اجمعين وبعد اعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ان الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره ان الله لقوي عزيز يقول الله جل وعلا يا ايها الناس خطاب للناس كلهم المؤمن والكافر وهذا متصل في الاية التي قبلها قوله جل وعلا ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم ومال سالمين من نصير واذا تتلى عليهم اياتنا بينات قال الذي واذا تتلى عليهم ايات بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر. يكادون يسقون بالذين يتلون عليهم ايات قل افا انبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس يا ايها الناس ظرب مثل فاستمعوا له ضرب مثل المثل جملة من الكلام متلقاة بالرضا والقبول مسيرة بين الناس مستغربة بينهم جعلوا مضربها مثلا لموردها المثل جملة قليلة دلت على معنى القيت في موضوع ما ثم اصبحت تلقى وتتردد على كل ما شابهها ومن الامثال العربية مثلا الصيف ضيعت اللبن هذا المثل يقال لكل من فرط بشيء ادركه ثم اراده بعد ذلك بعدما فات الاوان فيقال الصيف ضيعتي اصله ملقى على امرأة فيقال للرجل الذي اراد شيئا قبل فوت بعد ما فات اوانه الصيف ظيعتي. يؤتى المؤنث على لفظ المثل السابق لا يغير وهذا وثم ساغ ان يؤتى بالمثل كلمة المثل لكل قصة او حكاية او رواية مستغربة تستدعي الانتباه مثلما خص الله جل وعلا بعد هذا الكلام ظرب مثل فاستمعوا له الضارب للمثل هو الله جل وعلا كما هو الظاهر وكما هو قول كثير من المفسرين ضرب مثل فاستمعوا له الله جل وعلا ظرب هذا المثل وبينه للناس ليدركوا بذلك سوء عاقبة عبادة الاصنام وجهالة عابديها وسخافة عقولهم وقيل الظارب المثل الكفار عبدة الاصنام ضرب مثل يعني جعل الكفار عبادة الاصنام مثل عبادة الله جل وعلا عبدوا الاصنام مثلما عبدوا الله جل وعلا ضرب مثل فاستمعوا له. يعني انتبهوا له اجتماع مع اصغاء وتأمل لان الاجتماع بدون اصغاء وتأمل لا يفيد صاحبه والمستمع للشيء بدون ان يتأمله ويتدبره لا يستفيد وكذلك السامع لتلاوة القرآن السامع غير مأجور والمستمع مأجور المستمع هو المتأمل السائر مع القارئ المتدبر مع القارئ يؤجر واما الذي يسمع الصوت فقط وهو يتحدث او مشغول بامر من الامور منصرف بذهنه غير مأجور باستماعه هذا فاستمعوا له ان الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له هذا من اقوى هذه الاية من اقوى الايات الدالة على سخافة عقول من يلتفت الى غير الله جل وعلا كائنا من كان ان الذين تدعون من دون الله ايها المشركون وهم الاصنام اشجار او احجار او الواح او غير ذلك من الجمادات لن يخلقوا ذبابا الذباب واحد للطائر المعروف وهو من اضعف الحيوانات واخسها لانه يقع على النجاسات وعلى القاذورات ويتولد من القاذورات قالوا ومن اقلها عقلا وادراكا حيث انه يسقط على ما في هلاكه اذا رأى ما يريده سقط عليه بدون مبالاة قالوا من اضعف ما يشبهه ادراكا ومدة حياته اربعون يوما اذا استكمل عمره والذباب يطلق على الواحد من هذا الجنس الذكر والانثى وجمعه جمع القلة اذبة وجمع الكثرة بكسر الذال او بظمها ذبان على وزن المفرد غراب ذباب وجمع القلة وجمع الكثرة غربان ذبان وبضم اوله وقظبان قظبان ذبان وذبان وضربه الله جل وعلا مثلا لعجز الالهة عن خلقه لهوانه وضعفه لن يخلقوا ذبابا يعني لا تستطيع الالهة او واحد منها ان يخلق ذبابا ثم قال جل وعلا ولو اجتمعوا له الاله المعبود من دون الله الواحد لا يستطيع ان يخلق ذبابا ولو اجتمع كل الالهة من دون الله ما استطاعت ذلك لان هذه الالهة لا تستطيع شيئا اطلاقا لكن القادر من المخلوقين لا يستطيع ان يخلق ذباب لان الذباب يحتاج الى نفخ روح والروح من الله جل وعلا لا يستطيع احد ان يوجدها ولو اجتمعوا له لا يستطيعون ولو اجتمعوا له اين جواب الشرط ولو اجتمعوا له فلا يستطيعون خلقه مقدر هذا دليل على عجزهم وعدم قدرتهم وهناك دليل اخر يؤكد ضعفهم اقوى واشد من هذا وهو قوله جل وعلا وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه قال ابن عباس رضي الله عنه كان المشركون يضمخون الهتهم يعني ويطيبون الهتهم الزعفران ويصبون على رؤوسها العسل ويغلقون عليها الابواب فيدخل الذباب من الكوة فيأخذ من الطيب ومن العسل فهل يستطيع هذا المعبود من دون الله جل وعلا ان يستنقذ شيئا مما اخذه الذباب هل يستطيع ان يخلص نفسه هل يستطيع ان يمنع الذباب من يأخذ منه شيء هل يخلص ما عليه من الطيب او من العسل او غيره يحمي نفسه من الذباب الذي هو اضعف المخلوقات والله لا يستطيع ذلك لانها لا تتحرك جماد حجر او خشب او شجر او نحو ذلك اذا ما دام يعجز ان يخلص نفسه من الذباب فكيف يرجى منه ان ينفع او يخاف منه ان يضر وان يسلبهم يعني يأخذ الذباب من الالهة المعبودة من دون الله شيئا وان قل لا يستنقذوه منه لا يستطيعون ان يأخذوه منه ان يستردوه ضعف الطالب والمطلوب الطالب من هو؟ الذي يريد الاستنقاذ الصنم والمطلوب ما هو الذباب ضعف الطالب والمطلوب وضعف الطالب اشد لان المطلوب ضعيف الذباب لكنه يستطيع ان يفر ويطير ويتحرك ويأخذ ويسلد لكن الطالب الذي هو الصنم لا يستطيع شيئا وقيل الطالب هو عابد الصنم والمطلوب هو الصنم يعني هذا الطالب الرجل او المرأة الذي يأتي الى هذا الصنم يسأله والصنم هل يستطيع ان يعطيه شيئا لكن القول الاول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو اولى والله اعلم ان المراد بالطالب هو الصنم والمراد بالمطلوب هو الذباب ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره هذا رد على كفار قريش الذين يلتجئون الى الاصنام ويقولون نحن نعلم ان الله جل وعلا هو الخالق وهو الرازق ونقدر ربنا لكن نعبد هذه الالهة لتقربنا الى الله زلفى قال الله جل وعلا كذبوا ما قدروا الله حق قدره لو قدروا الله حق قدره ما عبدوا الاصنام الله جل وعلا هو الذي خلقهم وهو الذي رزقهم وهو الذي يهبهم القوة والمال والعقل ونعمه تتوالى عليهم ثم يعبدون صنما جمادا لا يتحرك ما قدروا الله حق قدره لو قدروا الله حق قدره ما عبدوا غيره ومن عرف الله جل وعلا توجه اليه من عرف الله حقيقة توجه اليه واعرض عما سواه. ومن توجه الى غير الله فما عرف الله حقيقة وكلما كان العبد بالله اعرف كان التجاؤه اليه اعظم وتوجهه اليه اكبر واعراضه عما سواه من كان بالله اعرف كان منه اخوف يعبد الله جل وعلا عبادة عن رغبة فيما عنده وعن رهبة خوف من عذابه ما قدروا الله حق قدره ان الله لقوي عزيز قوي جل وعلا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه ولا راد لما اراده عزيز منيع جل وعلا لا احد يستطيع ان يضر الله جل وعلا بشيء فهو جل وعلا لا تنفعه طاعة المطيع ولا تضره معصية العاصي وهو غني عن خلقه جل وعلا لا يتعزز بهم من ذلة ولا يتكثر بهم من قلة سبحانه وتعالى ان الله لقوي عزيز فهل يصح في هذا القوي العزيز ان يساوى في هذه الاصنام التي تعبد معه ومن دونه اين اقول الذين يتوجهون الى اصحاب القبور الاموات يسألونهم ويتضرعون اليهم ويطلبون منهم ان يردوا الغائب او ان يشفي ان يشفي المريض او ان يعمل كذا او يعمل لهم كذا ميت لا روح فيه ان كان صالحا فهو في روضة من رياض الجنة لا يدري عنهم وان كان شقيا فهو في حفرة من حفر النار مشغول بما هو فيه لا يدري عنهم شيئا ولو نادوه بالليل والنهار وبأعلى اصواتهم حتى تبح حلوقهم ما سمعهم الله وما استجاب لهم والله جل وعلا يضرب الامثال لعباده ليبين لهم الطريق الحق الصواب ليبين لهم ما فيه سعادتهم في الدنيا والاخرة وليحذرهم من طريق الشقاوة والهلاك الامثال فيها عبرة وموعظة وتذكير لمن وفقه الله جل وعلا واما من اراد الله شكوته فهو لا يستفيد شيئا وتقوم عليه الحجة بما يسمعه ويلقى عليه فحري بالعاقل ان يتدبر كتاب الله جل وعلا وان يتأمل الايات التي اوردها الله جل وعلا للدلالة على وحدانيته وعظمه سبحانه جل وعلا واطلاعه على خلقه وانه لا تخفى عليه خافية من امورهم ويلتجئ اليه ويسألوه ويتضرع اليه وقد وعدهم بالاجابة والله اعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين