﻿1
00:00:05.064 --> 00:00:06.240
السلام عليكم ورحمة الله.

2
00:00:06.419 --> 00:00:13.250
أيها الكرام، يستدل البعض بآيات من القرآن ليؤيد بها تطور الإنسان عن كائنات أدنى.

3
00:00:13.401 --> 00:00:15.467
فهل استدلالهم هذا صحيح؟

4
00:00:15.537 --> 00:00:18.303
بداية، هل العلم الرصدي التجريبي -الـ(Science)-

5
00:00:18.457 --> 00:00:21.378
أثبت تطور الإنسان عن كائنات أدنى؟

6
00:00:21.615 --> 00:00:24.792
أجبنا عن هذا السؤال بالتفصيل في حلقة (أصل الإنسان)

7
00:00:24.994 --> 00:00:28.645
حسنا، وهل البحث في نشأة الإنسان أصلاً هو من اختصاص الـ(Science)؟

8
00:00:28.764 --> 00:00:34.619
بيّنَّا أنَّ أصلَ الإنسان أمرٌ غيبيّ ليس خاضعًا للرصد ولا للتجريب،

9
00:00:34.779 --> 00:00:37.270
وبالتالي فهو خارج اختصاص الـ(Science).

10
00:00:37.386 --> 00:00:39.146
إذن فكيف نعرف أصل الإنسان؟

11
00:00:39.285 --> 00:00:41.825
بيَّنَّا أن الأمورَ الغيبيَّة من هذا النوع

12
00:00:42.146 --> 00:00:46.239
لا سبيل إلى معرفتها إلا بالدليل العلميّ الخبري.

13
00:00:46.444 --> 00:00:50.384
حلقة اليوم بناءٌ على هذه المفاهيم التي أثبتناها،

14
00:00:50.469 --> 00:00:55.010
فالذي عنده اعتراض على هذه المفاهيم عليه أن يرجع للحلقات المذكورة.

15
00:00:55.181 --> 00:00:58.913
وحلقة اليوم هي أيضاً للمؤمنين بأن القرآن من عند الله.

16
00:00:59.072 --> 00:01:03.966
فبدايةً -يا كرام- ضروري أن نتحرر من ضغط محاولة التوفيق بين الآيات

17
00:01:04.138 --> 00:01:07.741
وفكرةِ تطور الإنسان التي لا دليل عليها من الـ(Science)؛

18
00:01:07.831 --> 00:01:10.981
لننظرَ في نصوص الوحي نظرةً متحرّرة،

19
00:01:11.157 --> 00:01:15.501
فنفهمَها فهمًا صحيحًا غيرَ متأثرٍ بأوهامٍ مسبَقة.

20
00:01:15.669 --> 00:01:20.471
فإن أصل انحراف كثيرٍ من المسلمين قديمًا وحديثًا في التّعامل مع القرآن

21
00:01:20.739 --> 00:01:25.985
هو أنهم استقرَّ في أذهانهم أوهامٌ باطلة، مقرراتٌ مسبَقة،

22
00:01:26.124 --> 00:01:33.022
ثم راحوا يطوّعون نصوص القرآن لهذه المقررات، فقادهم ذلك إلى تحريف معاني القرآن،

23
00:01:33.211 --> 00:01:39.234
وهو من تحريفِ الكَلِم عن مواضعه. والله تعالى حينَ أخبرنا بأخبار أهل الكتاب

24
00:01:39.310 --> 00:01:45.163
أنهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [القرآن 5: 13]،

25
00:01:45.354 --> 00:01:49.200
فقد أخبَرَنا بأخبارِهم لنَحذَرَ أن نفعلَ مثلَ فِعلهم.

26
00:01:49.351 --> 00:01:55.173
ومرَّة أُخرى نقول -يا كرام: هل الله قادرٌ على تَطويرِ الإنسان عن كائناتٍ أدنى؟

27
00:01:55.335 --> 00:01:59.941
نعم... هذا ممكنٌ في قدرةِ الله -تعالى- الذي لا يُعجِزُه شيءٌ،

28
00:02:00.107 --> 00:02:03.871
لكنْ سؤالُنا الآن: ما الذي أخبرنا به الوحي؟

29
00:02:04.058 --> 00:02:08.613
أي: ما هو الدليل العلميُّ الخبريُّ على أصلِ الإنسان؟

30
00:02:08.763 --> 00:02:14.490
فهذه الخطوة الأولى في منهجيَّتِنا: التّحرُّر من مقرَّرات مسبقة لا دليل عليها.

31
00:02:14.546 --> 00:02:21.387
ثانيا: سنرى هل بيّن الله تعالى خلق الإنسان في آيات محكمات واضحة المعنى لا لبْس فيها؟

32
00:02:21.678 --> 00:02:26.574
أم أنَّه -تعالى- ترك كيفيَّة خلقِ الإنسان مفتوحةً للاحتمالات؟

33
00:02:26.684 --> 00:02:34.092
ثالثا: سنلتزم بما يأمرنا به إسلامنا من أن نستقي الأخبار الحقة من القرآن والسنة معا،

34
00:02:34.137 --> 00:02:38.274
فنستعينَ بأحاديثَ صحيحةٍ على تأكيدِ الجواب عن نشأة الإنسان.

35
00:02:38.485 --> 00:02:42.239
رابعًا: سنرى الآيات التي يستدِلُّ بها (مُؤسْلِمُو) التطوُّر

36
00:02:42.330 --> 00:02:45.329
على أن الإنسان تَطوَّر عن كائناتٍ أدنى،

37
00:02:45.542 --> 00:02:50.564
سنضعُ هذه الآيات في سياقها القرآنيِّ، ونفهمُها على ضوء الآيات الأخرى؛

38
00:02:50.743 --> 00:02:53.248
فالقرآنُ يفسِّر بعضُه بعضًا.

39
00:02:53.287 --> 00:02:56.942
وسنرى في مقابل ذلك ملامح طريقَةِ (مُؤَسْلِمِي) التطوُّر:

40
00:02:57.492 --> 00:03:01.569
من التعامل مع القرآن بمقرَّراتٍ مسبقة موهومةٍ،

41
00:03:01.629 --> 00:03:04.079
ثمَّ تحريفَ دلالاتِ الآياتِ المحكمةِ،

42
00:03:04.079 --> 00:03:08.033
والإعراضَ بالكُلِّيَّة عن الأحاديث الصحيحة الواردة في الموضوع،

43
00:03:08.201 --> 00:03:14.078
وبَتْرَ الآيات -أو حتى أَجْزاءٍ منها- عن سياقِها، شعروا بذلك أم لم يشعروا.

44
00:03:14.172 --> 00:03:20.362
بدايةً: هناك من دَرَاوِنَة العرب من يأخذُ الخرافة كما هي، فيقولُ بتطوُّر الكائنات

45
00:03:20.537 --> 00:03:25.306
بالتغيُّرات العشوائيَّة والانتخابِ الأعمى ومَجْموعِ الصُدَف دون قصدٍ من خالقٍ،

46
00:03:25.535 --> 00:03:31.580
وتراهم يتخبَّطون، فَمَرَّةً يقولون بذلك، ومرةً يقولون: التطوُّر أداة الله في الخلق،

47
00:03:31.759 --> 00:03:38.075
وقد رددنا على هذا الاتجاه في حلقة (لماذا يُلحد بعض أتباع عدنان إبراهيم؟).

48
00:03:38.171 --> 00:03:41.917
قال بعض مُؤَسْلمي التَّطوُّر: لا... لا، نحن لا نقول بهذا،

49
00:03:42.012 --> 00:03:47.619
بل بالتطوُّر الموجَّهِ -أن الله طَوَّر الكائنات بعضَها إلى بعضٍ.

50
00:03:47.782 --> 00:03:51.633
حسنًا، تعالوا نستعرض الآيات التي يستدِلُّون بها.

51
00:03:51.747 --> 00:03:57.293
بدايةً: أكثر آيةٍ يستدلُّون بها على مبدأِ التطوُّر عمومًا هي قولُ الله -تعالى:

52
00:03:57.510 --> 00:04:01.711
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [القرآن 29: 20]

53
00:04:01.891 --> 00:04:06.909
يقولون: ماذا تريد أوضحَ من ذلك؟! الله يأمرنا أن ننظر كيف بدأ الخلق،

54
00:04:07.052 --> 00:04:12.685
أي كيف بدأت الحياة على هذا الكوكب، ونظريةُ التطوُّر هذا هو موضوعُها.

55
00:04:12.907 --> 00:04:20.312
- آها… لحظةً! هل هذه الآية دليلٌ على صحَّة نظريَّة التطوُّر موجّها أو غيرَ موجّه؟

56
00:04:20.400 --> 00:04:24.073
= لا - حسنًا… إذن، لماذا تستدلُّون بها؟

57
00:04:24.326 --> 00:04:28.816
= لأنَّها تدلُّ على أنَّه بالإمكانِ معرفةُ أصلِ الإنسان والمخلوقات

58
00:04:28.960 --> 00:04:31.299
بالسَّير في الأرض وباستخدام الـ(Science)

59
00:04:31.499 --> 00:04:34.869
- هل هذا معناها الذي يدلُّ عليه سياقُها؟

60
00:04:35.049 --> 00:04:37.896
= إن لم يكن هذا معناها فما معناها إذن؟

61
00:04:38.039 --> 00:04:41.006
- آها، تعالَوا نرى سياقَ الآية

62
00:04:41.006 --> 00:04:46.919
الآية هي من سورة العنكبوت، وسياقُها إقامةُ الحجَّةِ على مُنكري الإحياء بعدَ المَوت،

63
00:04:46.990 --> 00:04:51.101
أنَّ الله الذي يُبدئ الخلق بشكلٍ متجدِّدٍ مستمَرٍّ

64
00:04:51.292 --> 00:04:57.454
قادرٍ على أن يُنشِئَهم بعدَ مماتهم للحساب يوم القيامة، اسمع لسياق الآية:

65
00:04:57.609 --> 00:05:02.458
قال الله -تعالى: ﴿وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ۖ...

66
00:05:02.614 --> 00:05:05.108
وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ۝

67
00:05:05.236 --> 00:05:11.114
أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ۝

68
00:05:11.257 --> 00:05:14.460
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ

69
00:05:14.673 --> 00:05:21.073
ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝

70
00:05:21.233 --> 00:05:27.143
يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ ۖ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ۝﴾ [القرآن 29: 18-21]

71
00:05:27.293 --> 00:05:30.855
﴿وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾

72
00:05:31.023 --> 00:05:35.562
إن تُكذِّبوا بالبعث والحساب فقد كَذَّبَت أممٌ أخرى بائدةٌ.

73
00:05:35.728 --> 00:05:38.257
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ۝

74
00:05:38.430 --> 00:05:41.766
أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾

75
00:05:41.856 --> 00:05:45.558
لاحظ! تركيبُ الكلام شبيهٌ بالآية بعدها

76
00:05:45.704 --> 00:05:49.494
﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقُ﴾، وهنا: ﴿يُبْدِئُ الله الْخَلْقَ﴾.

77
00:05:49.653 --> 00:05:55.051
هل المقصود بالآية: أولم يروا كيف ينشئ الله الكائنات من أصل مشترك بالتطوُّر الموجَّهِ؟

78
00:05:55.268 --> 00:06:01.459
لا علاقةَ لهذا المعنى بالسياق، وإنما: أولم يَرَوا كيف يُنشئُ الله المخلوقاتِ من عدم

79
00:06:01.575 --> 00:06:08.271
-أي بعد أن كانت معدومةً- البشرَ والنباتَ والحيوانات... يوجدها بعد أن لم تكن موجودة؟

80
00:06:08.464 --> 00:06:10.017
وهي بمعنى قوله -تعالى:

81
00:06:10.143 --> 00:06:14.601
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [القرآن 30: 27]

82
00:06:14.783 --> 00:06:19.383
فإعادةُ المخلوقات أهون من خلقها أول مرَّة،

83
00:06:19.463 --> 00:06:22.341
لذلك قال هنا: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.

84
00:06:22.518 --> 00:06:28.052
لكنَّ الإنسانَ قلَّما يتَّعِظُ بالمخلوقات التي اعتاد عليها من حوله لأنَّه أَلِفَها،

85
00:06:28.345 --> 00:06:33.633
ولأنَّ حواسَّه كانت تعمل من الطفولة قبل أن ينضجَ لديه التَّفكُّر والتَّأمُّل،

86
00:06:33.809 --> 00:06:37.510
فاعتاد على هذه الـمَشاهِد، وكان بحاجةٍ إلى تجديدٍ

87
00:06:37.610 --> 00:06:42.562
يجدد لديه مَلكة التأمل والتفكر والاتِّعاظ. كيف يحصلُ هذا التَّجديد؟

88
00:06:42.856 --> 00:06:47.280
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾،

89
00:06:47.364 --> 00:06:50.279
بأن يسيرَ الإنسانُ في الأرض فيرى مخلوقاتٍ أُخرى

90
00:06:50.483 --> 00:06:56.737
-يَرى حيواناتٍ ونباتاتٍ وجبالًا وأنهارًا ومَشاهدَ لم يَعتَدْها-

91
00:06:56.913 --> 00:07:00.188
تَدلُّه على عظمةِ الخالق وقُدرَته على البعث،

92
00:07:00.318 --> 00:07:04.032
يَرى من آثار الأُمَم البائدة والأُممِ التي حلَّت مَحَلَّها؛

93
00:07:04.230 --> 00:07:08.723
فيدركَ أنَّ اللهَ الذي أهلك أقوامًا وأحلَّ مَحَلَّهم أقوامًا

94
00:07:08.921 --> 00:07:15.746
قادرٌ على أن يبعَثهم جميعًا كما لم يُعجِزه إيجادُهم ولا إهلاكُهم، لذلك قال بعدها:

95
00:07:15.967 --> 00:07:20.158
﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةِ﴾ -يومَ القيامة-

96
00:07:20.358 --> 00:07:22.855
﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

97
00:07:22.945 --> 00:07:26.601
حسنًا، لماذا في الآية الأولى ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾

98
00:07:26.754 --> 00:07:29.353
وفي الثانية: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾؟

99
00:07:29.433 --> 00:07:34.986
لأنَّك في بلَدِكَ وبينَ أهلك ترى المواليد يُولدون ويَكبُرون عَبرَ السِّنين،

100
00:07:35.168 --> 00:07:40.084
ترى النباتَ يَخرُج ويَنمُو شيئًا فشيئًا، بينما عندما تسير في الأرض

101
00:07:40.345 --> 00:07:46.521
لا تكونُ مستقِرًّا لتَشْهَدَ هذه المراحلَ، وإنَّما ترى مَخلوقاتٍ بدأها اللهُ من قَبل.

102
00:07:46.674 --> 00:07:53.222
تعالَوا الآنَ نقرأ الآية في سياقها لنرى اتِّساق المعنى مع ما ذكرْنا:

103
00:07:53.383 --> 00:07:58.142
آخر الآية 17 من سورة العنكبوت: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾… بعدها:

104
00:07:58.233 --> 00:08:03.941
﴿وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ۖ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ۝

105
00:08:04.108 --> 00:08:09.375
أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ۝

106
00:08:09.515 --> 00:08:15.119
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ

107
00:08:15.294 --> 00:08:18.301
إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝

108
00:08:18.408 --> 00:08:23.874
يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ ۖ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ۝﴾ [القرآن 29: 18-21]

109
00:08:23.954 --> 00:08:30.043
السؤال الآن: أليس هذا المعنى واضحًا لائِحًا مُتَّسقًا مُقنِعًا؟

110
00:08:30.139 --> 00:08:33.580
أليْسَ معنًى فَهِمَه العرب عَبْرَ القرون فلَمْ يَسْتَشْكِلوا الآية؟

111
00:08:33.756 --> 00:08:38.313
وللعلم، فهذه خلاصةُ أقوال المفسِّرين في تفسير هذه الآية،

112
00:08:38.510 --> 00:08:43.015
الطبريِّ والقُرطبيِّ وابنِ كثير والبغَوي، ومن آخرِهم السَّعديُّ وابنُ عاشور

113
00:08:43.187 --> 00:08:49.511
وغيرُهما ممن جاءوا بعد (داروين) ولم يتأثَّروا بأوهامه ولم يتَّخذوها مُقرَّراتٍ

114
00:08:49.815 --> 00:08:52.450
يُعيدون تفسيرَ القرآن بناءً عليها.

115
00:08:52.539 --> 00:08:58.613
هل فَهِم أحدٌ من علماءِ المسلمين الكِرامِ الأذكياء الأتقياء عبْرَ الأربعة عشرَ قرنًا

116
00:08:58.791 --> 00:09:03.370
أنَّ الآية تدلُّ على وجوب البحث عن النَّشأة الأولى للكائنات في الزمان الأوَّل

117
00:09:03.542 --> 00:09:07.515
المُغَيَّب عنَّا والخارجِ عن نطاق السَّير والنظر والتأمُّل،

118
00:09:07.643 --> 00:09:11.985
ثُمَّ بناءِ الفرضيَّات والتخرُّصاتِ -التي لا سبيلَ إلى بَرْهَنَتِها-

119
00:09:12.103 --> 00:09:14.692
عمَّا إذا كانت الكائناتُ من أصلٍ مُشتَرَك أم لا؟

120
00:09:14.833 --> 00:09:21.882
هل هذا المعنى هو ما يناسب البرهنة على قضية يقينيَّة يريد الله أن يزرعها في النفوس:

121
00:09:22.043 --> 00:09:25.316
أنه -تعالى- قادر على البعث بعد الموت؟

122
00:09:25.628 --> 00:09:32.156
أم أنه معنى غامضٌ مُلتَفٌّ جدليٌّ؟ يَجِلُّ عنه القرآن، وفي مثل هذا السِّياق بالذَّات.

123
00:09:32.281 --> 00:09:36.807
فهذه الآية هي في سياق الاحتجاج على الكُفَّار، بالاستناد إلى أمرٍ بدهيٍّ

124
00:09:36.947 --> 00:09:43.334
يدركه الإنسان بالسير والتأمل في الأرض، حتى وإن كان خاملا لم يتَّعظ بما رآه في بيئته،

125
00:09:43.400 --> 00:09:46.002
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾

126
00:09:46.137 --> 00:09:50.072
أي بمُجرَّدِ أن تسيروا وتنظروا سيَتَحَصَّل لكُم هذا العِلم،

127
00:09:50.275 --> 00:09:55.143
قَطعِيَّاتٌ يقينيَّةٌ، لا (داروينِيَّاتٌ) مُؤَسْلَمَةٌ أو غيرُ مُؤَسلَمةٍ.

128
00:09:55.329 --> 00:10:00.484
ثم اسأل نفسك: الآيةُ تتضمَّن أمرا من الله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾،

129
00:10:00.605 --> 00:10:05.190
فهلِ استجابَ المسلمون لهذا الأمر وساروا في الأرض فنظروا كيف بدأَ اللهُ الخلقَ؟

130
00:10:05.399 --> 00:10:11.101
الصحابةُ الَّذين أُنزلت الآية عليهم، والذين جعل اللهُ إيمانهم معيارًا فقال لهم:

131
00:10:11.186 --> 00:10:14.564
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [القرآن 2: 137]،

132
00:10:14.715 --> 00:10:19.725
ومَن بَعدَهم من قرونٌِ المسلمين عبْرَ ثلاثة عشر قرنًا قبل داروين…

133
00:10:19.904 --> 00:10:25.301
هل فَهِموا الآية واستجابوا فساروا في الأرض فنظروا كيف بدأَ اللهُ الخَلقَ؟

134
00:10:25.469 --> 00:10:32.969
أم أن الأُمَّة كلُّها لم تستجب لهذا الأمر الإلهي؛ بل ولم تفهمه أصلًا حتى جاء داروين،

135
00:10:33.086 --> 00:10:38.485
فأَفهمَها كيف تسيرُ وتنظر، وأَفهمَها ما معنى كيف بدأ الله الخلق.

136
00:10:38.670 --> 00:10:44.006
فهذه الآيةُ ليست دليلًا على نظرِيَّة التطوُّر موجهًا ولا غيرَ موجَّهٍ،

137
00:10:44.178 --> 00:10:48.839
ولا على إمكانيَّةِ معرفةِ النشأة الأولى للكائناتِ بالرصد والتّجريب.

138
00:10:49.042 --> 00:10:54.603
نأتي الآن -يا كرامُ- لموضوعِ أصلِ الإنسان. سيقول البعض: لماذا كلُّ هذه الضَّجَّة؟!

139
00:10:54.749 --> 00:10:59.436
دعونا من الماضي! ركِّزوا لنا على الحاضر! وفيم يُهمُّني معرفةُ أصل الإنسان؟!

140
00:10:59.602 --> 00:11:04.907
الله -سبحانه وتعالى- لا يكرِّر قصَّة آدم في سبعةِ مواضعَ من القُرآن

141
00:11:05.054 --> 00:11:09.905
-فضلًا عن ذِكر اسمه خمسًا وعشرين مرة- إلا لأمرٍ جَلَلٍ.

142
00:11:10.036 --> 00:11:14.868
فخَلقُ آدمَ هو من الحقائق الكُبرى التي أراد الله -تعالى- أن يَرفَع الغُموض عنها

143
00:11:14.896 --> 00:11:22.241
بشكل قطعيّ يقينيّ في كتابه ابتداءً، وتأكيدا في سُنَّة نبيّه محمدٍ -صلى الله عليه وسلم،

144
00:11:22.391 --> 00:11:26.927
فقصَّةُ آدم تُجيب عن سؤالٍ من الأسئلة الوجوديَّة الكُبرى:

145
00:11:27.003 --> 00:11:30.108
من أنا؟ وما أصل البشر الذين أنتمي إليهم؟

146
00:11:30.325 --> 00:11:34.466
فلا يَدعُها الله -سبحانه وتعالى- لحالةٍ من عدم اليقين.

147
00:11:34.641 --> 00:11:40.812
قصَّة خَلقِ آدم تُخبرُنا عن أصل الإنسان، طبع الإنسان، وظيفة الإنسان، عدوِّ الإنسان،

148
00:11:41.039 --> 00:11:44.054
أمرٌ جلَلٌ عظيمٌ، قال الله فيه:

149
00:11:44.228 --> 00:11:47.545
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ۝ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ۝

150
00:11:47.763 --> 00:11:51.638
مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ۝﴾ [القرآن 38: 67-69].

151
00:11:51.795 --> 00:11:57.109
قِصَّة خَلق آدمَ ترتبط بالغَيبيَّاتِ الكُبرى: الله، الملائكة، الجِن،

152
00:11:57.202 --> 00:12:03.349
الجَنة، النار، الروح، أصل الحياة، غاية الحياة… ترتَبط بها ارتِباطًا وثيقًا،

153
00:12:03.525 --> 00:12:08.139
وهي الغّيبيَّات التي يَنفيها الإِلْحاد مُتَّكِئًا على الداروينيَّة.

154
00:12:08.227 --> 00:12:10.273
تتساءل: وفيم يُهمَّنا أصلُ الإنسان،

155
00:12:10.373 --> 00:12:14.659
ونحن نُعاني سياسيًّا واقتصاديًّا ونتَجَرَّع الظلم من مُجرِمِي الأرض؟

156
00:12:14.891 --> 00:12:21.147
فأقول لك: من مصلحة مُجرِمِي الأرض أن يعتقد النَّاس بأنَّهم ما هم إلا شكلٌ حَيَوانيٌّ

157
00:12:21.275 --> 00:12:25.562
ظَهَر بمجموع الصُدَف، فتَنظُر لنفسِكَ كحيوان جاء عبثًا،

158
00:12:25.808 --> 00:12:29.965
وما أسهلَ إذلالَ من ينظُر لنفسه بهذِه النَّظرة.

159
00:12:30.135 --> 00:12:35.320
بينما يخبرك الله -تعالى- بنشأة أبيك آدم؛ لِتعْلم أنَّك مُكرَّم،

160
00:12:35.478 --> 00:12:37.336
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [القرآن 17: 70]،

161
00:12:37.410 --> 00:12:39.037
أُنزِلْتَ لمَهمَّةٍ عَظِيمةٍ،

162
00:12:39.161 --> 00:12:41.643
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [القرآن 2: 30]،

163
00:12:41.791 --> 00:12:45.772
فلا تخضَع لأحدٍ إلَّا له -سبحانه: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ...

164
00:12:45.966 --> 00:12:50.985
فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ...

165
00:12:51.179 --> 00:12:52.525
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝﴾ [القرآن 2: 38]

166
00:12:52.605 --> 00:12:56.312
ثُمَّ إنَّ المسألةَ تَتَجاوزُ أصْلَ الإنسان إلى القرآن كُلِّه،

167
00:12:56.448 --> 00:13:00.448
فإذا كانتْ قضيَّةً محسومَةً مُحكَمَةً كخلق آدم

168
00:13:00.588 --> 00:13:05.414
قابلةً للتَّأَوُّل -بل لتحريفِ المعنى- بِناءً على نظرَيَّاتِ العلمِ الزَّائف،

169
00:13:05.553 --> 00:13:09.913
فما الَّذي يمنعُ أن يكونَ القرآنُ كلُّه رموزًا مائعَ الدَّلالةِ؟

170
00:13:09.986 --> 00:13:16.437
تمييع دلالة آيات خلق آدم يفتح الباب لتمييع دلالة آيات الحقائق وآياتِ التَّشريع معًا،

171
00:13:16.532 --> 00:13:21.765
ولا يعودُ هناك معنًى لوصفِ القرآنِ بالكتابِ المبين ولا لقولِ الله -تعالى:

172
00:13:21.985 --> 00:13:25.693
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ...

173
00:13:25.867 --> 00:13:29.137
وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ۝﴾ [القرآن 16: 89].

174
00:13:29.238 --> 00:13:32.868
بل وصلَ الأمر ببعضِ محاولاتِ توفيقِ الداروينيَّة مع القرآنِ

175
00:13:33.053 --> 00:13:38.486
إلى ادِّعاء أنَّ آدمَ ليس أبَا البشرِ الحاليِّين كلِّهم بل عِرقٍ منهم،

176
00:13:38.686 --> 00:13:43.382
وبالتالي فَلَكَ أن تتصوَّر كيف تُصبح الآيات المَبدوءةُ بـ(يا بني آدم)

177
00:13:43.592 --> 00:13:49.675
كأنَّها خِطابٌ لجُزءٍ من البشر، لعِرْقٍ مُعيَّنٍ، بينما الآخرون غيرُ مخاطبين بها.

178
00:13:49.830 --> 00:13:56.880
مما تقدَّم تَفهَمُ لماذا كان العبثُ بدلالة آياتِ خَلق آدمَ بناءً على خُرافةِ التطوُّر

179
00:13:57.104 --> 00:14:02.252
قنطرةً لضياعِ قُدُسِيَّةِ الوحي في نفوس عددٍ من شباب المسلمين،

180
00:14:02.456 --> 00:14:05.765
بينما دراونة العرب يقولون مقالةَ مَنْ قَبْلَهم:

181
00:14:06.067 --> 00:14:09.449
﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [القرآن 4: 62].

182
00:14:09.603 --> 00:14:14.888
تعالَوا بدايةً -يا كرام- نرى ما المُحكَمُ في شأن خَلْقِ آدمَ -عليه السلام-

183
00:14:15.071 --> 00:14:20.359
ثمَّ نُناقش تفسيرَ مُؤَسْلِمِي التَّطوُّر للآياتِ الَّتي يستدِلُّون بها.

184
00:14:20.496 --> 00:14:23.868
هل الخلق الخاصُّ لآدم أمرٌ مُحكَمٌ قطعيٌّ؟

185
00:14:23.936 --> 00:14:28.747
ونقصِد بالخلقِ الخاصِّ الخلقَ المُنفَصِلَ المُميَّز عن باقي المخلوقات.

186
00:14:28.831 --> 00:14:33.576
تعالَوا نَتْلُ بعضَ الآياتِ التي تَضَعُك في أجواءِ هذا الحَدَث العظيم

187
00:14:33.768 --> 00:14:37.948
ثُمَّ نَقِفُ عندها مُتَأمِّلينَ؛ لنرى: إن كُنتَ تُؤمِنُ بالقرآن،

188
00:14:38.137 --> 00:14:43.186
فهل هذا الخلقُ الخاصُّ هو أمرٌ يحتملُ الإبهامَ واللَّبسَ والغموضَ والترميزَ؟

189
00:14:43.341 --> 00:14:46.108
أم أنَّه واضحٌ محكَمٌ قطعيٌّ؟

190
00:14:46.273 --> 00:14:49.910
هل ظُهور آدمَ هو حدثٌ بيولوجي تمَّ بأسبابٍ مادِّيَّة؟

191
00:14:50.019 --> 00:14:53.718
أم أنَّه حدثٌ استثنائي خارِجٌ عن معهودِ الأسبابِ

192
00:14:53.912 --> 00:15:00.294
مُحتَفٌّ بعالَمِ الغيب بما فيه من ملائكةٍ وجنٍّ وكلامِ الله لآدمَ واختبارِه له؟

193
00:15:00.414 --> 00:15:01.358
قال الله تعالى:

194
00:15:01.450 --> 00:15:08.836
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ۝...

195
00:15:09.043 --> 00:15:14.731
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا...

196
00:15:14.947 --> 00:15:18.289
وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ۝

197
00:15:18.524 --> 00:15:25.404
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ...

198
00:15:25.654 --> 00:15:28.543
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ۝﴾ [القرآن 2: 34-36]

199
00:15:28.724 --> 00:15:34.362
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ ۝

200
00:15:34.569 --> 00:15:38.719
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ۝﴾ [القرآن 38: 71-72]

201
00:15:38.991 --> 00:15:46.012
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ۝

202
00:15:46.132 --> 00:15:50.130
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ۝

203
00:15:50.298 --> 00:15:56.376
فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ۝ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ۝﴾ [القرآن 15: 28-31]

204
00:15:56.631 --> 00:16:01.887
فأوَّلًا: فصَّل اللهُ تفصيلًا في المراحل الَّتي مرَّ بها خَلْقُ الإنسان:

205
00:16:02.057 --> 00:16:06.771
الترابِ والطينِ والصَلْصالِ من الحمأِ المسنونِ والصلصالِ كالفَخَّار،

206
00:16:06.980 --> 00:16:10.598
إلى أن تَكوَّنَ هذا الجسمُ الَّذي نُفخَتْ فيه الرَُوحُ.

207
00:16:10.822 --> 00:16:14.869
ماذا تفعلون بهذه الآياتِ يا مؤسلمي تَطوُّر الإنسان؟

208
00:16:14.923 --> 00:16:18.511
كيف تُوفِّقُون بينها وبين أوهامِ داروين؟

209
00:16:18.748 --> 00:16:23.080
ستَجدُ منهم من يقول: المقصودُ بهذه الآيات هو أنَّ الله خَلَقَ الكائنَ الأوَّل

210
00:16:23.256 --> 00:16:28.451
أو الخلِيَّة الأولى الَّتي تَطوَّرتْ عنها الكائنات، ثمَّ بعد ذلك اشتغَلَ التَّطوُّر،

211
00:16:28.565 --> 00:16:35.119
فأخرجَ لنا كُلَّ الكائناتِ الحَيَّةِ ومنها الإنسان عَبرَ مئاتِ الملايين من السنين.

212
00:16:35.244 --> 00:16:39.895
فبِناءً على قولِهم: كأنَّ الله فصَّلَ تفصيلًا في المراحلِ الأولى لخَلْقِ الكائنِ

213
00:16:40.069 --> 00:16:44.690
الَّذي سيكونُ منه الإنسانُ ولم يذكُرِ المراحلَ الكثيرةَ بعد ذلك،

214
00:16:44.896 --> 00:16:48.540
ولم يُشِرْ إليها في القرآن -ولو مرَّةً واحدةً.

215
00:16:48.620 --> 00:16:54.067
انظر إلى التَكلُّف حينَ تَفرضُ علينا سيناريوهاتُ مؤسلمي الخرافةَ أن نُقحِم في الآيات:

216
00:16:54.197 --> 00:17:01.415
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾

217
00:17:01.555 --> 00:17:06.926
مرورًا بكائناتٍ انتقاليَّةٍ ومخلوقاتٍ شبهِ حيوانيَّةٍ عبرَ ملايين السنين.

218
00:17:07.209 --> 00:17:10.855
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾

219
00:17:10.956 --> 00:17:14.767
عندما يقول الله -تعالى: "سوَّيته" أَيْ سوَّيتُ هذا البشرَ…

220
00:17:14.850 --> 00:17:20.420
"ونفختُ فيه"؛ أيْ في هذا البشرِ، لكنْ كأنَّ مؤسلمي الخُرافة يُضيفون إلى الآياتِ:

221
00:17:20.607 --> 00:17:24.329
سويتُ سلَفًا حيوانيًّا للبشر ونفخت فيه من روحي.

222
00:17:24.485 --> 00:17:31.029
ماذا تفعلون -يا مُؤَسلمي الخرافة- بالأحاديث الصَّريحة الصَّحيحةِ المُؤَكِّدةِ لمعنى الآيات،

223
00:17:31.229 --> 00:17:37.557
كالحديث في صحيح مسلم ومُسند أحمدَ وصحيحِ ابن حبَّان ومُسند الطيالسي وأبي يَعلى وغيرِهم

224
00:17:37.781 --> 00:17:42.180
عن أنس -رضي الله عنه- قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

225
00:17:42.332 --> 00:17:46.178
«لما صوَّر الله آدمَ في الجنَّة تركَهُ ما شاء الله أن يَترُكَه،...

226
00:17:46.468 --> 00:17:53.594
فَجعَلَ إبليسُ يطيفُ به ينظُر ما هُو، فلمَّا رآهُ أجوفَ عرَفَ أنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لا يَتَمالَك»،

227
00:17:53.681 --> 00:17:56.621
وليس في ذلك أسلافٌ حيوانيَّةٌ ولا مراحلُ انتقاليَّةٌ.

228
00:17:56.708 --> 00:18:02.301
فأوَّلًا: الآياتُ والأحاديث صريحةٌ في خَلق الإنسان مِن مَراحلَ مُحدَّدَةٍ

229
00:18:02.559 --> 00:18:06.027
لا مكانَ فيها لإقحام فكرةِ الأسلاف الحيوانيَّة.

230
00:18:06.206 --> 00:18:12.116
ثانيًا: لو كان القرآنُ يتكلَّم في هذه الآياتِ عن خَلقِ الكائنِ الأوَّل أو الخلِيَّة الأولى

231
00:18:12.360 --> 00:18:15.624
الَّتي منها انحدَر الإنسانُ وبقيَّةُ المخلوقاتِ

232
00:18:15.882 --> 00:18:22.094
لوَضَّح القرآنُ أنَّ هذه مراحلُ خلقِ الكائناتِ الحيَّةِ كلِّها لا آدمَ فحسب،

233
00:18:22.217 --> 00:18:25.135
ولكان مُقتَضَى التِبيانِ أن يقولَ القُرآن:

234
00:18:25.356 --> 00:18:30.318
(إني خالقٌ الخَلقَ كلَّه من طين)، وليس ﴿بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾..

235
00:18:30.477 --> 00:18:36.713
ثالثًا: الآياتُ تُبيِّن شرَفًا خاصًّا في خَلْقِ آدم، قال الله -تعالى- في سورة (ص):

236
00:18:36.952 --> 00:18:40.914
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ...

237
00:18:41.214 --> 00:18:43.730
أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِين﴾ [القرآن 38: 75]

238
00:18:43.810 --> 00:18:45.520
﴿لِـمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾...

239
00:18:45.520 --> 00:18:48.578
لو كان المعنى أنَّه خَلَقَ الكائنَ الأوَّل بيديه،

240
00:18:48.724 --> 00:18:53.855
ثُمَّ بعد ذلك اشتغل التطوُّرُ فأخرج لنا كلَّ الكائنات الحيَّةِ ومنها الإنسان،

241
00:18:54.106 --> 00:18:59.319
فمعنى ذلك أنَّ كُلَّ الكائنات الحيَّةِ على كوكب الأرض مخلوقةٌ بيدَيِ اللهِ،

242
00:18:59.577 --> 00:19:04.400
وبالتالي فيشترك في هذا التَّشريفِ النَّمْلُ والخنازيرُ والفئرانُ،

243
00:19:04.492 --> 00:19:07.585
ولمَا كان لخَلْقِ آدمَ بيدَيِ اللهِ مِيزةٌ،

244
00:19:07.831 --> 00:19:11.580
ولقالَ إبليسُ: يا ربّي، ما المِيزةُ في أن تخلُقَ آدمَ بيديكَ...

245
00:19:11.640 --> 00:19:14.031
وقدِ اشتركَ في ذلكَ مُحَقَّراتُ المخلوقات؟

246
00:19:14.204 --> 00:19:19.837
بينما ذكر الله الخلق بِيَدَيْهِ في سياقِ إظهارِ شرفِ آدمَ وتميُّزِه عن غيرِه:

247
00:19:20.076 --> 00:19:24.665
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.

248
00:19:24.912 --> 00:19:30.476
وفي حديث الشَّفاعة الذي رواه البخاري ومسلم أنَّ الناس يأتون إلى آدم فيقولون له:

249
00:19:30.680 --> 00:19:33.902
«يا آدمُ أنتَ أبو البشر، خلقك اللهُ بيدِه»

250
00:19:34.174 --> 00:19:40.852
ولو لمْ يكُن لخلق آدم بيدَيِ اللهِ ميزةٌ لمَا كان لذِكْرِ الناس له يومَ القيامة أيُّ معنًى؛

251
00:19:41.011 --> 00:19:45.378
فكلُّ الأنبياء خلقَهم الله، بل وكلُّ الناسِ وكلُّ المخلوقات.

252
00:19:45.559 --> 00:19:50.216
رابعًا: قولُ الله -تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ...

253
00:19:50.433 --> 00:19:54.961
خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [القرآن 3: 59]

254
00:19:55.100 --> 00:20:00.909
هذه الآيةُ جاءتْ في سياقِ الرَّدِّ على النَّصارى الَّذين ادَّعوا أنَّ مجيء عيسى من غير أبٍ

255
00:20:01.079 --> 00:20:07.165
دليلٌ على أنَّه ابْنُ الله، فَبَيَّن اللهُ لهم أنَّ آدمَ جاءَ من غير أبٍ ولا أُمٍّ،

256
00:20:07.273 --> 00:20:10.940
ومع ذلك فهم لا يقولون بِبُنوَّة آدمَ لله،

257
00:20:11.040 --> 00:20:17.360
فعيسى هو كآدَمَ مِن حيثُ الخلق المعجز لكلَيْهما. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾

258
00:20:17.400 --> 00:20:21.861
وخَلْقُ آدمَ أظهَرُ في الإعجازِ وأبْعدُ عن معهودِ البشر؛

259
00:20:22.134 --> 00:20:27.329
إذ أنَّ الله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.

260
00:20:27.490 --> 00:20:31.838
قال مؤسلمو التطوُّر: لا، لا، خَلَقَه من تُرابٍ تَعودُ على عيسى،

261
00:20:31.900 --> 00:20:38.106
والمعنى أنَّ عيسى كآدمَ في أنَّهُما من ترابٍ، وبما أنَّنَا نعلمُ أنَّ عيسى وُلِد من أُمٍّ،

262
00:20:38.183 --> 00:20:42.349
فمعنى الآيةِ أنَّ الأسلافَ الحيوانية لكِلَيْهما هي المخلوقةُ من تُراب.

263
00:20:42.489 --> 00:20:47.294
فنقولُ: بهذَا الفَهم الخاطئِ لا يكونُ في الآيةِ أيَّة حُجَّة على النصارى،

264
00:20:47.457 --> 00:20:54.721
لأنَّ معناها يُصبح: إن مَثَل عيسى عندَ الله كمثَلِ آدمَ الَّذي خَلقَه الله مِن أَبوَين شِبهِ بشريَّيْن،

265
00:20:54.941 --> 00:20:57.452
وهؤلاء كلُّهم أصلُهم من ترابٍ.

266
00:20:57.603 --> 00:21:02.238
وهذا الإخبارُ ليسَ فيه حُجَّةٌ عقليَّةٌ مُلزِمةٌ للمخالفين

267
00:21:02.436 --> 00:21:05.790
الَّذين أَلَّهُوا عيسى لعدمِ وجودِ أبٍ له،

268
00:21:05.904 --> 00:21:10.599
وهَذا مثالٌ على بَتْرِ مؤسلمي التطوُّر للآيات عن سياقِها،

269
00:21:10.800 --> 00:21:14.139
فالآياتُ الَّتي تُلزم النصارى بحُجَّةٍ عقليَّةٍ

270
00:21:14.224 --> 00:21:17.599
جعلوها وكأنَّها آياتٌ تَتَكلَّم عن أصلِ الجنس البشريِّ

271
00:21:17.683 --> 00:21:22.778
بما لا علاقةَ له بموضوع سورة آل عمران ولا هذا الموضعِ منها.

272
00:21:23.014 --> 00:21:24.837
خامسًا: قال الله -تعالى:

273
00:21:25.020 --> 00:21:31.812
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا

274
00:21:31.988 --> 00:21:35.762
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [القرآن 4: 1]

275
00:21:35.932 --> 00:21:41.994
فليسَ آدمُ وحدَه هو الذي خُلِق خلقًا خاصًّا، بل وكذلك زوجُه حوَّاءُ،

276
00:21:42.054 --> 00:21:45.601
بينما مؤسلمو تطوُّرِ الإنسان يعتبِرون أنَّ آدمَ وحوَّاءَ

277
00:21:45.661 --> 00:21:49.444
تطوَّرَا عن مخلوقاتٍ سابقة وحَصَلَ بينَهما تزاوجٌ.

278
00:21:49.635 --> 00:21:52.559
﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾… كيف مِنْهَا؟

279
00:21:52.650 --> 00:21:56.671
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم:

280
00:21:56.878 --> 00:22:03.323
«اسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ، فإنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِن ضِلَعٍ» والضِّلَع أحدُ عِظامِ الصَّدر.

281
00:22:03.492 --> 00:22:07.483
يقولون: أنتَ تُؤمن بأنَّ حوَّاء خُلقِت من ضِلَع؟ هل هذا كلامٌ علميٌّ؟

282
00:22:07.764 --> 00:22:13.739
نعَمْ، بيَّنَّا أنَّ الظُّهور الأوَّل للإنسانِ لا بُدَّ أن يكونَ خارِجًا عن مألوفِ الناسِ؛

283
00:22:13.910 --> 00:22:18.014
فالتَّوالدُ بالطُّرق المُعتادَةِ لا يُمكنُ أن يتسلسل إلى ما لا بداية،

284
00:22:18.148 --> 00:22:22.070
وكُلُّ المُحاولاتِ لتفسيرِ ظهور الرَّجُلِ الأوَّل والمرأة الأولى

285
00:22:22.247 --> 00:22:28.015
بتفسيراتٍ مادِّيَّةٍ تستثني الخالقيَّةَ ستقودُنا لتَخاريفِ العلمِ الزائف،

286
00:22:28.151 --> 00:22:33.416
فَلا تَستَغرِبْ في قُدرَةِ الله أن يُخرِجَ زوجَ آدم من ضِلعِه أو ممَّا شاءِ فيه،

287
00:22:33.548 --> 00:22:37.426
فهذا ممَّا لا يُعلم إلا بالدَّليل العِلميِّ الخَبَريِّ.

288
00:22:37.647 --> 00:22:43.690
إذنْ، فمؤسلمو تطوُّرِ الإنسان لم يصطَدموا بالنُّصوص الدَّالة على خلقِ آدمَ فحسبُ

289
00:22:43.790 --> 00:22:47.927
خلقًا خاصًا بِلا سَوابقَ، بلْ وخلقِ زوجِه منه أيضًا.

290
00:22:48.101 --> 00:22:55.298
كلُّ ما سبقَ -يا كرامُ- يَدُلُّ دلالةً قطعيَّة على أنَّ الله خلق آدم –أبا البشر والإنسان– وزوجَه

291
00:22:55.298 --> 00:23:03.699
خَلقَهما خلقًا خاصًّا، وأنَّ الإنسانَ لم يأتِ نتيجةَ تطوُّرٍ من أنواعٍ حيوانيَّةٍ أُخرى سابقةٍ له.

292
00:23:03.880 --> 00:23:10.187
ستجِدُ من يقول: أي أنتم تتصوَّرون أنَّ الله شَكَّلَ آدمَ ونفخ فيه الرُّوحَ هكذا فصار بشرًا؟!

293
00:23:10.491 --> 00:23:14.882
ما المُستَنْكر في الأمر؟ قَد أعطانا الله -تعالى- مثالًا للإِيمان بذلكَ

294
00:23:15.112 --> 00:23:18.823
في مُعجِزَة من مُعجِزات عيسى -عليه السلام- إذ قال:

295
00:23:19.047 --> 00:23:25.730
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [القرآن 3: 49].

296
00:23:25.935 --> 00:23:32.013
فهل كان عيسَى يَنفُخ في الطِّين فيتحوَّلُ لكائناتٍ انتقاليَّةٍ عبرَ ملايين السِّنين

297
00:23:32.204 --> 00:23:37.661
قَبل أن يُصبِح طيرًا أمامَ قومِه؟ هذه هي القِصَّةُ المُحكَمَة لخَلْقِ الإنسان.

298
00:23:37.913 --> 00:23:43.492
تعالَوا الآنَ نناقشْ ما يَستدِلُّ به مؤسلمو تطوُّر الإنسان عن كائناتٍ أدنى!

299
00:23:43.753 --> 00:23:48.676
أوَّلًا: قالوا: حين أخبر الله -تعالى- الملائكةَ أنَّه جاعلٌ في الأرض خليفةً،

300
00:23:48.873 --> 00:23:55.544
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [القرآن 2: 30].

301
00:23:55.608 --> 00:24:00.437
قال مؤسلمو التطوُّر: كيف عرَفَتِ الملائكةُ أنَّ البشر الذين لم يُخلَقُوا بعدُ

302
00:24:00.650 --> 00:24:05.417
سيفسِدُون في الأرض ويسفِكُون الدماء؟ !ذنْ لا بُدَّ أنَّ الملائِكَةَ رَأَتِ الأسلاف

303
00:24:05.561 --> 00:24:10.988
الَّتي تطوَّر منها الإنسانُ تفعلُ ذلك في الأرض وعلى أساسِه قالتِ الملائكةُ ما قالت.

304
00:24:11.207 --> 00:24:13.950
لا مهلًا! دعنا نقسِّم الكلام لنصفَين:

305
00:24:13.950 --> 00:24:18.105
أنتُم افترضتُم أنَّه لا سبيلَ للملائكةِ إلى معرِفَة ذلك

306
00:24:18.105 --> 00:24:20.736
إلا برُؤيَة من أفسدوا في الأرض من قبلُ،

307
00:24:20.864 --> 00:24:25.911
ثم افترضتُم أنَّ الإنسانَ يجبُ أن يكونَ تولَّد من هؤلاء المُفسِدين السَّابقين،

308
00:24:26.083 --> 00:24:29.845
وكِلَا الافتراضَيْن لا دليلَ عليهما.

309
00:24:30.038 --> 00:24:34.003
بِغَضِّ النظر عن: كيف عرفتِ الملائكةُ… هَلْ جعلَ الله -تعالى- في نفوسِها

310
00:24:34.260 --> 00:24:37.248
عِلمًا بما سيكونُ من الإنسان دون سابِقِ مثالٍ،

311
00:24:37.311 --> 00:24:43.428
أمْ أنَّ الملائكةَ رَأَتْ أفعالَ الجِنِّ، أم أنَّه كانت هناك مخلوقاتٌ سابقَةٌ تُفسدُ في الأرض بالفعل...

312
00:24:43.642 --> 00:24:51.680
ما دليلُكم أنَّ هذه المخلوقاتِ التي أفسدَت وسفكَتِ الدماء - إنْ وُجدَت- هي أسلافٌ للإنسان؟

313
00:24:51.804 --> 00:24:57.637
بل وما دليلُكم على أنَّها كانتْ -لا زالت- حيَّةً لم تُهلك حين أنبَأ اللهُ الملائكةَ

314
00:24:57.795 --> 00:25:00.178
بأنه جاعلٌ في الأرض خليفةً؟

315
00:25:00.291 --> 00:25:06.323
وكيفَ تُعارضون بهذه الافتراضاتِ الَّتي لا دليلَ علَيْها تلك الآياتِ المُحكَمَات الواضحات

316
00:25:06.579 --> 00:25:12.844
في خَلق الإنسان خلْقًا مستَقِلًّا بلا سوابقَ ولا أسلافٍ؟ فلا دليل لكم في هذه الآية.

317
00:25:13.048 --> 00:25:20.138
ثانياً: قول الله -تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖوَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ۝

318
00:25:20.287 --> 00:25:27.970
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ۝ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ

319
00:25:28.207 --> 00:25:32.859
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ۝﴾ [القرآن 32: 7-9]

320
00:25:32.992 --> 00:25:38.374
قال مؤسلمو تطوُّر الإنسان: هذهِ الآياتُ تعني أن بَدْءَ خَلْقِ الإنسان كان من طينٍ،

321
00:25:38.619 --> 00:25:43.697
ثُمَّ جاءت مراحلُ انتقاليَّةٌ من كائناتٍ شِبهِ بشريَّةٍ تناسلَت بالماءِ المهينِ،

322
00:25:43.863 --> 00:25:49.181
ثمَّ انتَقى اللهُ منها الكائنَ الَّذي سوَّاه ونَفَخَ فيه من روحِه، وبذلك خُلقَ آدمُ،

323
00:25:49.305 --> 00:25:51.791
والآياتُ تُرَتِّبُ المراحل كما ذكرنا.

324
00:25:51.926 --> 00:25:58.506
فنقول: مشكِلتُكم أنكم جعلتُم هذه الآيات كلَّها متكلِّمَةً عن الإنسان الأوَّل.

325
00:25:58.776 --> 00:26:04.150
بينما الآيات تتكلَّم عن جِنس الإنسان. ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾:

326
00:26:04.283 --> 00:26:10.608
فبدأ خلقَ جِنسِ الإنسانِ من آدمَ الَّذي خلقَه الله من طينٍ كما تُبيِّن الآياتُ المحكَمَاتُ.

327
00:26:10.796 --> 00:26:19.410
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾: تناسَل الإنسانُ بعدَ آدمَ من الماء المهين (النُّطَف).

328
00:26:19.618 --> 00:26:26.668
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾: سوَّى كُلَّ إنسانٍ في رَحِمِ أُمِّه ونفخ فيه من روحه،

329
00:26:26.809 --> 00:26:28.353
كما قال في الآية الأُخرى:

330
00:26:28.479 --> 00:26:33.836
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۝ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ۝﴾ [القرآن 82: 6-7].

331
00:26:33.966 --> 00:26:37.887
أما على تفسيرِكم الغريبِ فيصبحُ هناك اضطرابٌ في الضَّمائر:

332
00:26:37.956 --> 00:26:42.960
﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾… ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾: (نسلَه) هذه تَعودُ على مَن؟

333
00:26:43.121 --> 00:26:46.524
حَسْب كلامِكم تعود على الحيوانات وأشباه البشر،

334
00:26:46.763 --> 00:26:51.224
وهُم غيرُ مذكورين في الآيات قبلَها ولا مفهومٌ وجودُهم من السياق.

335
00:26:51.284 --> 00:26:56.812
﴿ثم سواه﴾: أيضًا حسب كلامكم يعودُ الضَّميرُ على أشِباه بَشَرٍ كانوا قبل الإنسان.

336
00:26:57.070 --> 00:27:01.451
تكلُّفٌ وإقِحامٌ لمعانٍ غريبةٍ ومخالِفَةٍ لقواعد اللُّغة،

337
00:27:01.678 --> 00:27:08.535
كلُّ هذا للانتصارِ لفكرةٍ لا دليلَ عليها، بل وتخالف المُحكَم القطعيَّ من القرآن.

338
00:27:08.668 --> 00:27:14.731
فهذه الآياتُ أيضًا دالَّةٌ على الخَلق الخاصِّ للإنسان، لا على تطوُّره عن كائناتٍ أدنى:

339
00:27:14.967 --> 00:27:17.681
﴿بدأ خلق الإنسان من طين﴾.

340
00:27:17.881 --> 00:27:21.418
ثالثًا: قال الله -تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ...

341
00:27:21.738 --> 00:27:29.917
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِين﴾ [القرآن 6: 133].

342
00:27:30.017 --> 00:27:34.692
قال مؤسلمو تطوُّر الإنسانِ: هذه الآيةُ تُشير إلى أنَّنا نشأنَا نحن البشر

343
00:27:34.796 --> 00:27:38.815
من ذرِّيَّة قومٍ آخرينَ غير البشر. وهذا استدلالٌ عجيبٌ حقيقةً!

344
00:27:39.041 --> 00:27:45.358
الآيةُ تهديد للمشركين أنَّه -سبحانه- قادرٌ على أن يُفْنِيَهم ويأتيَ بقَومٍ

345
00:27:45.523 --> 00:27:49.297
لا يكونون مثلَهم في العناد والعصيان، فالدُّنيا لن تدومَ لهم

346
00:27:49.353 --> 00:27:55.932
كما أنَّها لم تَدُمْ لآبائهم، فقد أنشأهم الله من ذُرِّيَّة أجدادِهم ﴿قومٍ آخرين﴾،

347
00:27:56.058 --> 00:28:01.967
هذا سياقُ الآيات، وليس متعلِّقًا ببيانِ أصلِ الجنس البشريِّ كلِّه كما يدَّعون.

348
00:28:02.110 --> 00:28:07.155
وذَكر الإمام الطبريُّ معنىً آخر: أنّ (مِنْ) في الآيةِ بمعنى التَّعقيب،

349
00:28:07.276 --> 00:28:12.918
كما يُقال في الكلام: (أعطيتُك مِن دينارِك ثوبًا)، بمعنى: مكانَ الدينار ثوبًا،

350
00:28:12.964 --> 00:28:16.531
فيصبح معنى الآية: كما أنشأَكم -أيها المخاطَبونَ-

351
00:28:16.570 --> 00:28:21.760
مكانَ -أو بدل- آخرينَ هُم ذرِّيَّةٌ لقَوم هلَكوا قبلَكم،

352
00:28:21.983 --> 00:28:27.383
فإنَّه كانَ من سُنَّة الله -تعالى- أن يُهلِكَ الأمم المُكذِّبة إلا ذُرِّيَّةً مِمَّن آمن،

353
00:28:27.533 --> 00:28:33.291
حتَّى يَدِبَّ فيهم الفسادُ عبْرَ القرون فيُهلكَهم وتقومَ بدلًا منهم حضاراتٌ

354
00:28:33.408 --> 00:28:37.899
ويَظهَرَ أقوامٌ يَبقَونَ إلى ما شاء الله قَبلَ أن تَحِلَّ فيهم سُنَنُه،

355
00:28:38.040 --> 00:28:42.220
فما علاقة هذا كلِّه بتطوُّر الإنسان عن كائناتٍ أدنى؟!

356
00:28:42.401 --> 00:28:44.905
رابعًا، قالوا: قولُه -تعالى:

357
00:28:45.083 --> 00:28:51.025
﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [القرآن 3: 33]

358
00:28:51.172 --> 00:28:56.515
قالوا: الاصطفاءُ هو الاختيار، واللهُ لا يختَارُ آدمَ إلَّا مِن بَينِ أقرانٍ له،

359
00:28:56.682 --> 00:28:59.166
وهم أَشباه البشر الذين كانوا قبلَه.

360
00:28:59.247 --> 00:29:04.584
فنقول: أوَّلًا: ليس في اللُّغةِ ما يُلزِم بأنْ يكون الاصطفاء من نفْسِ الجِنس؛

361
00:29:04.775 --> 00:29:08.755
فالله اصطفى آدم على الملائكةِ والجِنِّ بخَلقِه بيدَيْه

362
00:29:08.875 --> 00:29:12.641
وبتعليمه الأسماء كلَّها وبإسجادِ الملائكةِ له.

363
00:29:12.830 --> 00:29:19.257
وحتَّى من بين البشر؛ فإنَّ آدمَ قد اصطُفِيَ بالفِعلِ بالنُّبوَّة على أبنائِه الذين كانوا في حياتِه،

364
00:29:19.368 --> 00:29:23.927
وعلى من جاء بعدَه من البشر، كما اصطفى مَن ذُكروا بَعدَه في الآية،

365
00:29:23.987 --> 00:29:27.901
فالله اصطَفى نوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين،

366
00:29:28.026 --> 00:29:30.771
ممَّن كان قبلَهم وفي زمانِهم وبعدَهم.

367
00:29:30.956 --> 00:29:35.858
خامسًا: قول الله -تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ۝

368
00:29:36.061 --> 00:29:38.185
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. [القرآن 71: 13-14]

369
00:29:38.363 --> 00:29:42.552
قال بعضُهم: هذه الأَطوار هي المراحِل الانتقاليَّةُ في التطوُّر،

370
00:29:42.764 --> 00:29:47.497
وهذا الاستدلال هو أشبه بالكوميديا، لكنَّها غيرُ مُضحِكَة بل مسيئَةٌ؛

371
00:29:47.640 --> 00:29:49.838
لاجترائِها على كتاب الله -عَزَّ وجَلَّ.

372
00:29:49.857 --> 00:29:53.487
فمِن الجَهْلِ المُدقِعِ أن تأتيَ لتُفسِّر لفظًا قرآنيًّا

373
00:29:53.487 --> 00:29:57.402
بلفظٍ مُستَحدَثٍ لم يكن موجودًا وقتَ نزولِ القرآن.

374
00:29:57.506 --> 00:30:01.643
تصوَّر لو أنَّ مُغفَّلًا قال: القرآنُ ذَكَرَ الأطباقَ الفضائيَّة.

375
00:30:01.816 --> 00:30:04.044
- كيف ذلك؟! = ألم ترَ إلى قول الله -تعالى:

376
00:30:04.081 --> 00:30:06.204
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [القرآن 84: 19]

377
00:30:06.488 --> 00:30:11.293
الأطوارُ هي -كما فهِمَها العربُ عبْرَ القرون- مراحلُ تَخَلُّقِ الإنسانِ:

378
00:30:11.382 --> 00:30:16.509
نُطفَةٌ، عَلَقَةٌ، مُضغَةٌ، وهكذا... لا أنَّ القرآنَ يُخاطِب النَّاسَ بألفاظٍ

379
00:30:16.589 --> 00:30:21.966
تضِلُّ الأُمَّة في فَهمِها ثَلاثةَ عَشَرَ قرنًا حتَّى يُفْهِمَهم إيَّاها داروين.

380
00:30:22.037 --> 00:30:25.839
هذه الآياتُ هي أكثر ما يستدلُّ به مؤسلمو الخرافة،

381
00:30:25.969 --> 00:30:28.610
ولاحظْ أنَّهم يُضطرُّون لمُخالَفَةِ كُلِّ القواعد،

382
00:30:28.671 --> 00:30:32.886
فيقطَعون الآيةَ عن سياقِها، ولا يُفسِّرونَها بالآيات الأُخرى في المَوضوع،

383
00:30:33.128 --> 00:30:39.443
ولا يُجيبون عن الآيات الَّتي تدحَض دعواهم، وطبعًا لا يَلْتَفِتُون للسُّنَّة الثابتةِ.

384
00:30:39.677 --> 00:30:44.219
كلُّ هذا من أجلِ ماذا؟ من أجلِ علمٍ زائفٍ أثبَتْنا بُطلانَه،

385
00:30:44.351 --> 00:30:49.266
من أجل موافقةِ "المجتمع العلميِّ" الغربيِّ أو -بالأَصحِّ- الصوتِ الطاغي فيه،

386
00:30:49.333 --> 00:30:55.175
الَّذي يُحاول تفسيرَ الكون والحياةِ تفسيرًا مادِّيًّا معَ إقحام غيبيَّات غَبيَّةٍ

387
00:30:55.239 --> 00:30:57.586
من أجلِ تَجنُّب الإقرار بالغَيب الصحيح.

388
00:30:57.643 --> 00:31:01.663
أنتم بذلك يا مؤسلمي التطوُّر تُرَحِّلون المشكلة؛

389
00:31:01.663 --> 00:31:06.060
فإنَّكم ستصطَدِمون مع هذا المُجتَمَع "العلمي" في مرحلةٍ ما؛

390
00:31:06.264 --> 00:31:12.269
فحتى لو قُمتُم بأسلمة فكرةَ تطوُّر الإنسان وقلتم أن الإنسان تطوَّر عن الكائن الأوَّل

391
00:31:12.509 --> 00:31:18.581
أو الخليَّة الأولى بإرادة الخالقِ فإن المجتمع العلميَّ الغربيَّ يُفسِّر هذه الخليَّة الأولَى

392
00:31:18.802 --> 00:31:24.425
بنظريَّاتِ العلم الزائف، كقولِهم أنَّ أشِعَّةً كونيَّةً ضربَتْ موادَّ عضويَّةً في المُحيط،

393
00:31:24.553 --> 00:31:28.723
وأخرجَتْ منها شريطَ الحمضِ النوويِّ RNA، ثمَّ بمجموع الصُّدفِ

394
00:31:28.954 --> 00:31:33.307
خرجَت خليَّةٌ بكُلِّ ما فيها من إبداعٍ وتناسُقٍ وتكامُلٍ وتعقيدٍ

395
00:31:33.449 --> 00:31:38.530
-ويُسمُّون هذه المكابراتِ الإلحاديَّةِ والغيبيَّات الغبيَّة، يسمونها تفسيرًا عِلمِيًّا-

396
00:31:38.852 --> 00:31:44.794
فهل ستُتابعونَهم في هذا أيضًا؟ أم أنَّكم ستقولون أنَّ هذه الخليَّة الأولى خُلِقَت،

397
00:31:44.874 --> 00:31:49.029
وبذلك تُخالفون المجتمع "العلميَّ المادِّيّ" في نهايةِ المطافِ،

398
00:31:49.175 --> 00:31:51.993
وتقعون فيما حاولتهم التَّهرُّب مِنه؟

399
00:31:52.134 --> 00:31:58.036
لا يلزَمُنا تقليدُهم ولا موافقَتُهم، فهم عندهم خَلَلٌ جوهرِيٌّ قادَهم إلى هذه التفسيرات،

400
00:31:58.153 --> 00:32:03.554
ألَا وهو حَصْرُ العلم في الـ(Science) وتعطيلُ دلالة الـ(Science) عقلًا على وجودِ الخالقِ،

401
00:32:03.653 --> 00:32:08.274
ممَّا اضطَّرَّهم إلى غيبيَّاتٍ غبيَّةٍ نسبوها إلى العلم وهو منها براء؛

402
00:32:08.478 --> 00:32:14.776
فغيبيَّاتُهم هذه لا هي رصدِيَّةٌ ولا تجريبِيَّةٌ ولا علمٌ عقليٌّ ولا فطريٌّ،

403
00:32:14.945 --> 00:32:22.008
بل حقيقةُ المادِّيَّةِ (Materialism) أنَّها ستارٌ لعقيدةٍ إلحاديَّةٍ متَعصِّبةٍ عمياءَ،

404
00:32:22.229 --> 00:32:24.250
كما بيَّنَّا في حلقةِ (المخطوف).

405
00:32:24.366 --> 00:32:28.458
كُلُّ هذا النقاشِ -إخواني- في حلقة اليوم كان يُغني عنه الحلقاتُ الماضيةُ

406
00:32:28.654 --> 00:32:34.418
الَّتي بيَّنَّا فيها أنَّ نظريَّة التَّطوُّر خرافةٌ؛ فبَعد إثباتِ بُطلانِ خرافةِ التَّطوُّر

407
00:32:34.631 --> 00:32:38.962
يُصبح سؤال: (لماذا لا نُحاول التَّوفيقَ بينها وبين ديننا؟)

408
00:32:39.107 --> 00:32:42.864
مساوِيًا لسؤالِ: (لماذا لا نُحاوِل أسلمة الخرافة؟)،

409
00:32:42.915 --> 00:32:47.265
(لماذا لا نُحاوِلُ التَّوفيقَ بين كلامِ الله -تعالى- وخُرافاتِ العِلم الزائف؟)

410
00:32:47.464 --> 00:32:54.624
سؤالٌ يُجيبُ عن نفسِه بنفسِه، وما طَرَحْنَا نِقاشَ اليوم إلَّا زيادةً في الحُجَّة وبيانًا للمَحَجَّة.

411
00:32:54.773 --> 00:32:58.901
إذا فهمتَ ما تقدَّم علمت كمِّيَّة المغالطاتِ في قول بعضِهم:

412
00:32:59.078 --> 00:33:06.021
"إذا ثبَتَت نظريَّةُ التَّطوُّر في المستقبل فيمكِنُ حينئذٍ إعادةُ تفسيرِ آياتِ القرآن لتناسِبها".

413
00:33:06.092 --> 00:33:07.845
كلامٌ خاطئٌ في شِقَّيْهِ،

414
00:33:08.092 --> 00:33:12.210
فأوَّلًا: عبارةُ (إذا ثبتت نظريَّة التَّطوُّر في المستقبل):

415
00:33:12.474 --> 00:33:17.031
أمَّا إن كان الحديثُ عن ظهورِ الكائناتِ بالتغيُّرات العشوائيَّة والانتخابِ الأعمَى

416
00:33:17.093 --> 00:33:22.388
بلا قصدٍ ولا إرادةٍ من فاعلٍ عليمٍ قديرٍ -كما هو الوصفُ لخرافةِ التَّطوُّر عند أصحابِها-

417
00:33:22.578 --> 00:33:26.651
فقولكم "إذا ثبت هذا في المستقبل" مساوٍ لقَولِ:

418
00:33:26.855 --> 00:33:32.431
إذا ثبتَ في المستقبل أنَّ اللَّامُمْكِنَ ممكن، وأنَّ ما يَحكُم العقلُ السَّليمُ باستحالتِه يحصُل...

419
00:33:32.624 --> 00:33:35.958
وحينئذٍ فلا عقلَ ولا علمَ ولا برهانَ.

420
00:33:36.058 --> 00:33:41.068
وأمَّا إن كنتم تقصدون بالتَّطوُّر مُجرَّد فكرةِ النشوء الأوَّل للكائنات من أصلٍ مشتَرَك،

421
00:33:41.210 --> 00:33:44.905
فقولُكم: "إذا ثبتت نظريَّة التَّطوُّر في المستقبل"

422
00:33:45.015 --> 00:33:50.793
يُخالف طبيعةَ العلم الرصديِّ التجريبيِّ، ويخالفُ بدهيَّةً من بَدهِيَّات فلسفة العلم؛

423
00:33:50.846 --> 00:33:55.045
فإنَّ ما كان قبلَ التاريخ الإنسانيِّ لا يقعُ تَحت الحسِّ ولا التجريبِ،

424
00:33:55.154 --> 00:33:59.729
فلا دليلَ عليْه إلَّا من خَبَرِ المصادِرِ الَّتي دلَّت الأَدلَّةُ على صدقِها،

425
00:33:59.888 --> 00:34:05.071
أمَّا العلمُ الرصديُّ التجريبيُّ فإنَّه لن يُثبِتَ لك في الحاضِر ولا المستقبل

426
00:34:05.235 --> 00:34:10.452
شيئًا خارِجًا عن نطاقِ بحثِه، وتُكونُ تَستَخدِمُ أداةَ الاستدلال الخطأ.

427
00:34:10.594 --> 00:34:15.304
وأمَّا قولُهم: (فيمكن حينئذٍ إعادةُ تفسير آيات القرآن لتناسبها)،

428
00:34:15.543 --> 00:34:21.512
فهو يُشعر بأنَّ الآياتِ المُتَعلِّقة بأصل الإنسان مُبهَمَة المَعنى قابلةٌ للقَوْلَبة،

429
00:34:21.647 --> 00:34:27.945
وقد رأيْنا أنَّ من حِكمَة الله -تعالى- أنْ جعلَها مُحكَمَاتٍ واضِحاتٍ بَيِّناتٍ مُفصَّلات،

430
00:34:28.079 --> 00:34:33.495
بما يمنعُ الحيرةَ والتَّردُّد. فلا تُحرَّف دلالاتها لخرافاتِ العلم الزائفِ.

431
00:34:33.685 --> 00:34:37.537
نسأل الله أن يهدينا لما يحب ويرضى. والسلام عليكم ورحمة الله.

432
99:59:59.999 --> 99:59:59.999
وقد رأينا أن من حكمة الله -تعالى- أن جعلها محكمات واضحات بينات مفصلات،