﻿1
00:00:00.280 --> 00:00:09.062
(مؤثرات صوتية)

2
00:00:09.142 --> 00:00:09.944
السَّلام عليكم

3
00:00:10.150 --> 00:00:14.722
أيُّها الإخوة الكرام، في الحلقة الماضية وضَّحنا حُزمةَ المكوِّّنات الفطريَّة،

4
00:00:14.810 --> 00:00:20.279
والَّتي تُشكِّل مأزقًا للملحد يتهرَّب منه بإنكار وجود هذه المكوِّنات،

5
00:00:20.540 --> 00:00:22.120
أو بتفسيرها تفسيرًا ماديًّا

6
00:00:22.600 --> 00:00:28.149
سنرى اليوم هذا السُّلوك الإلحاديَّ مع أوَّل مُكوِّنٍ، ألا وهو: نزعة التَّدين

7
00:00:28.570 --> 00:00:33.460
ونقصد بالتَّدين: إدراك الإنسان أنَّ له ولهذا الكون خالقًا مدبِّرًا،

8
00:00:33.550 --> 00:00:38.057
والرَّغبة في عبادة هذا الخالق والتَّقرُّب منه، والشُّعور بالحاجة إليه،

9
00:00:38.250 --> 00:00:40.674
وكذلك الُّلجوء إليه عند الشَّدائد

10
00:00:41.520 --> 00:00:46.617
المنظور الإسلاميُّ يذكر وجود هذه النَّزعة كحقيقةٍ مسلَّمةٍ، وذلك في آياتٍ كثيرةٍ،

11
00:00:46.790 --> 00:00:47.918
كقول الله تعالى:

12
00:00:47.918 --> 00:00:50.529
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّدَعَانَا﴾ [القرآن 10: 12]

13
00:00:50.780 --> 00:00:57.112
الإنسانُ عمومًا؛ لأنَّها فطرةٌ مزروعةٌ في كلِّ إنسانٍ، وقولنا بفطريَّة التَّديُّن

14
00:00:57.270 --> 00:01:02.665
يعني: أنَّه مُكوِّنٌ صميميٌّ راسخٌ في النَّفس البشريَّة، وجزءٌ أصيلٌ مِن تكوينها،

15
00:01:02.920 --> 00:01:07.473
توجَد جذوره منذ ولادة الإنسان، بغضِّ النَّظر عن المؤثِّرات الخارجيَّة

16
00:01:08.780 --> 00:01:12.130
في البداية، أنكر الملحد فطريَّة التَّديُّن، وقال:

17
00:01:12.250 --> 00:01:16.511
"بل إيمان النَّاس بِوجود خالقٍ أمرٌ مكتَسَبٌ بتأثير التَّربية،

18
00:01:16.700 --> 00:01:18.690
وتناقُل الأجيال لهذه الدَّعوة،

19
00:01:18.690 --> 00:01:23.390
ولو تُرِك الإنسان ونفسَه، فليس هناك ما يدعوه للإيمان بوجود خالقٍ"

20
00:01:23.735 --> 00:01:30.202
ويقول لك الملحد: "هناك معتقداتٌ كثيرةٌ يؤمن بها أصحابها مع أنَّها مجرَّد خرافاتٍ،

21
00:01:30.202 --> 00:01:35.094
كـ(بابا نويل) الَّذي يأتي على عربةٍ من السَّماء ليلة العيد -عيد الميلاد-،

22
00:01:35.140 --> 00:01:36.859
والتِّنِّين الَّذي ينفث النَّار..."

23
00:01:37.360 --> 00:01:42.024
فنقول: حتَّى لو تجاوزنا حقيقةَ أنَّ المعتقدات الخرافيَّة لا دليل عليها،

24
00:01:42.310 --> 00:01:47.036
بينما وجود الخالِق يدلُّ كلُّ شيءٍ عليه، كما سنبيِّن في هذه السِّلسلة -بإذن الله-

25
00:01:47.500 --> 00:01:53.222
فإنَّه فرقٌ -كلَّ الفرق- من النَّاحية الشُّعوريَّة، بين معتقداتٍ خرافيَّةٍ يغذَّى بها الأطفال،

26
00:01:53.560 --> 00:01:55.947
ويكتشفون عندما ينضُجون زيفها،

27
00:01:55.947 --> 00:02:01.599
وأنَّها لا تمتلك أيَّ أساسٍ ولا برهان، ويضحكون من أنفسهم أن آمنوا بها يومًا ما،

28
00:02:01.870 --> 00:02:03.086
-كالتِّنِّين وبابا نويل-

29
00:02:03.360 --> 00:02:06.908
أو خرافاتٍ يعتقدها قومٌ في بيئةٍ جغرافيَّةٍ محدَّدةٍ،

30
00:02:07.180 --> 00:02:08.515
توارثوها عبر الأجيال

31
00:02:09.700 --> 00:02:15.561
وفي المقابل: نزعة التَّديُّن؛ هذا الشُّعور العميق الَّذي يجده النَّاس من أنفسهم،

32
00:02:15.940 --> 00:02:20.061
حتَّى الَّذي ينكره يُغالبُ نفسه مغالبةً لإنكاره،

33
00:02:20.470 --> 00:02:23.580
ويبقى سؤاله يهجُم عليه ويفرض نفسه عليه

34
00:02:23.580 --> 00:02:29.226
مرَّةً بعد مرَّة، حتَّى يضَّطر إلى البحث عن تفسيراتٍ ماديَّةٍ لوجودِه،

35
00:02:29.580 --> 00:02:31.414
فأصالةُ التَّديُّن في النَّفس البشريَّة

36
00:02:31.650 --> 00:02:34.784
أمرٌ تؤكِّده دراسات الأنثروبولوجي (علم الإنسان)،

37
00:02:34.890 --> 00:02:36.547
والسُّوسيولوجي (علم الاجتماع)،

38
00:02:36.870 --> 00:02:42.457
وبات من المألوف في العديد من الدِّراسات التَّعبير عن فطريَّة التَّديُّن

39
00:02:42.700 --> 00:02:46.742
بأنَّ الدِّين أشبَهُ ما يكونَ بشيءٍ قد تمَّ تسليكه في الإنسان

40
00:02:46.970 --> 00:02:49.832
"religion is hardwired in humans"

41
00:02:50.260 --> 00:02:56.664
يعني: هو مُكوِّنٌ صميميٌّ في الإنسان، مختلِطٌ بلحمه ودمه كالشَّرايين والأعصاب،

42
00:02:56.960 --> 00:02:59.933
وهي حقيقةٌ ضاربةٌ في عمق التَّاريخ،

43
00:03:00.040 --> 00:03:02.265
حتَّى قالَ المؤرِّخ الإغريقيُّ بلوتارك "Plutarch":

44
00:03:02.550 --> 00:03:07.620
"إذا سافرتَ عبر العالم فمِن الممكن أن تجد مدنًا بلا أسوارٍ، بلا آداب،

45
00:03:07.620 --> 00:03:12.278
بلا ملوكٍ، بلا ثروةٍ، بلا مسارحَ، ولكنْ، لم يكن هناك يومًا

46
00:03:12.550 --> 00:03:18.457
-ولا يمكن أن يكون في يومٍ من الأيامِ- مدينةٌ بلا معبدٍ يمارس فيه الإنسانُ العبادةَ"

47
00:03:19.000 --> 00:03:23.820
والأمر -إخواني- لا يحتاج دراساتٍ ولا النَّظر في التّاريخِ؛ بل الإنسان يجده مِن نفسه؛

48
00:03:24.100 --> 00:03:28.320
أنَّه إذا وقع في الشَّدائد تحرَّك في نفسه معنًى، لا يستطيع دفعه

49
00:03:28.600 --> 00:03:34.400
بأنَّه ثمَّة قوَّةٌ عُليا بمقدورها إنقاذه، ووجدَ مِن حالِه طلبًا،

50
00:03:34.400 --> 00:03:38.858
والتجاءً لربِّه أن يخلِّصه من هذا المأزقِ، لذلك فمن أمثلة الغرب:

51
00:03:39.008 --> 00:03:41.476
"There are no atheists in foxholes"

52
00:03:41.736 --> 00:03:43.830
أي: "لا يوجد ملحدون في الخنادق"

53
00:03:43.830 --> 00:03:48.468
يعني: خنادق الحرب، عندما يتعرَّضون لأخطارٍ تهدِّد حياتهم

54
00:03:49.000 --> 00:03:52.881
قد يُكابر الملحدُ، وقد تجد مجموعةً من الجنود الجبناء،

55
00:03:53.290 --> 00:03:59.109
الَّذين يتسلَّون بقتل المدنيِّين، واغتصاب أعراضهم، وليسوا في خطرٍ حقيقيٍّ،

56
00:03:59.350 --> 00:04:01.349
ومع ذلك يكتبون لوحةً عليها:

57
00:04:01.540 --> 00:04:05.899
"atheists in foxholes" أي: ملحدون في الخنادق

58
00:04:07.090 --> 00:04:12.328
وقد تجد الملحدين يُكثِرون مِن التبجُّح بأنَّهم ليسوا بحاجةٍ إلى الله،

59
00:04:12.870 --> 00:04:17.559
بل وكثيرًا ما يشتمون الله، مع أنَّ الأصل أنَّهم لا يؤمنون بوجوده

60
00:04:17.880 --> 00:04:20.137
فكيف يشتمون شيئًا غير موجودٍ؟!

61
00:04:20.867 --> 00:04:25.775
لكنَّ ترديدهم المَرَضيَّ لمثل هذه العبارات -بمناسبةٍ أو بدون مناسبةٍ-

62
00:04:25.860 --> 00:04:31.747
يدلُّ على نفسيَّاتٍ مُتصارِعةٍ، تُغالِب صوتًا عميقًا فيها وتحاول كَبْتَه،

63
00:04:32.000 --> 00:04:36.933
وإلَّا لَمَا احتاجوا إلى هذه الضَّوضاء، خاصَّةً وأنَّ الملحد لا ينتظر جزاءً أخرويًا

64
00:04:37.170 --> 00:04:42.836
على الاستعلانِ بمعتَقَدِه، ولا لديه دوافع أخلاقيَّةٌ مطلقةٌ تدفعُه إلى استنقاذ النَّاس

65
00:04:42.836 --> 00:04:46.131
مِن ضلال الإيمان بالله -حَسْبَ معتقده-

66
00:04:46.800 --> 00:04:51.418
ولفراغٍ يعصف بكثيرٍ من الملاحدة، بعد أن أنكروا هذا المكوِّن الِفطريَّ

67
00:04:51.563 --> 00:04:53.249
الَّذي يفرِض نفسه عليهم،

68
00:04:53.730 --> 00:05:00.225
بدأوا بتأسيس لونٍ من التَّجمُّعات الإلحاديَّة على نحوٍ طُقوسيٍّ مشابهٍ -إلى حدٍّ بعيد-

69
00:05:00.500 --> 00:05:06.304
التَّجمُّعاتِ الدِّينيَّة، مثل: ما يعرف بكنائسِ الملاحدة (كنائس الملحدين)

70
00:05:06.410 --> 00:05:07.686
"atheist churches"

71
00:05:08.020 --> 00:05:12.782
والَّتي بدأت بالانتشار في دولٍ متعدِّدةٍ، كأمريكا وكندا وبريطانيا

72
00:05:12.960 --> 00:05:18.720
في تعبير واعٍ أو غير واعٍ عن مكنُونٍ فطريٍّ، يبحث عن شكلٍ مِن أشكال التَّنفيس

73
00:05:20.040 --> 00:05:21.655
وصَدَق ابن القيِّم إذ قال:

74
00:05:21.890 --> 00:05:27.288
"إنَّ في القلب فاقةً -أي حاجةً- لا يسدُّها شيءٌ سوى الله تعالى أبدًا،

75
00:05:27.440 --> 00:05:31.217
وفيه شعثٌ -يعني تفرُّق- لا يلمُّه غير الإقبال عليه،

76
00:05:31.430 --> 00:05:36.243
وفيه مرضٌ لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده"

77
00:05:36.900 --> 00:05:39.344
فنحن لا نتكلَّم عن التِّنِّين، ولا عن بابا نويل،

78
00:05:39.470 --> 00:05:43.875
بل عن شعورٍ عميقٍ يجده عامة النَّاس من أنفسهم عبْر القرون،

79
00:05:43.875 --> 00:05:50.317
ويهجم سؤاله على مُنكرِه، ويفرض نفسه عليه مرةً بعد مرةٍ، ويبحث عن متنفَّسٍ له

80
00:05:50.700 --> 00:05:56.161
نتكلَّم عن معتقدٍ تتكامل الحزمة الفطريَّة لخدمته والتَّوجيه إليه،

81
00:05:56.161 --> 00:05:57.800
-كما وضَّحنا في الحلقة الماضية-

82
00:05:58.100 --> 00:06:03.782
وليس عن معتقداتٍ خرافيَّةٍ، لا علاقة لها بهذه الحزمة ولا تكاملها ولا توجيهها

83
00:06:04.880 --> 00:06:08.469
يقول لك الملحد: الإنسان قد يشعر بحُبِّ التَّسَلُّط،

84
00:06:08.630 --> 00:06:11.753
والذَّكر قد يشعر بالرَّغبة في الاعتداءِ الجنسيِّ على الأنثى،

85
00:06:11.894 --> 00:06:16.132
وأنتم مع ذلك -أيُّها المؤمنون بالله- تعتبرون هذه نزعاتٍ سيِّئةً

86
00:06:16.530 --> 00:06:21.997
فنقول لهم: ميل النَّفس لطباِئع الهوى والشَّهوات ليس مُعكِّرًا على ما نحن فيه،

87
00:06:22.570 --> 00:06:28.073
فمَعَ ما في بعض النَّاس من ميلٍ للرَّذائل إلَّا أنَّهم لا يصحِّحون هذا المَيل،

88
00:06:28.320 --> 00:06:35.339
ولا يرونه حسنًا ولا حقًّا، بل يعتقدون فساده؛ فالمكوِّن الفطريُّ هنا -وهو النَّزعة الأخلاقيَّة-

89
00:06:35.760 --> 00:06:39.209
متضمِّنٌ للاعتراف بفساد الميل للشَّهوات الرَّديئة،

90
00:06:39.510 --> 00:06:44.755
والإنسان يعلم أنَّ ميوله هذه باطلةٌ بتأثير الفطرة الَّتي نتكلَّم عنها

91
00:06:45.210 --> 00:06:47.387
فهذه حجَّةٌ لنا لا علينا.

92
00:06:47.900 --> 00:06:51.442
أقرَّ كثيرٌ من الملحدين بأنَّ نزعة التَّديُّن والتَّصديق بوجود الله،

93
00:06:51.770 --> 00:06:56.884
يتجاوز التَّأثير الخارجيَّ والبيئيَّ، وأنَّه مكوِّنٌ مركزيٌّ في الإنسان

94
00:06:57.170 --> 00:07:01.557
ماذا فعلوا؟ هل آمنوا؟ لا؛ فالإلحاد لا يبحث عن الحقيقة،

95
00:07:01.670 --> 00:07:07.090
بل إذا بانَ بُطلانُ ما كان يعتقده بَحَثَ عن أيَّ متعلَّقٍ آخر، غيرَ الإيمانِ بالله

96
00:07:07.680 --> 00:07:12.523
قالوا: نزعة الإيمان بالخالق ليست بالضَّرورة أن تكون مطابقةً للحقيقة،

97
00:07:12.660 --> 00:07:15.672
بل قد تكون مجرَّد توهُّم أنتجته العشوائيَّة،

98
00:07:15.920 --> 00:07:20.134
قد تكون صفةً انتخبتها الطَّبيعة لتساعد الإنسانَ على البقاء،

99
00:07:21.100 --> 00:07:23.757
وسنبحث عن سببٍ ماديٍّ لنزعة التَّديُّن،

100
00:07:23.930 --> 00:07:28.371
وبدأتْ بالفعل تتشكَّل مجالاتٌ معرفيَّةٌ خاصَّةٌ لدراسة هذه الظَّاهرة

101
00:07:28.660 --> 00:07:31.710
فقد تفرَّع عن علم الأعصاب الـ"Neuroscience"،

102
00:07:31.950 --> 00:07:36.878
ما بات يعرف بـ "neurotheology"، أي: علم اللَّاهوت العصبيّ؛

103
00:07:37.160 --> 00:07:42.865
وهو مجالٌ بحثيٌّ يسعى للكشف عن طبيعة الصِّلة بين الجهاز العصبيّ وظاهرة التَّديُّن

104
00:07:43.440 --> 00:07:48.286
بل بلغ الأمر إلى التَّفتيش عن جينٍ مسؤولٍ عن نزعة التَّديُّن هذه

105
00:07:48.660 --> 00:07:51.775
فقد نشر عالم الجينات الأمريكي (دين هامر) "Dean Hamer"

106
00:07:52.230 --> 00:07:54.804
كتابًا سنة (2005) بعنوان:

107
00:07:55.100 --> 00:07:59.411
The God Gene: How Faith Is) (Hardwired into Our Genes

108
00:07:59.970 --> 00:08:05.185
يعني: (الجين الإلهي: كيف ضُمِّن الإيمانُ في جيناتنا)،

109
00:08:05.730 --> 00:08:10.428
وتجد مؤلَّفاتٍ في البحث عن الجزء من الدِّماغ المسؤول عن الإيمان بوجود خالقٍ،

110
00:08:10.850 --> 00:08:13.971
ككتاب Matthew Alper: (The God Part of the Brain)

111
00:08:15.060 --> 00:08:18.528
يعني: (الجزء المتعلِّق بوجود خالقٍ في الدِّماغ)

112
00:08:18.710 --> 00:08:20.362
بدايةً، لاحِظ أنَّ هؤلاء الملحدين

113
00:08:20.362 --> 00:08:24.755
لم يبحثوا عن تفسيراتٍ ماديَّةٍ لقناعة بعض النَّاس بوجود التِّنِّين،

114
00:08:24.940 --> 00:08:30.467
ولا لأمثلة الملحدين السَّخيفة الَّتي يضربونها ليقولوا أنتم تفترضون وجود إلهٍ،

115
00:08:30.560 --> 00:08:32.860
وأيُّ إنسانٍ قد يفترض شيئًا آخر،

116
00:08:32.860 --> 00:08:35.630
كـ(وحش الإسباغيتي الطَّائر)، أو (الإبريق الدَّائر في الفضاء)

117
00:08:36.030 --> 00:08:40.825
لأنّه فرقٌ -كلَّ الفرق- بين هذه المعتقدات والأمثلة السَّخيفة،

118
00:08:40.950 --> 00:08:45.868
وفي المقابل نزعة التَّديُّن الأصيلة شديدة العمق في الجنس البشريِّ

119
00:08:46.090 --> 00:08:49.564
لكن لحظة، أنتم أيُّها الملحدون ماذا تفعلون؟

120
00:08:49.840 --> 00:08:51.457
"نبحث عن تفسيرٍ ماديٍّ للتَّديُّن"

121
00:08:51.840 --> 00:08:52.610
حسنًا...

122
00:08:53.580 --> 00:08:57.085
وعلى فرض أنَّكم وجدتُم تفسيرًا ماديًا لنزعة التَّديُّن،

123
00:08:57.520 --> 00:09:01.634
عليكم أن تجدوا تفسيراتٍ ماديَّةً للمكوِّنات الفطريَّة الأخرى،

124
00:09:01.871 --> 00:09:04.772
الَّتي تكلَّمنا عنها في الحلقة الماضية

125
00:09:05.443 --> 00:09:07.960
سنرى في حلقةِ (الشُّعور بالإرادة الحرَّة)

126
00:09:07.960 --> 00:09:11.989
بُطلان محاولة تقديم تفسيرٍ ماديٍّ جينيٍّ لكلِّ شيءٍ

127
00:09:12.380 --> 00:09:14.700
وتحوُّله إلى سخافةٍ مُبتَذَلةٍ

128
00:09:15.140 --> 00:09:19.720
ومع ذلك نقول: فلنفترِض جدلًا أنَّكم وجدتم جيناتٍ لنزعةِ التَّديُّن،

129
00:09:20.250 --> 00:09:26.206
وأخرى للضَّروراتِ العقليَّة، ومجموعةً ثالثةً للأخلاق، ورابعةً للغرائز،

130
00:09:26.430 --> 00:09:31.239
وخامسةً للشُّعور بالغائيَّة، ومجموعةً سادسةً من الجينات للإرادة الحرَّة،

131
00:09:31.730 --> 00:09:37.312
وهو ما يبدو متناقضًا طبعًا، كأنَّنا نقولُ: جيناتٌ تجبرك على أن تكونَ حرًا!

132
00:09:37.570 --> 00:09:40.727
لكن، فلنفترض.. فلنفترض أنَّكم وجدتُم هذا كلَّه،

133
00:09:41.570 --> 00:09:46.443
ما هذه الحُزمة المتناسَقة الموجَّهة الَّتي تجعل النَّاس مؤمنين بوجود خالقٍ،

134
00:09:46.850 --> 00:09:53.208
محبِّين لعبادته، مُلتجِئين إليه، مالكين لضروراتٍ عقليَّةٍ يفهمون بها مُرادَه،

135
00:09:53.460 --> 00:09:56.201
ونزعةٍ أخلاقيِّةٍ منسجمةٍ مع أوامِره،

136
00:09:56.380 --> 00:10:00.320
وشعورٍ بالغائيَّة يدفعهم للبحث عن مراده والالتزام به،

137
00:10:00.620 --> 00:10:03.754
وإرادةٍ حرَّةٍ يختارون بها طاعته أو معصيته،

138
00:10:03.940 --> 00:10:07.912
وغرائز تضمَن استمرار جنسهم في هذه الأرض خلال فترة اختبارهم...؟

139
00:10:08.710 --> 00:10:12.063
حتَّى.. لكأنَّ عشوائيَّتكم تعبُّد ربَّنا!

140
00:10:12.430 --> 00:10:16.880
إن وجدتم هذه الحزمة، فما هو إلَّّا دليلٌ آخرٌ على عِظم هذا الخالق،

141
00:10:17.100 --> 00:10:22.397
الَّذي أودَعَها في البشر، وكامَلَ بينها وجعلها منسجمةً مع أوامره الشَّرعيَّة

142
00:10:23.320 --> 00:10:25.011
يُجيبك كِبْرُ الإلحاد فيقول:

143
00:10:25.250 --> 00:10:30.096
"بل كلُّ هذه النَّزعات لا تعني بالضَّرورةِ شيئًا، ووجودها لا يعني صحَّتها"

144
00:10:30.490 --> 00:10:35.610
وحقيقةً -إخواني- وإن كان فيما تقدَّم كفايةً لمن أراد الهداية،

145
00:10:35.630 --> 00:10:40.365
لكنَّنا سنستمرُّ في مناقشة الملحد، لما في هذه المناقشة من فوائد

146
00:10:40.670 --> 00:10:41.990
سنرى في الحلقات القادمة..

147
00:10:42.370 --> 00:10:47.547
ما نتائج قول الملحد: أنَّ ما يجدُه الإنسانُ مِن نَفْسه ضرورةً مِن هذه المكونات

148
00:10:48.015 --> 00:10:50.660
لا يلزم أن يكون حقًّا في حقيقةِ الأمرِ؟

149
00:10:51.140 --> 00:10:54.032
فمحطَّتنا التَّالية هي مع (الضَّرورات العقليَّة)

150
00:10:54.210 --> 00:10:57.411
وهي حلقةٌ مهمَّةٌ غزيرةُ النَّفعِ -بإذن الله-

151
00:10:57.580 --> 00:10:58.350
فتابعونا...

152
00:10:58.630 --> 00:11:00.027
والسلام عليكم ورحمة الله