحالبَ إِمَّعَاتٍ، مقلِّدين للزُّناة والمخمورين

117
00:07:38.636 --> 00:07:43.036
وتائهي مشاهيرِ مواقعِ التواصل الاجتماعي في لِبَاسِهم وقَصَّاتِ شعرهم وحركاتِهم.

118
00:07:43.186 --> 00:07:45.993
التربية تعني: تعويد ابنك أن يطرح سؤال:

119
00:07:46.070 --> 00:07:48.117
(لماذا أفعل ذلك؟) في كل ما يفعل؛

120
00:07:48.257 --> 00:07:50.794
فهو ليس قَطيعِيًّا مُقلِّدًا تقليدًا أعمى.

121
00:07:50.949 --> 00:07:55.336
التربية تعني: أن تُنَمِّي في طفلك مَلَكَةَ التنبُّؤُ بالمُدْخَلَات؛

122
00:07:55.443 --> 00:08:02.050
فينتبهَ لحيلِ وسائل الإعلام وطُرُقِها في محاولة إعادة صياغة نفسِيَّتِه وقِيَمِه،

123
00:08:02.372 --> 00:08:07.916
وأذكر كيف كان أبي -رحمه الله- يُنَبِّهُنَا على ذلك بمناقشة بعض ما نشاهد،

124
00:08:08.229 --> 00:08:10.195
وكان لذلك أثرٌ كبيرٌ.

125
00:08:10.317 --> 00:08:15.808
التربية تعني: أن تُحبِّبي إلى ابنك وابنتِك طلبَ العلم النافع في كل المجالات،

126
00:08:15.912 --> 00:08:21.242
وإمساكَ الكتبِ ومتابعةَ السلاسل، وشعارهم: (احرصْ على ما ينفعُك)؛

127
00:08:21.377 --> 00:08:23.579
ليَشعروا بالامتلاء العقلي والروحي

128
00:08:23.815 --> 00:08:27.754
بدل الفراغ الذي يَدفَعُهم إلى متابعة توافهِ الـ(youtubers)

129
00:08:27.994 --> 00:08:32.782
أو الإدمانِ على المقاطع الإباحية، أو العيشِ في وهم الألعاب الإلكترونية.

130
00:08:32.938 --> 00:08:38.743
التربية تعني: أن تُولّدي لدى ابنك الحافزية ليتعلم ما يعينه على إتقان أدوات عصرِه؛

131
00:08:38.972 --> 00:08:43.796
ليكون مؤثِّرًا وناجحًا بصفته مسلمًا؛ فيتعلَّم استخدام التقنية وإدارةَ المال

132
00:08:43.834 --> 00:08:46.768
ومهاراتِ الإقناع ومهاراتِ القيادة والعملَ في فريق.

133
00:08:46.865 --> 00:08:50.309
التربية تعني: أن تربطي أبناءك بالصحبة الصالحة،

134
00:08:50.456 --> 00:08:56.058
وتبحثي لهم عن رِفَاق الخير بحثًا، حتى وإن احتجتِ أن تعملي علاقاتٍ مع أمهات؛

135
00:08:56.187 --> 00:08:59.992
لِتُوَفِّري المحاضنَ الآمنة ورِفَاقَ الصلاحِ لأبنائك.

136
00:09:00.148 --> 00:09:04.160
التربية تعني: أن تُعَلِّمي أبناءك وبناتِك ما نبثُه هنا

137
00:09:04.284 --> 00:09:08.088
من حقوق كل فردٍ من أفراد الأسرة وواجباته وأولوياته،

138
00:09:08.172 --> 00:09:11.944
وتُعَلِّمي ابنك أن يصل إخوانه ويحنَّ على أخته.

139
00:09:12.123 --> 00:09:16.048
التربية تعني: أن تعلمي أولادك الجِدِّيَّةَ وتَحَمُّلَ نتائج أفعالهم

140
00:09:16.115 --> 00:09:20.556
وتَوَقُّعَ الألم في الحياة والتعامُلَ معَه بصبرٍ ورضا،

141
00:09:20.696 --> 00:09:24.995
وأنهم ليسوا في هذه الحياةِ للراحة والرُّكونِ إلى الدنيا،

142
00:09:25.095 --> 00:09:27.731
وأَنَّها دارُ بلاءٍ لا دارُ جزاءٍ.

143
00:09:27.833 --> 00:09:33.397
التربية تعني: أن تربطي أبناءَك بالقرآن، وتُنَمِّي لديهم مَلكة فَهمه والاستدلال به،

144
00:09:33.653 --> 00:09:37.165
مما سيتطلب منك تحبيب اللغة العربية إليهم.

145
00:09:37.309 --> 00:09:41.966
التربية تعني: أن تُعَلِّمي أبناءَكِ أن شَرْع الله حاكمٌ على حياة المؤمن،

146
00:09:42.147 --> 00:09:45.013
وألا يَعْتَرفوا بأيَّة مرجعيةٍ غيرِه

147
00:09:45.070 --> 00:09:49.190
في زمنٍ يُرادُ لدين الله أن يُحصَرَ في شعائرَ محدودةٍ،

148
00:09:49.331 --> 00:09:52.332
ويكونَ التّقديسُ والتّعظيم لأهواء البشر.

149
00:09:52.456 --> 00:09:58.534
التربية تعني: أن تجعلي أعظمَ قيمة لدى أبنائك توحيدَ الله، تعظيم الله،

150
00:09:58.619 --> 00:10:03.907
ومحبةَ الله ورسولِه لتكون فوق كلِّ محبَّة، وتُجَنِّبِيهِم ما يشوبُ التوحيد.

151
00:10:04.132 --> 00:10:10.495
التربية تعني: أن تُعَلِّمي أبناءك الانتماء إلى أمتهم الإسلامية، والاهتمامَ بأحوالِها،

152
00:10:10.696 --> 00:10:15.519
وتحويلَ الهَمِّ لها إلى العمل بإيجابية دون يأس ولا إحباط.

153
00:10:15.668 --> 00:10:21.190
التربية تعني: بناء العلاقة الوطيدة مع أبنائك، والمحبَّةَ والثقةَ والاهتمامَ بهم،

154
00:10:21.417 --> 00:10:27.471
وسَماعَ مشكلاتِهم والصداقةَ معهم، وبغيرِ ذلك لن تحققي الأهداف التي ذكرنا.

155
00:10:27.616 --> 00:10:32.986
التربية تعني: أن تَتَعَرَّفِي على خصائص كل مرحلة عُمُريَّة لأبنائك وما يلزم لها،

156
00:10:33.261 --> 00:10:36.902
مع تنويع الأساليب: كالقصة واللعبة والنشاط الجماعي.

157
00:10:37.011 --> 00:10:41.778
التربية تعني: أن تُعِينِي ابنَك وابنتك على معالجة المشكلات

158
00:10:41.844 --> 00:10:44.751
التي تَعْرِضُ لهم في طريق بناء شخصياتهم،

159
00:10:45.026 --> 00:10:48.399
كما تحرصين على علاج أمراض أجسادهم، بل أكثر.

160
00:10:48.523 --> 00:10:50.868
التربية تعني: أن تكوني قدوةً عمليةً؛

161
00:10:50.948 --> 00:10:55.920
تَتَمَثَّلين هذه المعاني كلَّها في ذاتك قبل أمر أولادك بها،

162
00:10:55.165 --> 00:11:01.140
فدمعةٌ صادقةٌ منك عند قراءة آية، أو ذِكْر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

163
00:11:01.264 --> 00:11:06.031
ستفعل فِعْلَها في قلبِ أولادِك أكثرَ من ألف درس دين في المدرسة.

164
00:11:06.091 --> 00:11:11.749
إصرارُكِ على ولدك أن يَقوم إلى صلاة الفجر أكْثرَ من إصرارك عليه أن يقوم إلى المدرسة

165
00:11:11.938 --> 00:11:17.365
يَبْنِي تَعظيمَ اللهِ في قلبه ويجعلُ اللهَ أوَّلًا في حياته بالفعل،

166
00:11:17.502 --> 00:11:21.031
وأَداؤُكِ لِدَوْركِ في غياب والدهم كما هو في وجوده

167
00:11:21.096 --> 00:11:24.278
يعلّمهم أن يجعلوا مراقبة الله نُصب أعينهم.

168
00:11:24.448 --> 00:11:26.453
بِرُّكِ بوالديك وخدمتُهما،

169
00:11:26.514 --> 00:11:32.871
وقراءتك كُتُبًا منهجية أمام الأولاد ومعهم وعدم الاقتصار على متفرقات مواقع التواصل،

170
00:11:33.017 --> 00:11:34.775
تَجْعَلُهم يَأْلَفون القراءة،

171
00:11:34.945 --> 00:11:41.126
ولن تحتاجي بعدها أن تملئِي وقتهم بنفسك، ما دمتِ قد وضعتِ قدمهم على الطريق.

172
00:11:41.490 --> 00:11:47.204
في المحصلة، التربية تعني: أن تبني الإنسان الذي يعمل لغاية:

173
00:11:47.482 --> 00:11:53.173
تحقيق العبودية بمفهومها الشامل لصلاح الدنيا والآخرة.

174
00:11:53.318 --> 00:11:57.587
أعرفتِ يا كريمة ما معنى التربية؟ وما معنى بناء الإنسان؟

175
00:11:57.842 --> 00:12:00.839
أعرفت ما معنى: «وهي مسؤولة عن رعيتها»؟ [مسند أحمد]،

176
00:12:00.930 --> 00:12:03.969
ومعنى قولِ نبيِّنا في الحديث الذي أخرجه البخاري،

177
00:12:04.124 --> 00:12:08.085
-وهو حديث مخيف يُشعرك بعِظم المسؤولية:

178
00:12:08.349 --> 00:12:13.012
«ما مِنْ عَبْدٍ استَرْعاهُ اللهُ رعِيَّةً فلم يَحُطْها [بِنَصِيحة]...

179
00:12:13.262 --> 00:12:15.881
إلا لم يجد رائِحةَ الجنة» [صحيح البخاري]

180
00:12:16.057 --> 00:12:19.275
انظري إلى التعبير النبوي: "فَلَمْ يَحُطْهَا [بِنصيحة]"،

181
00:12:19.538 --> 00:12:21.980
مطلوبٌ منك أن تحيطي أولادك من كل مكان،

182
00:12:22.249 --> 00:12:27.740
ليس بكثرة النصائح والانتقادات؛ فهي تُحدِث السآمة والنفور من أولادك تجاهك،

183
00:12:27.824 --> 00:12:33.621
وإنما بالقُدوة العمليِّة والتّوجيهاتِ، عند الحاجة، وحمايتكِ لهم مما يَضُرُّهم،

184
00:12:33.732 --> 00:12:36.802
وحَزمُك في ذلك مع عَطْفِكِ ووُدِّك،

185
00:12:36.881 --> 00:12:42.710
تُحيطينهم حتى تحميهِم من سِهام الشهوات والشبهات التي تأتيهم من كل حَدْبٍ وصَوْبٍ.

186
00:12:42.785 --> 00:12:45.129
أنتِ المُؤَهَّلةُ لبناء هذا كلِّه في ابنك،

187
00:12:45.232 --> 00:12:50.412
وأنتِ المؤهَّلة لترسيخِ الأمانة في قلوب أبنائك بسلوكك العملي،

188
00:12:50.562 --> 00:12:56.065
كما في حديث حذيفة بن اليمان قال: حدثنا -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم:

189
00:12:56.113 --> 00:12:59.101
«أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ.

190
00:12:59.292 --> 00:13:02.604
ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثمَّ علموا مِن السُّنَّة» [صحيح البخاري].

191
00:13:02.839 --> 00:13:04.805
الأمانةُ: الصدقُ مع النفسِ،

192
00:13:04.867 --> 00:13:08.878
التي إن رسَّخْتِها في قلوب أبنائك نَفَعَهم القرآن والسنة،

193
00:13:09.116 --> 00:13:14.400
وإنْ لمْ تَزْرعِيها لم ينفعْهم شيء، وكانوا أرقاما في ظاهرة الغثائية والنِّفاق.

194
00:13:14.500 --> 00:13:16.241
سفيان الثوري قالت له أمُّه:

195
00:13:16.431 --> 00:13:19.181
(يا بنيَّ، اطلب العلم وأنا أكفيك من مغزلي...

196
00:13:19.211 --> 00:13:23.936
-أي أَحِيكُ الملابسَ وأبيعُها وأنفقُ عليك، لكن أنت تفرغْ لطلب العلم-

197
00:13:24.026 --> 00:13:26.884
يا بنيّ، إذا كتبتَ عشرةَ أحاديث فانظر...

198
00:13:27.056 --> 00:13:31.798
هل ترى في نفسك زيادةً في مَشْيِكَ وحِلْمك ووَقارك -أي في الأخلاق-

199
00:13:31.976 --> 00:13:35.406
فإن لم ترَ ذلك فاعلم أنه يضرّك ولا ينفعك). [تاريخ جرجان للسهمي: 449-450]،

200
00:13:35.535 --> 00:13:39.230
لم تَقُلْ له هاتِ علامةً لكي نفاخرَ بك، وتكونَ أحسنَ من ابنِ عمِّك،

201
00:13:39.250 --> 00:13:43.815
وإنما أُريدُ للعلم أن يؤثِّر في أخلاقكَ: تُعلِّمُه أمانةَ العِلْمِ.

202
00:13:43.855 --> 00:13:46.687
نشأ الإمام أحمد بن حنبل والشافعي يتيمَين،

203
00:13:46.810 --> 00:13:49.362
وتولَّت أمُّ كلٍّ منهما تربيتَه،

204
00:13:49.552 --> 00:13:52.477
فَأصْبَحَا من سادة الأمة في العلم والعمل،

205
00:13:52.568 --> 00:13:55.565
أنت المُؤَهَّلة لهذا كله لأنهم أبناؤكِ،

206
00:13:55.756 --> 00:14:00.880
ولنْ تعوِّضَ المدرسة ولا الحضانة ولا الروضة ولا الشغالةُ عنك أنت؛

207
00:14:00.960 --> 00:14:03.540
فليست النائحةُ الثكلَى كالمستأجَرَة،

208
00:14:03.592 --> 00:14:07.352
فلا تستغربي حين كرَّم الإسلام الأمَّ وجعلَ الجنة عند رجلها.

209
00:14:07.488 --> 00:14:11.275
تصوري بعد هذا كلِّه لمَّا كنتِ تَقولين لنفسك: (التربية فقط؟!)

210
00:14:11.366 --> 00:14:13.670
وتضعي بعد سؤالك استفهامًا وتعجُّبًا،

211
00:14:13.890 --> 00:14:17.332
بينما كلمتُك هذه بحاجة إلى ألف تعجب.

212
00:14:17.332 --> 00:14:19.945
كلُّ هذه الأركانِ لتربية النفس البشرية

213
00:14:19.997 --> 00:14:25.333
أصْبَحت الثقافةُ السائدةُ أنها تجيء تلقائيًّا وليس ضروريًّا أن نتعلمها،

214
00:14:25.499 --> 00:14:30.131
بينما نصرف للشهادات الجامعية عشرين سنةً من حياتنا،

215
00:14:30.265 --> 00:14:34.374
وأكبر رسالة سلبية نوصلها لأولادنا بذلك

216
00:14:34.467 --> 00:14:39.286
أنَّ العبوديةَ لله بمعناها الشَّامل ليست هدفَ حياتِنا،

217
00:14:39.380 --> 00:14:42.378
وهم يتَشَرَّبون هذه الغَفْلَةَ يوميًّا مِن سُلُوكِنُا،

218
00:14:42.441 --> 00:14:47.428
يُعَبِّر عن ذلك تعليقُ إحدى الأخواتِ على حلقةِ: (المرأة والبحث عن الذات)،

219
00:14:47.456 --> 00:14:50.212
إذ قالت: "أعتبر نفسي ضحيةَ هذا التفكيرِ،

220
00:14:50.372 --> 00:14:52.436
فتربيتي كانت على هذا:

221
00:14:52.556 --> 00:14:54.865
(ذَاكَرِي فقط -أي ادرسي فقط-

222
00:14:54.937 --> 00:14:59.147
لا نريد منك إلا الانْكباب على الكتاب لتَحْصُلِي على أعلى الدرجات

223
00:14:59.282 --> 00:15:01.619
وتدخلي كليَّةً مميزة)،

224
00:15:01.908 --> 00:15:07.545
دخلتُ ثم تزوجتُ بدون أي تأسيس أو تعليم لكيفية إدارةِ البيت

225
00:15:07.644 --> 00:15:10.362
أو التعاملِ مع الزوج أو تربيةِ الأبناء،

226
00:15:10.458 --> 00:15:16.969
وفوقَ كلِّ هذا إحساسٌ قاتل بالذنبِ؛ لأني لم أكمل دراساتٍ عليا بعد الجامعة،

227
00:15:17.057 --> 00:15:21.867
الأهلُ يوصلون رسائلَ أن قيمتَك فيما وصلت إليه من مَركَزٍ

228
00:15:22.044 --> 00:15:24.742
وما حقَّقْتِه من إنجازٍ في مجال العمل،

229
00:15:24.820 --> 00:15:28.290
أما بيتُك فهذا تحصيل حاصل؛ كلُّ النساء يفعلنه؛

230
00:15:28.568 --> 00:15:32.903
لا يُهمُّ كيف ولا يُهمُّ النتيجة، المهم أن نفتخر بك".

231
00:15:33.119 --> 00:15:38.906
إذن: "أما بيتك فتحصيل حاصل، كل النساء يفعلنه، المهم أن نفتخر بك"

232
00:15:39.031 --> 00:15:44.042
والأخرى تعلق بأن زوجها يُعَيِّرُها: لماذا لا تكونين كفلانة تشتغل وتأتي بالمال؟

233
00:15:44.316 --> 00:15:47.212
البيت والأولاد؟! كلُّ الزوجاتِ عندهنَّ بيت وأولاد.

234
00:15:47.378 --> 00:15:52.203
تصوري كم عُمل فينا حتى تشوّهت عبارة (عَمَل المرأة في بيتها).

235
00:15:52.374 --> 00:15:58.399
وانحصرتْ في أذهاننا بالجمادات من المَجلى والغسَّالة والمِكنسة و الثلاجة.

236
00:15:58.609 --> 00:16:03.297
حين نسمعُ باستمرار عن أبناء -وبعضهم من عوائل تُصَنَّفُ على أنها ملتزمة-

237
00:16:03.644 --> 00:16:06.914
يُلحدون أو يميلون للشذوذ، وآباؤهم يتعجبون.

238
00:16:07.208 --> 00:16:08.478
من ماذا تتعجبون؟

239
00:16:08.548 --> 00:16:13.737
هل حصَّنتم أبناءَكم وأحطتموهم بنصحكم كما أمر نبينا -صلى الله عليه وسلم؟

240
00:16:14.038 --> 00:16:18.224
أم أنَّ أعداءَكم زرعوا في أبنائكم وأنتم غافلون؟

241
00:16:18.503 --> 00:16:20.666
فها هم أعداؤنا يحصدون.

242
00:16:20.926 --> 00:16:26.080
هلا تقولين لي -حضرتك: المدارسُ، كم من هذه الأهداف تُحقِّق؟

243
00:16:26.252 --> 00:16:33.651
بل هل هي تحقق هذه الأهداف أم تُدمِّرها؟ إلا من رحم ربي من معلمٍ هنا أو معلمة هناك.

244
00:16:33.775 --> 00:16:38.588
ولتطبيق عملي: إذا ذهبتِ لتُسَجِّلي ابنَك أو ابنتك في مدرسة،

245
00:16:38.752 --> 00:16:44.658
فأرجو أن تأخذي معك قائمة الـ21 مقوما من مقوِّمَات التربية التي ذكرناها،

246
00:16:44.830 --> 00:16:46.719
وتسألي المسؤولين في المدرسة:

247
00:16:46.834 --> 00:16:49.730
هلا تقولون لي كم من هذه الأهداف تُحقّقون؟

248
00:16:49.784 --> 00:16:53.769
وما البرامج والأساليب التي تستخدمونها لتحققوها؟

249
00:16:53.949 --> 00:17:00.451
من سنوات اكتُشِفَت حالةٌ لطبيبين في أحدِ المستشفيات الحكومية الكبرى في بلد عربي،

250
00:17:00.629 --> 00:17:03.748
يأتي مريضُ السرطان فيُصْرَف له دواءٌ،

251
00:17:03.934 --> 00:17:09.639
لكن -وبالتنسيق مع بعض الممرضين في المستشفى- لا يُعطي الطبيبان الدواءَ للمريض،

252
00:17:09.856 --> 00:17:11.693
بل يُباع في السوق السوداء،

253
00:17:11.904 --> 00:17:16.564
وأما المريضُ فيوضَع له حقن وريدية (Normal Saline) أي ماء وملح.

254
00:17:16.751 --> 00:17:18.415
مؤلمٌ، أليس كذلك؟!

255
00:17:18.477 --> 00:17:22.005
ما يحصل لعامَّة أبناء المسلمين هو الشيء نفسه.

256
00:17:22.005 --> 00:17:26.082
هم بحاجةٍ لعلاج إنسانيتهم من الجهل والهوى،

257
00:17:26.279 --> 00:17:31.778
لكن الذي يُعطى في كثير من المناهج التعليمية هو (Normal Saline)،

258
00:17:31.999 --> 00:17:34.216
بل في كثير من الأحيان سُموم،

259
00:17:34.374 --> 00:17:39.601
والأبوان يعتَبِران أنهما أدَّيا ما عليهما بإرسال الأولاد إلى هذه المدارس،

260
00:17:39.971 --> 00:17:47.048
ليس أخطرُ شيء أن تترك المريض دون علاج، بل أن تدخل لجسمه (Normal Saline) أو سموما،

261
00:17:47.154 --> 00:17:50.849
وأنت توهمه -وأهلَه- أنك تقدم له علاجًا.

262
00:17:51.216 --> 00:17:54.339
قد تقولينَ: لكن كلامكَ عن دوري في التربيةِ غيرُ واقعي،

263
00:17:54.476 --> 00:17:58.661
فأنت كأنك تريد من كل أمٍّ أن تكون عالمة في كل هذه المجالات.

264
00:17:58.816 --> 00:18:02.482
فأقول لك: المطلوب منك -يا كريمة- أن تبني الأساسَ،

265
00:18:02.546 --> 00:18:05.471
وتضعي قدمي ولدِكِ على الطريق الصحيح،

266
00:18:05.606 --> 00:18:09.746
وتُوَلِّدِي لديه الحافزيَّة للتعلُّم والعملِ بما يتعلم،

267
00:18:09.909 --> 00:18:13.580
ثم يكون دوركِ بعد هذا أن تعينيه وتشجعيه.

268
00:18:13.742 --> 00:18:16.944
طرأت عليه شبهة سمعها؟ تَعَالَ -يا بُني- نبحث عن الجواب،

269
00:18:17.064 --> 00:18:22.797
وتتعاوني معه في تعرُّف المصادرِ والمراجعِ الموثوقة والأشخاصِ الذين يَسمع لهم.

270
00:18:22.860 --> 00:18:26.866
عانت ابنتكِ من مشكلة نفسية؟ تعالي نَسْتَشِرْ مُخْتَصَّة...

271
00:18:27.083 --> 00:18:29.234
أبناؤكِ هم في صُلْب مشروعكِ.

272
00:18:29.447 --> 00:18:33.454
قد تقولين: أراك وضعتَ حِمل التربية علي، وماذا عن الأب؟!

273
00:18:33.544 --> 00:18:36.397
بدايةً ليست حِمْلًا، بل شرفًا:

274
00:18:36.568 --> 00:18:41.967
التربية والتزكية وبناء الإنسان، هذه وظيفة الأنبياء -عليهم السلام،

275
00:18:42.129 --> 00:18:44.664
وشرفُ العامل على قَدْرِ شَرَفِ العمل،

276
00:18:44.855 --> 00:18:47.511
وبما أنَّ عِبْءَ النفقة يَقَع على الرّجل

277
00:18:47.536 --> 00:18:51.423
مع ما يتطلَّبه ذلك من إنفاق ساعات في العمل خارج البيت عادةً،

278
00:18:51.608 --> 00:18:56.507
فبطبيعة الحال سيكون الوقت الذي تُمْضِينَه معَ أبْنائك أطولَ بكثيرٍ،

279
00:18:56.607 --> 00:18:59.045
وستكون فرصتُكِ في التربية أكبرَ،

280
00:18:59.188 --> 00:19:04.361
ومع ذلك فعلينا أن نُذَكِّر بأن التربية مسؤوليةٌ مشترَكةٌ بين الأب والأم،

281
00:19:04.523 --> 00:19:08.235
فمسؤولية بهذا الحجم تحتاج تعاونكما.

282
00:19:08.519 --> 00:19:13.044
في التعليق على حلقة: (أنا مش شغالة البيت)، اعترض بعض الرجال قائلين:

283
00:19:13.208 --> 00:19:19.418
"أتريدنا أن نَكُدَّ ونتعب في العمل، ثم تجلس المرأة مدللةً في البيت لا تعمل شيئا،

284
00:19:19.568 --> 00:19:22.172
بل وتقول لنا: ساعدوها أيضا في عمل البيت؟!"

285
00:19:22.452 --> 00:19:26.202
بل نقول -أخي: نحن نطالبك بمعاونتها في عمل البيت،

286
00:19:26.315 --> 00:19:32.149
والتقليلِ من المتطلَّباتِ لتُفَرِّغَها للمهمة الأعظم: بناءِ الإنسان،

287
00:19:32.365 --> 00:19:34.740
وعليكَ أن تُعِينَها على هذه المهمة أيضًا،

288
00:19:34.802 --> 00:19:37.770
لا أن تُقَصِّرَ في واجبكَ في التربية تحت عناوين:

289
00:19:37.974 --> 00:19:43.387
(أنا أعمل لأجلكم؛ لتحصيل قوتكم، وتكاليف الحياة عالية، وأيامنا صعبة)،

290
00:19:43.656 --> 00:19:48.456
وحتى الوقت الذي تمضيه في البيت ليس وقتًا نَوْعِيًّا تكون فيه متفرِّغ الذهن لأبنائك،

291
00:19:48.617 --> 00:19:51.769
بل تنشغل عنهم بالجوّال والاتصالات وغيرها.

292
00:19:52.009 --> 00:19:54.207
من لوازم القوامة التي تكلمنا عنها

293
00:19:54.484 --> 00:19:58.728
أن يكون الأب قدوةَ البيت في التوازن وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه،

294
00:19:58.958 --> 00:20:02.641
ومن ثمَّ، نُحَمِّلُه المسؤولية الأولى عن تحقيق ذلك،

295
00:20:02.817 --> 00:20:07.266
وقولُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في من لم يَحُطْ رعيته بنصحه:

296
00:20:07.498 --> 00:20:11.853
«لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» مُوَجَّهٌ لك أنت أيضًا -أيها الرجل،

297
00:20:12.108 --> 00:20:15.967
وهناك أدوارٌ في تربية الأبناء لا يَصْلُح لها إلا أنت؛

298
00:20:16.028 --> 00:20:18.182
(بما فضَّل الله بعضهم على بعض) [القرآن 4: 34]،

299
00:20:18.281 --> 00:20:21.787
ومن المُرهِق جِدًّا للمرأة والظلمِ لها مطالبتُها بها،

300
00:20:21.856 --> 00:20:25.286
فعليك أنت قيادةُ مشروع تربية وتذليلُ عَقَبَاتِه،

301
00:20:25.557 --> 00:20:30.551
رحلة تربية الأبناء -بدايتها الحقيقية- هي من اختيار الزوجة، واختيار الزوج

302
00:20:30.792 --> 00:20:34.681
الذي يشاركك في تحقيق الهدف الأعظم كما ذكرنا.

303
00:20:34.947 --> 00:20:37.709
لكن نقول لك أنتِ -يا كريمة:

304
00:20:37.886 --> 00:20:40.747
افترضي أن الأب لم يَقُمْ بدَوره في التربية

305
00:20:40.952 --> 00:20:45.135
طَالَبْتِهِ بذلك وذكّرته بالله، لكنه لا يتجاوب،

306
00:20:45.336 --> 00:20:47.239
فهل ستتركين أولادكِ؟

307
00:20:47.426 --> 00:20:51.858
إذا الأب لم يأخذ الأولاد إلى مطاعيم شَلَلِ الأطفال والحَصْبَةِ والجُدَرِيِّ وغيرها،

308
00:20:51.951 --> 00:20:55.646
هل ستقولين: هو قصّر فلن أتحمل الحِمل وحدي،

309
00:20:55.753 --> 00:20:58.369
أم ستدفعك رحمتك إلى أخذهم؟

310
00:20:58.564 --> 00:21:00.995
أليست نفسُ طفلِكِ وروحُه أَوْلى؟

311
00:21:01.302 --> 00:21:05.621
<i>أقبلْ على النَّفسِ واستكملْ فضائلَها</i> <i>فأنتَ بالرُّوح لا بالجسم إنسانُ</i>

312
00:21:05.851 --> 00:21:09.580
لن تكون مهمةً سهلةً، لكنك تُبَرِّئين ذمَّتَك أمام الله،

313
00:21:09.801 --> 00:21:15.238
ولعلَّك تستعينين بمحاضِنَ تربويَّة، كالمراكز والدورات النافعة والصحبة الصالحة؛

314
00:21:15.521 --> 00:21:20.696
لتساعد في سد الفجوة التي أحدثها الأب المُقَصِّرُ وتُعينَك على المهمة.

315
00:21:20.970 --> 00:21:26.770
قد تقولين: لكن بصراحة أنا نفسي فاقدة لكثير من معاني التربية ومقوماتها التي ذكرتها،

316
00:21:26.839 --> 00:21:30.342
فكيف أُنْشِئُ عليها أبنائي، وفاقدُ الشيءِ لا يُعطيه؟

317
00:21:30.739 --> 00:21:36.211
صحيح، نحن نحتاج لأن نتربَّى على هذه المقومات أولًا ثم نُربِّي عليها أولادنا،

318
00:21:36.484 --> 00:21:41.888
وهذه رحلة حياة، تحتاج تَعَلُّما مستَمِرًّا وجُهْدًا ضخمًا واستعانةً بالله.

319
00:21:42.002 --> 00:21:44.343
عامَّةُ ما نَبُثُّه في المقالات والسلاسل

320
00:21:44.373 --> 00:21:48.489
هو محاولةٌ لبناء المقوِّمات التربويَّة المذكورة في أنفسنا،

321
00:21:48.583 --> 00:21:53.873
سواءً في رحلة اليقين أم في سلسلة المرأة أم في مسابقات الاستدلال بالقرآن أم في غيرِها،

322
00:21:54.079 --> 00:21:57.793
بالإضافة إلى سلاسلَ وكتبٍ، سنحيل عليها لمُرَبِّين فضلاءَ

323
00:21:58.292 --> 00:22:00.883
تَسُدُّ الثغرة وتعطي خارطة الطريق،

324
00:22:01.008 --> 00:22:04.400
ما نحاول إيصاله ما هو إلا (ألف باء) الحياة

325
00:22:04.529 --> 00:22:09.027
الذي كان يجب أن نتعلمه بَدْءًا من سنواتنا الأولى.

326
00:22:09.352 --> 00:22:12.070
فالحلُّ يبدأ من تعظيم أهميّة بناء الإنسان،

327
00:22:12.332 --> 00:22:15.887
ونحن الآن نخوض معركةَ استعادةِ السَوِيَّةِ النَّفْسيَّة،

328
00:22:16.047 --> 00:22:19.748
وتحريرِ الرِّوح والنَّفس والفِطرة، وإعادةِ إحياء الهدف.

329
00:22:20.043 --> 00:22:26.370
لكنْ الجميل في الأمر -في المقابل- هو أنكِ ستكتشفين وأنتِ تربين ابنك أنك تربين نفسك،

330
00:22:26.477 --> 00:22:33.159
نفسُك بينَ جنبيك لا ترينها، لكنْ ستَرينَ عُيوبَها وحِيَلَها، وجمالَ نتائج تربيتِها،

331
00:22:33.294 --> 00:22:36.125
ترين ذلك كله في ابنك وابنتك،

332
00:22:36.338 --> 00:22:41.933
وكأنها من حكمةِ الخلق وسنة الحياة، أننا في رحلة التَربية نَكْتَشف أنفسَنا:

333
00:22:42.100 --> 00:22:45.630
نَكتَشِفُ جَمال النفسِ البَشَرِيَّةِ التي وهبنا الله إياها،

334
00:22:45.766 --> 00:22:51.230
وجمالَ زَرْعِ البُذور فيها وسَقْيِهَا بماء الوحي وحصادِ النتائجِ،

335
00:22:51.424 --> 00:22:53.448
وجمالَ تحريرِها من الاحتلال،

336
00:22:53.528 --> 00:22:58.899
وبإمكانكِ أن تَرَيْ الإحساسَ بهذا الجَمال في التعليقات على الحلقات من إخوةٍ وأخواتٍ

337
00:22:59.129 --> 00:23:03.233
ذاقوا لَذَّة اكتشافِ الشَّريعة واكتشافِ نفوسِهم -بفضل الله.

338
00:23:03.399 --> 00:23:07.559
قد تقولين: لكنْ أَلَا ينبغي أن تَكون مسألةُ التربية أيسر من ذلك؟

339
00:23:07.679 --> 00:23:09.798
أليس كلُّ مولودٍ يولد على الفِطرة؟

340
00:23:09.941 --> 00:23:13.413
هل الأجيالُ المسلمةُ الأولى احتاجت لكل هذا التعقيدِ؟

341
00:23:13.574 --> 00:23:14.549
فنقول -يا كريمة:

342
00:23:14.794 --> 00:23:19.879
مِنْ أخطَر ما حدث للمسلمين حين انسحبَ الاحتلال العسكريُّ من بلادهم

343
00:23:19.991 --> 00:23:22.145
أنهم ظنُّوا أنهم مستقلُّون؛

344
00:23:22.379 --> 00:23:26.289
لأنهم ما عادوا يَرَوْنَ جنود العَدُوِّ يتَجَوَّلُونَ في الشَّوارعِ،

345
00:23:26.411 --> 00:23:32.511
ومن ثمَّ فهم لا يدركون الاحتلال النفسيَّ والفكريّ والروحيّ والقِيَميّ الذي يعيشونه،

346
00:23:32.742 --> 00:23:37.422
فلا يَسْعَوْن للتحرر، كما عبر أحدهم بشكل بليغ:

347
00:23:37.820 --> 00:23:43.077
<i>وأقولُ كلُّ بلادنا محتلةٌ</i> <i>لا فرقَ إِنْ رَحَلَ العِدا أو رانُوا</i>

348
00:23:43.305 --> 00:23:47.784
<i>ماذا نُفيدُ إذا استقَلَّت أرضُنا</i> <i>واحتُلَّتِ الأرواحُ والأبدانُ</i>

349
00:23:48.012 --> 00:23:57.584
<i>ستعودُ أوطاني إلى أوطانِها</i> <i>إنْ عادَ إنسانًا بِها الإنسانُ</i>

350
00:23:57.644 --> 00:24:01.220
كانت أجيال المسلمين الأولى على الفطرة والسَوِيَّة النَفْسيَّة،

351
00:24:01.529 --> 00:24:04.216
فعاشت بصدقٍ لتحقيق العبوديَّة الشاملة،

352
00:24:04.311 --> 00:24:06.833
وكان هذا الهدفُ مُحرِّكًا لأفعالها،

353
00:24:06.907 --> 00:24:11.644
بحيث كان الأصل أن تخرج أفعالها على السليقة -دون تَكَلُّفٍ- في الاتجاه الصحيح.

354
00:24:11.900 --> 00:24:15.408
نُفوسٌ مُعْتَزَّةٌ بالوحي، تثقُ به ثقةً مطلقةً،

355
00:24:15.641 --> 00:24:19.586
وتنفرُ من الجاهليَّة الماضية والجاهليات المحيطة بها،

356
00:24:19.755 --> 00:24:22.273
وتحتقرها وتَسُدُّ منافذَها إلى القلوب،

357
00:24:22.374 --> 00:24:27.360
وتُعيد النَّظر في كل موروثاتِها وتُحَاكمها للمعايير الربانية،

358
00:24:27.469 --> 00:24:30.461
قد تُعاوِدُها نَزَغَات من الجاهلية بين الحين والآخر،

359
00:24:30.730 --> 00:24:34.897
لكنَّها تُدرك أنها جاهليَّة، فتُجاهدها وتَتَخلص مِنْها،

360
00:24:35.127 --> 00:24:38.384
وتَقَعُ في مَعَاصٍ، لكنْ تدرك أنها معاصٍ،

361
00:24:38.490 --> 00:24:43.562
بينما مولود اليوم يولد على الفطرة فما تلبثُ منظومة الاحتلال الناعم

362
00:24:43.702 --> 00:24:48.811
أن تطمَسَها، وتُشَرِّقَه وتُغَرِّبَهُ نَفسِيًّا وفكريًّا وقِيَمِيًّا،

363
00:24:48.903 --> 00:24:54.334
وتُغْرقَه في سيل متتابع من الفتن والشبهات، وتُلَبِّس الحق له بالباطل،

364
00:24:54.478 --> 00:24:58.458
ومغناطيسُ العبودية لله -الذي يجمع الشتات- غير موجود،

365
00:24:58.611 --> 00:25:02.388
فتبدو العملية صعبةً لأننا [نجمع] شتاتَ النفس المتفلت

366
00:25:02.626 --> 00:25:05.231
الذي يتجاذبه الدعاة على أبواب جهنم،

367
00:25:05.502 --> 00:25:08.809
كان القرآن مَفهُومًا يُحدِثُ أثرَه البليغَ في النفوس،

368
00:25:08.943 --> 00:25:12.056
والآن يُشْكِل فهمه على عامة العرب،

369
00:25:12.273 --> 00:25:15.931
فدوركِ -يا كريمة- أن تنفضي هذا الرُكَام عن فطرة أبنائك

370
00:25:16.072 --> 00:25:21.946
وتَنْصِبي أمام أعينِهم الهدفَ الذي يجمع شتاتهم، وتُقَرِّبي إليهم الوحيَ.

371
00:25:22.072 --> 00:25:26.152
قد تقولين: بعدما ذكرتَه، فإني أخاف على مستقبل أبنائي،

372
00:25:26.220 --> 00:25:28.981
بل وقد أتردد في الإنجاب من أصله!

373
00:25:29.132 --> 00:25:34.262
فنقول لك: من قَدَرِ الله لهذه الأمة أن تكونَ هي الغالبةَ في النهاية:

374
00:25:34.337 --> 00:25:37.957
فتحُ روما المُبشَّر بِه، ودُخُولُ الإسلامِ كلَّ بيتٍ،

375
00:25:38.217 --> 00:25:41.803
هذا كلُّه سيكون على يدِ ذريَّةٍ من أبناءِ المسلمين،

376
00:25:42.054 --> 00:25:47.005
فلَنْ يَنقرضَ المسلمون ويأتيَ أناسٌ من كوكبٍ آخرَ لينصروا الدين،

377
00:25:47.185 --> 00:25:51.225
وبُشْرَيَاتُ نبينا -صلى الله عليه وسلم- من مقاصدها

378
00:25:51.313 --> 00:25:56.639
سَكْبُ هَذِه الطُّمَأنينة في قُلوبنا وأن نَّعلم أننا نُقَارِع في جَولَتنا

379
00:25:56.770 --> 00:26:03.727
ونُسَلِّم الراية لأبنائنا بحسن تربيتهم؛ ليستكملوا طريق النصر، والعاقبة للمتقين.

380
00:26:03.828 --> 00:26:06.677
أخطر ما يَحصُل في تربية الأبناء -أيتها الكريمة-

381
00:26:06.835 --> 00:26:11.443
والسبب الرئيسُ في ضياعهم وتحوُّلِهم إلى مصدر شقاء للوالدين

382
00:26:11.552 --> 00:26:13.772
هو نِسيان الوالدين لهذه المعاني؛

383
00:26:14.004 --> 00:26:16.200
نِسيانُ أنَّ الأبناءَ وتربيتَهم

384
00:26:16.368 --> 00:26:21.553
يجب أن تكون من مشروع تحقيق الغاية العظمى: العبوديَّةِ لله.

385
00:26:21.762 --> 00:26:26.000
يتزوج الشاب والفتاة، وينجبان لأن الناس ينجبون لا أكثر،

386
00:26:26.102 --> 00:26:32.014
وأحيانا للاستمتاع بغريزة الأبوّة والأمومة، والاستِئْناسِ بصوت الأطفال في البيت،

387
00:26:32.202 --> 00:26:33.701
ثم ماذا؟ - لا شيء...

388
00:26:33.761 --> 00:26:38.341
أنتَ تبحث عما تهواه نفسُك وتستمتِعُ به أكثَرَ من أداءِ واجِبِك الأُسَرِيِّ،

389
00:26:38.427 --> 00:26:43.222
وأنتِ تبحثين عن تحقيق ذاتك ورسمِ قصة نجاحِك بعيدًا عن الأولاد.

390
00:26:43.389 --> 00:26:48.153
هذا النوع من الآباء والأمهات سيجِد نفسه يصطَدِمُ بأولاده،

391
00:26:48.290 --> 00:26:51.699
سيراهم عَقَبةً في طريق طموحاته أو هواياته؛

392
00:26:51.761 --> 00:26:55.263
لأن أولادَه هؤلاء ليسوا جزءًا من طموحاته،

393
00:26:55.401 --> 00:27:01.192
وسينفعل ويتَأفَّفُ عندما يأخذون من وقته؛ لأنهم يُعِيقُونَه عن تحقيقِ مشاريعه

394
00:27:01.321 --> 00:27:03.994
التي ليسوا هم جزءًا منها،

395
00:27:04.136 --> 00:27:07.334
وهذا الانفعال والتوتُّر يُضاعِف الفشل في التربية.

396
00:27:07.489 --> 00:27:11.597
الأبناء الضائعون بين أبوَين لا يَجِدَانِ متعةً في تربيتهم

397
00:27:11.697 --> 00:27:17.276
سيبدؤون بعمل المشكلات، وستَتَوتَّر علاقتُهم بكما -أيها الأبوان،

398
00:27:17.455 --> 00:27:21.749
بل سيصبحون مصدرَ توتُّر العلاقات بينَكُما بصفتكما زوجين،

399
00:27:21.868 --> 00:27:24.586
فكلٌّ منكما يتِّهم الآخرَ أنه السببُ،

400
00:27:24.770 --> 00:27:28.873
وكلٌّ منكما يُلْقي بحِمْل الأولادِ الثقيل على الآخر،

401
00:27:28.927 --> 00:27:35.327
وأولادكما ينظرون، ويَحفُر في صدورهم أنكما تتعاملان معهم كحِمْل مزعج،

402
00:27:35.612 --> 00:27:37.634
بدلَ أن تستمتعا بالقربِ منهم.

403
00:27:37.795 --> 00:27:41.219
هُنَا ماذا يفعل كثير من الآباء والأمهات؟

404
00:27:41.390 --> 00:27:43.895
يُقدِّمون أخطر رِشْوةٍ للأولاد؛

405
00:27:44.007 --> 00:27:48.363
فيوفِّرون للأولاد ما يهْوَوْنَه حتى وإن كان ضارًّا بهم،

406
00:27:48.492 --> 00:27:50.239
ولسان حال الأب أو الأم:

407
00:27:50.374 --> 00:27:53.310
بُنيّ، أنا مشغول عنك، لا تأخذ من وقتي وذهني الكثير!

408
00:27:53.330 --> 00:27:54.884
ماذا تريد؟ أطعامًا؟ خذ!

409
00:27:55.224 --> 00:27:57.148
أحلوياتٍ ولو ضارة؟ خذ!

410
00:27:57.414 --> 00:28:00.321
أمصروفًا زائدًا ولو كان مُفْسِدًا؟ خذ!

411
00:28:00.528 --> 00:28:03.398
أموبايلا؟ أتابلت؟ أآيباد؟ خذ!

412
00:28:03.601 --> 00:28:06.124
أإكس بوكس؟ أبلاي ستيشن؟ خذ!

413
00:28:06.244 --> 00:28:09.741
خُذ ما تريد وارحل عني، لا تزعجْني!

414
00:28:09.850 --> 00:28:15.222
إِبَرٌ لِتَخدير نفْسِ الولد التي تَصرُخ من الجهل والفراغ الروحي

415
00:28:15.283 --> 00:28:17.759
مُطالبَةً بما يضُرُّها ولا ينفعُها.

416
00:28:17.899 --> 00:28:20.798
علّقت إحدى الأخوات على الحلقة الماضية قائلة:

417
00:28:20.949 --> 00:28:22.515
"زوجي طيب وملتزم،

418
00:28:22.597 --> 00:28:29.085
لكنه لا يُساهم في تربية أولادِه، إلا بتلبية رغباتهم وإرضائهم وملاعبتهم؛

419
00:28:29.257 --> 00:28:33.093
حتى لا يُحسُّوا بالنقص عن غيرهم من الأولاد -كما يقول،

420
00:28:33.135 --> 00:28:37.515
محاولاتي لوضعِ هدف لهم وتلقينِهم للمبادئ وحثِّهم على الصلاة

421
00:28:37.570 --> 00:28:40.074
وتَجنُّبِ التَّفاهة وطلبِ العلمِ النافعِ

422
00:28:40.277 --> 00:28:43.853
تَجْعلني شريرةَ البيت ومُتسلِّطةً صارمةً

423
00:28:43.998 --> 00:28:49.220
في مقابل لينِه وحنانِه وإغراقِه في تَسْهيلِ حياتِهم وتبسيطِها،

424
00:28:49.358 --> 00:28:54.151
أُكابِدُ وما زِلْتُ، لكن هل أستمرُّ في هذا الدور الصعب وحدي؟

425
00:28:54.188 --> 00:29:01.383
وإلى متى، والطفل ينجذب للترفيه والتّدليل، وينفر من الإلزام والإجهاد الذي أُمَثِّله؟"

426
00:29:01.518 --> 00:29:03.528
فنقول: نعم يا أختي الكريمة،

427
00:29:03.763 --> 00:29:09.550
استمري مع تنويع الأساليب ومَزْجِ ما تقومين به بالعَطْفِ وإظهارِ الاهتمام،

428
00:29:09.691 --> 00:29:13.025
واطلبي من زوجك الكريم أن يحضر الحلقة أيضا،

429
00:29:13.065 --> 00:29:16.487
ولكِ -بإذن الله- على صبرك وجهادِك الأجر العظيم.

430
00:29:16.643 --> 00:29:20.254
في مقابل الإهمال هناك الاهتمام المدمِّر،

431
00:29:20.353 --> 00:29:23.655
الخطورة أننا إذا قلنا للمرأة: اهتمي بأبنائك،

432
00:29:23.728 --> 00:29:26.293
ولم نشرحْ كيف يجبُ أن يكون هذا الاهتمام،

433
00:29:26.403 --> 00:29:32.391
فستظُنُّ أن احتراقَ أعصابِها لأَجْلِهم والتصاقها النفسيّ بهم هو الاهتمام المطلوب،

434
00:29:32.698 --> 00:29:36.673
وتَظُنُّ أن تفريغهم للدراسة دون إشراكِهم في واجباتِ البيت،

435
00:29:36.765 --> 00:29:41.622
وتسميعَ الدروس لهم والصُراخَ عليهم لِيحُلُّوا واجباتهم المدرسية،

436
00:29:41.729 --> 00:29:45.591
وتحمُّلَ مسؤولياتِهم عنْهم حتى على مستوى ترتيبِ الفراشِ،

437
00:29:45.696 --> 00:29:48.023
وقَتْلَ قدرتِهم على الاستقلالية:

438
00:29:48.066 --> 00:29:52.672
هو الاهتمامُ، وأنها بذلك أدَّت ما عليها تِجَاهَهم بَلْ وزيادة،

439
00:29:52.884 --> 00:29:58.316
وهي في الحقيقةِ تُفَرِّغُ شِحنةَ الإحساس بالمسؤولية في المكان الخطأ تمامًا،

440
00:29:58.383 --> 00:30:02.506
فتؤذي نفسها وتؤذيهم، وتَحسِبُ أنها تحسن صُنعًا.

441
00:30:02.558 --> 00:30:04.900
عندما يكون هدفُنا العبوديةَ لله،

442
00:30:04.985 --> 00:30:10.105
فإنَّ هذا الاهتمام سيتَّخذ الأشكال الصحيحةَ في بناء الإنسان،

443
00:30:10.224 --> 00:30:13.011
وبغير ذلك سيكون الاهتمام مؤذيًا.

444
00:30:13.109 --> 00:30:15.007
(أريد لابني أن ينجح في حياته):

445
00:30:15.114 --> 00:30:17.900
ما مفهوم النجاح؟ ما معايير النجاح؟

446
00:30:18.006 --> 00:30:22.103
إن أردتِ أن تساعدي أبناءك في دراستهم فحببي إليهم العلم:

447
00:30:22.237 --> 00:30:26.826
عَلِّمِيهِم كيف يُنَظِّمُون جداولهم، وكيف يُفَكِّرُون في مسائلَ من هذا النوعِ،

448
00:30:26.899 --> 00:30:28.512
وكيف يُحَلِّلُون ويربطون،

449
00:30:28.629 --> 00:30:33.281
لا على طريقة (تعال سمّع لي)، وهي أشهر كلمة في ثقافتنا التدريسية،

450
00:30:33.431 --> 00:30:37.758
ثم بعد ذلك دعيهم يتحمِّلُوا مَسؤولية تقصيرهم في واجباتهم،

451
00:30:37.840 --> 00:30:43.526
ولا تَدَعي ذلك يُفسد علاقتَك بهم، أو يشحَنُ جوَّ البيت بالتَّوتر والصُّراخ.

452
00:30:43.647 --> 00:30:46.761
من أهمِّ مبادئ تربية أولادك -كونك أُمًّا-

453
00:30:46.807 --> 00:30:50.270
هو أن تَتَخَلَّيْ عن رحمتكِ المُؤذيَةِ وتَدَخُّلاتِكِ،

454
00:30:50.373 --> 00:30:54.639
وتُصبحي أكثر عَقلانِيَّة وهدوءًا واعتناءً بنفسك،

455
00:30:54.727 --> 00:31:00.211
لا أن تكوني أمًّا مُحترقة تعانين من التوتر والقلق تحت شعار (الاهتمام بالأولاد)،

456
00:31:00.357 --> 00:31:04.432
أعصابُك مشدودةٌ، وعلى أُهْبةِ الاستعداد، ومُستَنْزفَةً نفسيًّا،

457
00:31:04.541 --> 00:31:06.773
وسريعةَ الانفجارِ معهم ومع الزوج،

458
00:31:06.907 --> 00:31:12.649
فكم من امرأة بعد الإنجاب وبعد أن يَكبُر الأولاد قليلًا تصبح أمًّا فقط لا زوجة،

459
00:31:12.725 --> 00:31:18.237
تتوتَّر علاقتُها مع زوجها، فيرى أبناؤها -الذين يفترض أنها احترقت من أجلهم-

460
00:31:18.353 --> 00:31:24.108
يرون أمًّا فاشلةً في العلاقة الذاتيَّة مع نفسها ومع زوجها ومعهم،

461
00:31:24.317 --> 00:31:32.236
محترقةً متوترةً، فترسم الأم بذلك لأولادها وبناتها صورة بائسةً للحياة ولمؤسسة الأسرة،

462
00:31:32.304 --> 00:31:38.402
فينفِرون من الزواج الحلال بل ومن الإسلام الذي شَرَعَه وحَثَّ عَلَيْه وحَرَّم غَيره،

463
00:31:38.527 --> 00:31:43.280
ويبحث الأولاد والبنات عن الإشباع العاطفيِّ في العلاقات غير الشرعية؛

464
00:31:43.389 --> 00:31:47.298
لأنهم لا يريدون تَكرار تجرِبة الزواج الفاشلة.

465
00:31:47.404 --> 00:31:48.140


466
00:31:48.140 --> 00:31:51.925
شعار: (كوني شمعةً تحترقُ لتُضيءَ الدربَ للأولاد) شعارٌ خاطئ؛

467
00:31:51.992 --> 00:31:57.500
ديننا يعلمنا «وَلِنَفْسِكَ عليكَ حقًّا... فأَعْطِ كلَّ ذي حق حقَّه» [صحيح البخاري]،

468
00:31:57.586 --> 00:32:03.690
وإذا احترقتِ فلن تُنيري حياة الأولاد، بل ستُسوِّدينَ برماد هذا الاحتراق حياتَهم.

469
00:32:03.851 --> 00:32:07.791
لا تحترقي! بل أضيئي حياتهم بتوازنك واطمئنانك،

470
00:32:07.951 --> 00:32:11.920
وأعطي نفسكِ حقَّها وَفق دوائر الأولويَّات التي تكلَّمنا عنها.

471
00:32:12.061 --> 00:32:17.206
انْبَسِطي مع نفسك ورَفِّهِي عنها، ثم انْبَسِطِي مع زوجكِ وأعطِيه حقَّه،

472
00:32:17.336 --> 00:32:20.603
وستنصلح أمورُ أولادكِ بعد ذلك بإذن الله.

473
00:32:20.719 --> 00:32:24.926
لا تُعلِّقي نجاحَك بنجاح أولادك فيما يفرِضُه المجتمع من معايير،

474
00:32:24.949 --> 00:32:27.962
مثل: الدراسة المدرسية والشهادة الجامعيَّة والعلامات،

475
00:32:28.024 --> 00:32:31.841
ولا تنشغلي بالآخرين ورأيِهم، وصورةِ أولادكِ أمامَهم

476
00:32:31.996 --> 00:32:38.125
على حساب نفسك وحظِّها من الخير، وأن يكون الله أولا في حياتكِ وحياة أولادك.

477
00:32:38.332 --> 00:32:41.487
كوني نَموذَجًا للتوازن والسعادة،

478
00:32:41.570 --> 00:32:45.208
فهذا يُعينُ أولادَكِ على نَجاحٍ حَقيقِيٍّ في الدين والدنيا،

479
00:32:45.305 --> 00:32:49.530
وأن يُنْشِئُوا هم أيضًا أُسَرًا متوازنةً سعيدةً.

480
00:32:49.627 --> 00:32:52.906
حسنًا، جعلتُ العبوديةَ لله هدفَ حياتي،

481
00:32:53.013 --> 00:32:57.986
وأنا مُهْتَمَّةٌ بِهداية أبنائي وعبوديتِهم لله وبآخرتِهم،

482
00:32:58.166 --> 00:33:02.199
أو أنِّي تَنبَّهْتُ لهذه المعاني بعدما كَبُرَ أولادي،

483
00:33:02.262 --> 00:33:06.457
وحاولت أن أتَدارك ما فات، لكنَّ أولادي لا يستَجِيبون،

484
00:33:06.610 --> 00:33:10.096
وأنا أشعرُ الآن بالإحباطِ والفَشَلِ مما يؤذي نفسي.

485
00:33:10.199 --> 00:33:16.962
هنا تأتي الشريعة لتُرسّم الحدود، وتمنع هذا الاهتمام من أن يطغى على اهتمامكِ بنفسك،

486
00:33:17.159 --> 00:33:20.258
وتمنعُكِ من إحراق نفسك حسرةً عليهم؛

487
00:33:20.344 --> 00:33:23.942
فإنَّ ذلك يؤذيكِ، ثم يعود بالأذيَّة على أولادكِ؛

488
00:33:23.962 --> 00:33:28.381
إذ لن تكوني قويةً متماسكةً في مُحاوَلَةِ إنقاذِهم،

489
00:33:28.506 --> 00:33:30.541
هنا يأتيكِ كتابُ الله ليقول:

490
00:33:30.632 --> 00:33:32.761
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

491
00:33:32.896 --> 00:33:35.620
وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القرآن 28: 56]،

492
00:33:35.690 --> 00:33:40.444
وليُذَكِّركِ بأن نبيَ الله نوحًا لم يستطع أن يُنقِذَ ابنَه،

493
00:33:40.524 --> 00:33:42.290
وقضاءُ الله نافذٌ،

494
00:33:42.421 --> 00:33:47.049
فلا يَطغَ الاهتمام بابنكِ أو ابنتك على اهتمامك بنجاة نفسكِ،

495
00:33:47.175 --> 00:33:51.509
مَن انحَرفَ ابنُها أو ابنتُها أو عاشوا حياة الغافلين،

496
00:33:51.617 --> 00:33:56.247
فصحيح أن عليها أن تراجعَ نفسها وتُفَكِّرَ ما الأسبابُ يا تُرَى،

497
00:33:56.437 --> 00:34:01.528
وتَسعى إلى تداركِ ما فاتَ، وتُصْلِحَ فيما تبقى قَدْرَ الإمكان، لكن دون إحباط،

498
00:34:01.645 --> 00:34:06.568
ومع حذرٍ شديد من أن يدخل الشيطان إلى قلبها من باب محاسبة النفس،

499
00:34:06.811 --> 00:34:08.714
ومن ثم المبالغة في جَلد الذات.

500
00:34:08.863 --> 00:34:15.406
قد تقولين: أنا مقتنعة عقليًّا بما تقول، لكن نفسيًّا، لا أجد نفسي مع زوجي وأولادي،

501
00:34:15.596 --> 00:34:21.572
وإنما في العمل التطوعي أو التثقيفي أو حتى العمل الدّعوي، أليست هذه أهدافا سامية؟

502
00:34:21.683 --> 00:34:22.653
فنقول -يا كريمة:

503
00:34:22.743 --> 00:34:28.307
يعلِّمُنا دينُنا أن أحدنا لا يعمل ما يستمتع به فقط؛ بل ما يَجب عليه،

504
00:34:28.437 --> 00:34:34.136
ومن الهوى أن تُخالفي سُلَّمَ الأولويات، وتُقدِّمي محبوبَ نفسك على محبوبِ الله،

505
00:34:34.259 --> 00:34:37.130
حتى وإن كان ما تحبينه طاعةً،

506
00:34:37.190 --> 00:34:39.260
وهذا من معاني قول الله -تعالى:

507
00:34:39.340 --> 00:34:43.247
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ۝

508
00:34:43.297 --> 00:34:45.816
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [القرآن 79: 40-41]

509
00:34:45.835 --> 00:34:50.051
شرعُ الله الذي يأمركِ أن تَرْعَيْ أبناءَك وتُغَالبي نفسَك في ذلك

510
00:34:50.051 --> 00:34:53.547
إن كنتِ لا تجدين متعةً في هذه الرعايةِ والتربية،

511
00:34:53.703 --> 00:34:59.397
هو ذاته شرعُ اللهِ الذي يأمر ابنَكِ أن يرعاكِ عند كِبَركِ ويغالبَ نفسَه،

512
00:34:59.397 --> 00:35:07.050
حتى وإن كان لا يَجِد نَفْسَه ومُتْعتَه في خدمتكِ وتلبية حاجاتكِ، ويجِدُ ذلك مُمِلًّا بالنسبة له،

513
00:35:07.279 --> 00:35:10.675
حتى وإن كان يريد أن ينشغل عنك بطاعةٍ.

514
00:35:10.760 --> 00:35:12.388
نبينا -صلى الله عليه وسلم-

515
00:35:12.575 --> 00:35:16.650
قال لمعاوية السلمي الذي جاء يريد الخروج للجهاد مع النبي:

516
00:35:16.755 --> 00:35:20.288
«وَيْحَكَ! الزَمْ رِجْلَها فثَمَّ الْجَنَّةُ» يَعنِي أُمَّه، [سنن ابن ماجه]

517
00:35:20.389 --> 00:35:24.601
وجُرَيْجٌ العابدُ ابتَلاه الله لأنَّه شَغَلَ نفسَه بصلاته

518
00:35:24.658 --> 00:35:26.927
عن نداء أمه كما في البخاري ومسلم،

519
00:35:27.031 --> 00:35:31.355
وأُويسٌ القَرنيّ مَنَعَه من نيل شرفِ الهِجرة إلى النبي وصحبتِه

520
00:35:31.477 --> 00:35:33.942
بِرُّه بأمه ولزومُ خدمتِها.

521
00:35:33.997 --> 00:35:36.607
الأعمال المذكورة في هذه الأحاديث الصحيحةِ

522
00:35:36.650 --> 00:35:41.730
-جهاد الطلب (أي الفتوحات)، وصلاة النّافلة، والهِجرةُ- هي من أشرفِ الأعمال

523
00:35:41.916 --> 00:35:44.177
لكنَّ الله قدَّم عليها بِرَّ الأُمِّ،

524
00:35:44.399 --> 00:35:47.988
ولَعَلَّ أصحابَها كانوا مِمَّن تعتمد عليهم أمَّهاتهم.

525
00:35:48.136 --> 00:35:52.268
اللهُ الذي يأمرك أن تَرعَيْ أولادكِ وتُحَقِّقي عبوديَّتَكِ في ذلك

526
00:35:52.386 --> 00:35:57.781
هو الذي يأمرهم أن يبرُّوك عندما تَكْبُرين، ويُحقِّقوا عزَّ عُبوديَّتهم في الذلِّ لك:

527
00:35:57.891 --> 00:36:00.758
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [القرآن 17: 24]،

528
00:36:00.866 --> 00:36:04.197
ولنا عِبْرةٌ فيما يَحصُل بكبار السن في أوروبا

529
00:36:04.314 --> 00:36:08.056
مع وباء فيروس كورونا وما يتعرضون له من إهمال،

530
00:36:08.272 --> 00:36:12.172
وأيقني -أختي- أنكِ إن قدمتِ محبوبَ الله على محبوب نفسكِ

531
00:36:12.256 --> 00:36:17.817
ومارستِ بِناءَ الإنسان بهذه الأهداف العظيمة وعلى أُسُسٍ تربوية سليمة،

532
00:36:17.883 --> 00:36:22.873
فإن الحِمْلَ سينقلب إلى متعة ورضا عن النفس واحترام لِلذَّاتِ،

533
00:36:23.066 --> 00:36:26.308
أكثرَ من أية متعة أخرى يمكن أن تُحصِّليها.

534
00:36:26.501 --> 00:36:29.416
هل علمتِ -يا كريمة- ما معنى تربية؟

535
00:36:29.486 --> 00:36:31.701
رحلة طويلة تحتاج صَبْرًا؛

536
00:36:31.820 --> 00:36:37.866
فهي بناء الإنسان الذي يستحقُّ الخلود في جِوار الله بدَلَ أن يكون وقود جهنم

537
00:36:37.959 --> 00:36:43.426
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [القرآن 66: 6]

538
00:36:43.585 --> 00:36:46.534
ابنك أو ابنتك وقايةٌ لك من النار

539
00:36:46.630 --> 00:36:51.268
«مَنِ يلي مِنَ هَذِهِ البَنَاتِ شَيْئًا، فأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ له سِتْرًا مِنَ النَّارِ» (صحيح البخاري)،

540
00:36:51.462 --> 00:36:54.509
ابنك وابنتك امتدادٌ نافعٌ لك بعد مماتك

541
00:36:54.579 --> 00:36:58.128
«إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ

542
00:36:58.152 --> 00:37:00.101
فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مِنْ أَيْنَ لِي هَذَا؟

543
00:37:00.175 --> 00:37:02.424
فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» [فتح القدير]

544
00:37:02.568 --> 00:37:09.150
وهو -وهي- مع هذا كُلِّه قُرَّة عين لكِ في الدنيا إن أحسنتِ تربيتَهما.

545
00:37:09.277 --> 00:37:12.891
طريق ليست بالسهل، لكنّ ثماره عظيمة جدًا.

546
00:37:12.992 --> 00:37:16.278
قد تتعثرين أحيانًا، ويثقل الحمل عليكِ أحيانًا،

547
00:37:16.336 --> 00:37:23.164
لكن: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (القرآن 29: 69)،

548
00:37:23.402 --> 00:37:26.083
الله معكِ، يجبر نقصك ويعينك،

549
00:37:26.148 --> 00:37:28.597
فـ«سددوا وقاربوا وأبشروا» [الصحيحين]،

550
00:37:28.716 --> 00:37:34.709
إنه مقامٌ عظيمٌ، بحيث لما سأل السائل: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟

551
00:37:34.909 --> 00:37:37.561
قال نبيكِ -صلى الله عليه وسلم: «أُمُّكَ»

552
00:37:37.778 --> 00:37:39.387
قال: ثم من؟ قال: «أُمُّكَ»

553
00:37:39.557 --> 00:37:41.295
قال: ثم من؟ قال «أُمُّكَ»

554
00:37:41.457 --> 00:37:43.154
قال: ثم من؟ قال «أَبُوكَ» [صحيح ابن حبان]

555
00:37:43.337 --> 00:37:48.024
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ...

556
00:37:48.132 --> 00:37:52.595
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا...

557
00:37:52.658 --> 00:37:58.218
فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝

558
00:37:58.312 --> 00:38:05.085
وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (القرآن 17: 23-24)

559
00:38:05.350 --> 00:38:09.571
وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا

560
00:38:09.670 --> 00:38:11.095
والسَّلام عليكم ورحمة الله.