﻿1
00:00:00.120 --> 00:00:01.250
السَّلامُ عليكُم

2
00:00:01.250 --> 00:00:04.354
نَدى، أتمَّتْ دراستَها في المدرسةِ الأمريكيَّةِ،

3
00:00:04.650 --> 00:00:07.439
ثمَّ تخرَّجتْ من كلِّيَّةِ الطِّبِّ في جامعةٍ محلِّيَّةٍ،

4
00:00:07.439 --> 00:00:09.165
وتخصَّصتْ في الطِّبِّ النَّفسيِّ.

5
00:00:10.520 --> 00:00:12.774
تقدَّمَ لها شادي -الَّذي يكبرُها بِسنَتينِ-

6
00:00:12.980 --> 00:00:15.753
بعدَ أَنْ أَنْهَى التَّخصُّصَ في الطِّبِّ النَّفسيِّ أيضًا

7
00:00:15.753 --> 00:00:17.254
في مستشفى بأُستُراليا

8
00:00:17.254 --> 00:00:20.809
قبلَتْ بهِ ندى بنتُ السّادسةِ والعشرينَ، تزوَّجَا،

9
00:00:21.260 --> 00:00:27.478
عاشا شهورًا سعيدةً إلى حدٍّ ما، ثمَّ بدأَتِ المشكلاتُ وتفاقمَتْ،

10
00:00:28.010 --> 00:00:33.377
لمْ يطُلْ ربيعُهما ودخلَتْ حياتُهما في فصلِ خريفٍ طويلٍ،

11
00:00:35.610 --> 00:00:38.654
جاءَتْ ندى من عملِها مبكِّرةً في يومٍ منَ الأيَّامِ،

12
00:00:38.699 --> 00:00:41.899
شادي لم يعدْ بعدُ، فدخلَتْ غرفةَ المكتبِ،

13
00:00:41.980 --> 00:00:45.444
استخرجَتْ ورقةً وقلمًا وبدأَتْ تكتبُ:

14
00:00:46.290 --> 00:00:48.745
ما هيَ مشكلاتي معَ شادي؟

15
00:00:51.310 --> 00:00:53.954
شادي جافٌّ، لمْ يعدْ يعبِّرُ لي عنْ حبِّهِ،

16
00:00:54.160 --> 00:00:56.214
بلْ بدأْتُ أشكُّ في حُبه لي،

17
00:00:56.860 --> 00:01:00.242
بلْ ومرضْتُ مرَّةً فلمْ يُظهرْ لي لطفًا، أوْ عنايةً خاصَّةً،

18
00:01:00.430 --> 00:01:02.480
عندما أكونُ في أيَّامِ عُذْري -كوني أُنثى-

19
00:01:02.530 --> 00:01:06.530
أكونُ متوتِّرةً بعضَ الشَّيءِ، ومعَ ذلكَ لا يُراعيني،

20
00:01:06.610 --> 00:01:09.788
معَ أَنَّهُ -بصفتِهِ طبيبًا نفسيًّا- يفهمُ ما أمرُّ بِه،

21
00:01:09.970 --> 00:01:11.939
يستسخِفُ اهتماماتي الأُنْثويَّةِ،

22
00:01:11.970 --> 00:01:14.201
ويُشعرُني بِعَدَمِ الاحتِرامِ،

23
00:01:14.300 --> 00:01:16.018
لا يهتمُّ بمُتَعلِّقاتي؛

24
00:01:16.018 --> 00:01:18.513
انْكسرَتْ إِسْوارَةٌ بِألفَيْ دينارٍ

25
00:01:18.513 --> 00:01:20.710
كانتْ أمّي قدْ أهدَتني إيّاها،

26
00:01:20.710 --> 00:01:22.108
طلبْتُ منْهُ أنْ يُصلحَها

27
00:01:22.108 --> 00:01:25.537
وما زالتْ أمامَهُ على الطاولة مِن شهورٍ،

28
00:01:25.537 --> 00:01:28.346
وكلَّ ما ذكَّرتُهُ بها قالَ: اليومَ، وغدًا!

29
00:01:29.670 --> 00:01:31.546
أنانيٌّ، يفضِّلُ نفسَهُ عليَّ،

30
00:01:32.180 --> 00:01:35.468
أحيانًا نعودُ كلٌّ منّا -أنا وهوَ- منْ عملِنا متأَخِّرَينِ،

31
00:01:35.468 --> 00:01:37.280
ولا طعامَ في البيتِ،

32
00:01:37.280 --> 00:01:40.418
يدْعوهُ أحدُ أصحابِهِ فيخرجُ ولا يسألُ عنّي،

33
00:01:41.330 --> 00:01:44.520
الوقتُ الَّذي يُمضيهِ شادي معي ليسَ (بالإنجليزيَّةِ) وقتًا طيِّبًا،

34
00:01:44.520 --> 00:01:45.862
بلْ يكونُ شارِدَ الذِّهنِ،

35
00:01:45.862 --> 00:01:49.121
نكونُ قريبَينِ جسديًّا، وبعيدَينِ روحيًّا،

36
00:01:49.360 --> 00:01:52.603
ينقلُ مشكلاتِهِ في العملِ إلى داخلِ البيتِ،

37
00:01:52.603 --> 00:01:54.060
ولا أحسُّ معَه بالأمانِ،

38
00:01:54.060 --> 00:01:57.704
في المقابلِ، لا يُشاركُني فرحاتِهِ!

39
00:01:57.704 --> 00:02:00.853
إذا أطلْتُ الحديثَ مَعه في مَوضوعٍ يُقاطعُني

40
00:02:00.853 --> 00:02:04.371
ويطلبُ منّي أنْ أختصرَ، ويتبرَّمُ مِنْ كَثرةِ أسئلَتي،

41
00:02:05.100 --> 00:02:06.300
بدأَ يَملُّني،

42
00:02:06.300 --> 00:02:11.892
والمؤلمُ جدًّا أنَّ هذا في مقابلِ اهتمامهِ بزميلاتِهِ في العملِ

43
00:02:11.892 --> 00:02:14.195
وروحِه المرحةِ معهنَّ،

44
00:02:14.195 --> 00:02:17.963
تثورُ عصبيَّتُهُ عليَّ سريعًا إذا تأخَّرْتُ عليهِ دقيقَتينِ،

45
00:02:17.963 --> 00:02:19.974
وهوَ ينتظِرُني في السَّيّارَةِ، مثلًا!

46
00:02:20.280 --> 00:02:25.990
وفي المقابلِ، تأخَّرَتْ زميلتُه ربُعَ ساعةٍ عنِّي أنا وهو مرَّةً،

47
00:02:25.990 --> 00:02:29.529
ولمّا اعتذرتْ كانَ جوابُهُ: مطلقًا، مطلقًا لا مشكلةَ!

48
00:02:30.190 --> 00:02:35.002
أمسكْتُ هاتفَهُ مرَّةً وأرسلْتُ لسكرتيرتِهِ رسالةً أَطلبُ فيها باسمِهِ

49
00:02:35.002 --> 00:02:39.466
أنْ تَكُفَّ عنْ رسائلِ: (صباحُ الخيرِ)، (مساءُ الخيرِ)؛... غَيرةً عليهِ

50
00:02:39.790 --> 00:02:43.342
عندما اكتشفَ ذلكَ، غضبَ منِّي، وقاطعَني لأيّامٍ،

51
00:02:43.342 --> 00:02:46.700
ووضعَ كلمةَ سرٍّ لهاتفِهِ حتّى لا أستطيعَ فتحَهُ،

52
00:02:46.700 --> 00:02:50.754
أُحسُّ أنَّ شَخصيَّتي طَفَسَتْ، طُمِسَتْ معَهُ،

53
00:02:50.850 --> 00:02:55.328
أشعرُ بضَعفٍ، وقلَّةِ تقديرٍ لنفسي أمامَ الآخَرينَ إذا كنْتُ معَه،

54
00:02:55.680 --> 00:02:58.322
يرُدُّ على غَيرتي بإظهارِ سوءِ الظَّنِّ فيَّ؛

55
00:02:58.400 --> 00:03:00.447
أنّي أتعمَّدُ الحديثَ معَ الزُّملاءِ،

56
00:03:00.447 --> 00:03:02.884
وأنّي أميلُ عاطِفيًّا تجاهَ أحدِهِم.

57
00:03:03.630 --> 00:03:05.817
عندَما تكونُ الخادمةُ في إجازةٍ،

58
00:03:05.817 --> 00:03:07.802
فإنَّهُ لا يساعدُ في البيتِ،

59
00:03:07.802 --> 00:03:09.138
معَ أنَّهُ يكتبُ منشوراتٍ

60
00:03:09.138 --> 00:03:11.757
عنْ حقوقِ المرأةِ، و"مَظْلوميَّتِها"

61
00:03:12.190 --> 00:03:15.757
يدخلُ الحمّامَ ويستحمُّ فلا ينظِّفُ وراءَهُ،

62
00:03:15.757 --> 00:03:18.553
يتركُ متعلِّقاتِهِ، ويَتوقَّعُ منّي -أنا-

63
00:03:18.553 --> 00:03:20.155
أن أؤدِّيَ هذا كلَّه،

64
00:03:20.155 --> 00:03:23.880
لِماذا؟! ما دامَ يؤمنُ بمُساواةِ المرأةِ والرَّجلِ!

65
00:03:24.150 --> 00:03:28.745
أَصبحَ يدخِِّنُ مؤخَّرًا، وأتأذَّى منْ رائحةِ دخانِهِ،

66
00:03:28.745 --> 00:03:31.206
أشياءٌ بسيطةٌ أَصبحَتْ تستفزُّني،

67
00:03:31.206 --> 00:03:33.850
لماذا لايتأنَّقُ لي كما يتأنَّقُ للنَّاسِ؟!

68
00:03:33.850 --> 00:03:36.552
أصبحْتُ أفضِّلُ غيابَهُ عنِّي!

69
00:03:36.552 --> 00:03:40.547
منْ أسوأِ ما في شادي أنَّهُ يظهرُ أمامَ النَّاسِ

70
00:03:40.547 --> 00:03:42.831
بمظهرِ الخَيريَّةِ والحنانِ،

71
00:03:42.831 --> 00:03:45.458
لكنَّ هذهِ الخيريَّةَ تَتَلاشى معي،

72
00:03:45.458 --> 00:03:47.040
ويُبرِّرُ لي بأنَّهُ:

73
00:03:47.040 --> 00:03:49.288
"مضغوطٌ، ومشكلاتُ الحياةِ كثيرةٌ،

74
00:03:49.288 --> 00:03:53.014
وبأنَّهُ لا بدَّ لهُ منَ التَّعاملِ اللَّطيفِ معَ النَّاسِ

75
00:03:53.014 --> 00:03:55.564
بِطبيعةِ عملهِ بوصفهِ طبيبًا نفسيًّا".

76
00:03:55.920 --> 00:03:59.946
هناكَ جوانب منْ حياتِهِ الخاصَّةِ أخجلُ أنْ أتكلَّمَ عنْها

77
00:03:59.946 --> 00:04:02.028
لأنَّها تسيءُ لهُ جدًّا!

78
00:04:02.220 --> 00:04:04.590
لاهتزازِ صورةِ شادي لدَيَّ؛

79
00:04:04.590 --> 00:04:07.536
أصبحْتُ أنفِرُ من علاقتِنا الغريزيَّةِ بصفتِنا زوجَينِ،

80
00:04:07.536 --> 00:04:10.224
وأشعرُ أنّي أفعلُ شيئًا مَعيبًا!

81
00:04:10.830 --> 00:04:13.279
يستَكبِرُ أنْ يُظهرَ أمامي ضعفَهُ،

82
00:04:13.279 --> 00:04:14.600
بلْ -بدلًا مِنْ ذَلكَ-

83
00:04:14.600 --> 00:04:18.331
يفُشُّ غُلَّه فيَّ إذا تعرَّضَ لما يُظهرُه ضعيفًا،

84
00:04:19.370 --> 00:04:21.242
لم أعدْ أهتمُّ باهتِماماتهِ،

85
00:04:21.242 --> 00:04:23.843
أصبحْتُ أتعمَّدُ مخالفتَهُ في كلِّ شيءٍ،

86
00:04:23.843 --> 00:04:25.910
ولا أريدُ أنْ أشبهَهُ في شيءٍ!

87
00:04:25.910 --> 00:04:31.284
نفسيَّتي معهُ تعِبةٌ، معَ أنَّني طبيبةٌ نفسيَّةٌ!

88
00:04:33.390 --> 00:04:38.919
طلبْتُ الانفصالَ عنهُ لكنَّهُ لمَّحَ أنَّهُ لن يسامحَني على أيٍّ منَ الأشياءِ

89
00:04:38.919 --> 00:04:41.452
الَّتي اشتراها لي ولمْ يكتبْها باسمي.

90
00:04:42.350 --> 00:04:46.372
كنتُ قدْ صارحْتُ بعضَ صديقاتي لعلِّي أجدُ عندَهنَّ حَلًّا،

91
00:04:46.600 --> 00:04:49.676
لكنّي اكتشفْتُ أنَّه -وإنِ اختلفَتِ التَّفاصيلُ-

92
00:04:49.940 --> 00:04:52.498
أَنَّهنَّ جميعًا يعانِينَ أيضًا،

93
00:04:52.498 --> 00:04:55.546
وإنْ كانَتْ حالاتُنا تتفاوتُ في مدى التَّوتُّرِ،

94
00:04:56.910 --> 00:05:02.170
لكنّي كنتُ منْ قديمٍ قدْ سمعْتُ بفتاةٍ اسمُها عائشةُ

95
00:05:02.170 --> 00:05:08.019
وسمعْتُ أنَّ لها قصّةً منْ قصصِ زواجِها برسولِ اللهِ محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-

96
00:05:08.810 --> 00:05:12.768
قصَّةً مختلفةً عنْ كلِّ ما عهدْتُه في بيئتي!

97
00:05:12.768 --> 00:05:14.720
تذكَّرْتُ عائشةَ الآنَ،

98
00:05:14.720 --> 00:05:18.829
فانتقلْتُ عبرَ صفحاتِ السّيرَةِ، وجئْتُها مستشيرةً،

99
00:05:19.290 --> 00:05:23.076
لكنّي سمعْتُ عنْ مستوى الأخلاقِ الَّتي تمتَّعَتْ -هي وزوجُها- بها

100
00:05:23.180 --> 00:05:27.074
فلمْ أطلعْها على بعضِ التَّفاصيلِ الَّتي أخجل منْ ذكرِها،

101
00:05:27.510 --> 00:05:33.127
سألتُها أسئلةً بعددِ مشكِلاتي الثَّلاثةِ والعشرينَ معَ شادي،

102
00:05:33.127 --> 00:05:35.695
حتّى أتمكَّنَ منَ المقارنةِ.

103
00:05:36.080 --> 00:05:39.240
هنا -إخواني- يبدأُ الحوارُ المتخيَّلُ بينَ ندى وعائشةَ،

104
00:05:39.240 --> 00:05:43.020
حوارٌ بسَّطْنا فيهِ بعضَ ما قالتْهُ أمُّنا عائشةُ في الأحاديثِ،

105
00:05:43.020 --> 00:05:45.521
وأضفْنا فيهِ ما يساعدُ على رسمِ الصّورةِ،

106
00:05:45.600 --> 00:05:49.017
معَ مراعاةِ أنْ تبقى ألفاظُ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-

107
00:05:49.017 --> 00:05:52.129
وأفعالُه بحَرفِيَّتِها دونَ أيِّ تصرُّفٍ،

108
00:05:52.290 --> 00:05:55.161
علمًا بأنَّ مصادرَها الأحاديثُ الصَّحيحةُ

109
00:05:55.170 --> 00:05:57.140
الَّتي سنذكرُها لكُم في التَّعليقاتِ،

110
00:05:57.140 --> 00:05:59.382
ولم نلجأْ فيها إلى أيِّ حديثٍ ضعيفٍ،

111
00:05:59.382 --> 00:06:03.876
فلا ينبغي الاعتراضُ بعدَ ذلكَ بأنَّنا نَنسبُ إلى السّيرةِ ما ليسَ منْها!

112
00:06:04.370 --> 00:06:06.215
حسنًا، بدأَ الحوارُ.

113
00:06:08.130 --> 00:06:09.983
بدأَتْ ندى بسؤالِ عائشةَ:

114
00:06:10.010 --> 00:06:15.137
- حضرتُكِ عائشةُ زوجةُ محمَّدٍ -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-؟

115
00:06:15.190 --> 00:06:18.376
- نعمْ - أتسمحينَ لي بأسئلةٍ؟

116
00:06:18.910 --> 00:06:19.990
- نعمْ

117
00:06:20.330 --> 00:06:22.906
قالتْ ندى في نفسِها: شادي جافٌّ،

118
00:06:22.930 --> 00:06:24.947
لمْ يعُدْ يعبِّرُ لي عنْ حبِّهِ،

119
00:06:25.000 --> 00:06:27.354
بلْ بدأْتُ أشُكُّ في حُبه لي!

120
00:06:27.400 --> 00:06:32.292
فسألَتْ: هلْ كانَ رسولُ اللهِ يعبِّرُ عنْ حبِّهِ لكِ؟

121
00:06:33.110 --> 00:06:35.120
تبسَّمَتْ عائشةُ وحنَّتْ:

122
00:06:35.390 --> 00:06:38.040
- كانَ يقبِّلني قبُلاتٍ عابرةٍ وهوَ صائِمٌ،

123
00:06:38.080 --> 00:06:42.481
ولمّا سألوهُ: منْ أحبُّ النّاسِ إليكَ؟ قالَ: عائشةُ

124
00:06:42.490 --> 00:06:46.261
في مجتمعٍ لم يألَفْ منْ قبلُ التَّصريحَ بمحبَّةِ الزَّوجةِ.

125
00:06:47.810 --> 00:06:51.758
- مرضْتُ مرَّةً فلمْ يُظهِر لي شادي لطفًا أوْ عنايةً خاصَّةً،

126
00:06:51.780 --> 00:06:57.024
- فسألَتْ: هلْ كان يشعرُكِ النَّبيُّ بالاهتِمامِ إذا مرضْتِ؟

127
00:06:57.790 --> 00:07:00.440
- كانَ يتلطَّفُ بي لطفًا خاصًا،

128
00:07:00.440 --> 00:07:03.227
ويضعُ يدَهُ موضِعَ الألمِ فيدعُو لي

129
00:07:03.450 --> 00:07:05.789
- عندَما أكونُ في أيَّامِ عُذري -كوْني أنثى-،

130
00:07:05.789 --> 00:07:07.368
أكونُ متوتِّرةً بعضَ الشَّيءِ،

131
00:07:07.368 --> 00:07:09.409
ومعَ ذلكَ لا يراعيني شادي

132
00:07:09.409 --> 00:07:12.331
معَ أنَّهُ بوصفه طبيبًا نفسيًّا يفهمُ ما أمرُّ بهِ،

133
00:07:12.331 --> 00:07:17.113
فسألتْ: حسنًا، هلْ كانَ رسولُ اللهِ يراعيكِ في فترةِ عذرِكِ؟

134
00:07:17.890 --> 00:07:21.216
- كان معي في هذهِ الفتراتِ ألطفَ ما يكونُ؛

135
00:07:21.216 --> 00:07:24.715
أشربُ وأنا حائضٌ، ثمَّ أُناولُ الإناءَ النَّبيَّ،

136
00:07:25.275 --> 00:07:29.469
فيتعمَّدُ أنْ يضعَ فمَهُ على المكانِ الَّذي شربْتُ منهُ،

137
00:07:30.780 --> 00:07:33.278
وآكلُ اللَّحمَ، ثمَّ أناولُهُ النَّبيَّ

138
00:07:33.360 --> 00:07:36.947
فيتعمَّدُ أنْ يضعَ فمهُ على مكانِ فمي

139
00:07:36.947 --> 00:07:39.925
تطييبًا لخاطري، وإذهابًا لحُزني،

140
00:07:41.070 --> 00:07:44.637
وجاءَني العذرُ وأنا أحُجُّ، فبكيْتُ خَشيةً منْ فسادِ حَجّي

141
00:07:44.680 --> 00:07:48.630
فقالَ ليَ النَّبيُّ: "هذا أمرٌ كتبَهُ اللهُ على بناتِ آدمَ"

142
00:07:48.630 --> 00:07:51.017
ثُمَّ ذكرَ لي ما عليَّ فعلُهُ.

143
00:07:51.017 --> 00:07:55.661
قالَتْ ندى في نفسِها: شادي يستسخفُ اهتماماتي الأنثويَّةِ،

144
00:07:55.856 --> 00:07:57.726
ويُشعرُني بعدمِ الاحترامِ،

145
00:07:57.780 --> 00:08:01.957
فسألَتْ: حسنًا، هل كانَ رسولُ اللهِ يراعي اهتِماماتِكِ؟

146
00:08:02.310 --> 00:08:04.357
تبسَّمَتْ عائشةُ، وقالَتْ:

147
00:08:04.360 --> 00:08:09.791
ذاتَ مَرَّةٍ كانَ هناكَ أحباشٌ يلعبونَ في المسجدِ بالحرابِ، فسألَني رسولُ اللهِ:

148
00:08:10.190 --> 00:08:12.977
"أتحبّينَ أنْ تنظري إليهم؟"، فقلتُ له: نعمْ،

149
00:08:13.600 --> 00:08:15.918
فقامَ نحوَ البابِ، وقمْتُ وراءَهُ،

150
00:08:16.070 --> 00:08:21.351
ووضعْتُ ذَقني على كتفِهِ وألزقْتُ خدّي بخدِّهِ، وسَترَني بردائِهِ،

151
00:08:21.791 --> 00:08:26.098
بعدَ فترةٍ سألَني: "وحسبُكِ؟" -أي أيكفي-

152
00:08:26.390 --> 00:08:28.775
فقلْتُ لهُ: "يا رسولَ اللهِ لا تَعجَلْ"

153
00:08:28.880 --> 00:08:30.668
فبَقيَ واقفًا من أَجْلي،

154
00:08:30.668 --> 00:08:35.324
وبعدَ فترةٍ قالَ: "حَسبُكِِ؟" فقلْتُ: "لا تَعجَلْ يا رسولَ اللهِ"

155
00:08:35.324 --> 00:08:37.639
وبَقيَ قائمًا حتّى انْصرفْتُ أنا؛

156
00:08:37.760 --> 00:08:42.470
لذلكَ قلْتُ أعلِّمُ النّاسَ أجمَعينَ أنْ يهتمّوا بحاجاتِ الصَّغيراتِ،

157
00:08:42.600 --> 00:08:46.842
فاقدُروا قَدرَ الجاريةِ الحديثةِ السِّنِ الحريصةِ على اللَّهو؛

158
00:08:46.842 --> 00:08:49.485
ليقتَبِسوا منْ هذا الُخلُقِ العظيمِ،

159
00:08:50.428 --> 00:08:52.668
لقدْ تزوَّجَني رسولُ اللهِ صغيرةً،

160
00:08:52.668 --> 00:08:55.617
فكنْتُ أَلعبُ بِلُعَبٍ على شكلِ بناتٍ في بيتِهِ،

161
00:08:55.640 --> 00:08:57.595
ويلعبُ معي بعضُ البناتِ منْ جيلي،

162
00:08:57.700 --> 00:09:01.027
وكُنَّ يهَبْنَ منَ النَّبيِّ إذا رأينَهُ، فيختَفينَ،

163
00:09:01.030 --> 00:09:06.192
لكنَّ رسولَ اللهِ يُدخلُهنَّ عليَّ ليُشعرَهنَّ أنْ: خذوا راحتكُنَّ،

164
00:09:06.750 --> 00:09:08.596
ومرَّةً، رأى لُعبي، فقالَ:

165
00:09:08.610 --> 00:09:10.972
ما هذا يا عائشةُ؟ فقلْتُ: بناتي

166
00:09:11.220 --> 00:09:14.095
ورأى بينَهنَّ فرسًا له جناحانِ، فقالَ:

167
00:09:14.095 --> 00:09:19.953
"ما هذا الَّذي أرى وسْطَهنَّ؟" فقلْتُ: "فرسٌ" قال: "وما هذا الَّذي عليهِ؟" قلْتُ: "جناحانِ"

168
00:09:20.660 --> 00:09:26.639
قالَ: "فرسٌ له جناحانِ؟" قلْتُ: "أَما سمعْتَ أنَّ لسليمانَ خيلًا لها أجنحةٌ؟"

169
00:09:26.910 --> 00:09:29.817
فضحكَ النَّبيُّ حتّى رأيتُ نواجِذَهُ؛

170
00:09:29.817 --> 00:09:34.364
- أي أنَّكِ عشْتِ حياتّكِ معهُ أيّامَ الصِّبا؟

171
00:09:34.550 --> 00:09:38.454
- تمامًا! كنتُ أتعلَّمُ منْهُ في أثناءَ ذلكَ كلَّ شيءٍ يفعلُهُ؛

172
00:09:38.560 --> 00:09:40.767
أَلعبُ، أمرحُ، أتعلَّّمُ، وأتعبَّدُ...

173
00:09:40.900 --> 00:09:43.560
بنفسٍ مطمئنَّةٍ، مستقرَّةٍ، سويَّةٍ،

174
00:09:43.730 --> 00:09:48.110
واستمرَّ اهتمامُهُ بي، ومراعاتُهُ حاجاتي، وأنا شابَّةٌ.

175
00:09:49.400 --> 00:09:52.587
قالَتْ ندى في نفسِها: شادي لا يهتمُّ بِمُتَعلِّقَاتي،

176
00:09:52.860 --> 00:09:55.085
انكسرَتْ إِسوارةٌ بألفَي دينارٍ

177
00:09:55.085 --> 00:09:56.700
كانَتْ أمّي أهدَتْني إيّاها،

178
00:09:56.700 --> 00:10:00.340
طلبْتُ إليهِ أنْ يُصلحَها وما زَالَتْ أمامَه على الطّاولةٍ منْ شهورٍ،

179
00:10:00.340 --> 00:10:02.335
وكلَّما ذكَّرتُهُ بها قالَ:

180
00:10:02.340 --> 00:10:04.538
اليومَ، وغدًا... اليومَ وغدًا

181
00:10:04.538 --> 00:10:08.401
فسألَتْ: هلْ كانَ النَّبيُّ يهتمُّ بمتعلّقاتِكِ؟

182
00:10:08.600 --> 00:10:10.746
ابتسمَتْ عائشةُ، وقالَتْ:

183
00:10:10.746 --> 00:10:14.850
خرجْتُ معه مرَّةً في سفرٍ، فانقطعَ عِقدٌ لي،

184
00:10:14.850 --> 00:10:17.772
فأقام النَّبيُّ في المكانِ ريثما نجدُهُ،

185
00:10:17.950 --> 00:10:22.957
وأقامَ أصحابُه معَهُ، وليسَ معهمُ ماءٌ، ولا حتَّى ليتَوضَّؤوا بهِ!

186
00:10:23.120 --> 00:10:27.846
جاءَ أبي -أبو بَكرٍ- غاضبًا لأنّي تسبَّبتُ في تأخيرِ الجميعِ،

187
00:10:27.910 --> 00:10:32.768
فضغطَ على خاصرَتي ضغطًا مؤلمًا، ورسولُ اللهِ نائمٌ على فخذي،

188
00:10:32.768 --> 00:10:37.988
فلا يمنعُني منَ التَّحرُّكِ إلّا خوفي أنْ يصحوَ النَّبيُّ، وأفسدَ عليهِ راحتَهُ،

189
00:10:38.040 --> 00:10:42.282
على فكرةٍ، انقطعَ معي عِقدٌ مرَّةً أخْرى،

190
00:10:42.310 --> 00:10:45.679
وكانَ بَحثي عنهُ، وتأخُّري عنِ الجيشِ -لأجلِ ذلكِ-

191
00:10:45.679 --> 00:10:49.768
سببًا في حادثةِ الإفكِ، وافتراءِ المنافقينَ عليَّ،

192
00:10:49.768 --> 00:10:54.090
ولم يُعاتبْني رسولُ اللهِ على تكرارِ سقوطِ عِقدي.

193
00:10:54.090 --> 00:10:58.626
قالت ندى في نفسِها: شادي أنانيّ يُفضِّل نفسَه علَيّ

194
00:10:58.626 --> 00:11:03.449
أحيانًا نعود كلٌّ مِّنَّا -أنا وهو- من عملنا متأخرَيْن ولا طعام في البيت،

195
00:11:03.463 --> 00:11:06.646
يدعوه أحد أصحابه فيخرُج ولا يسأل عنّي،

196
00:11:06.646 --> 00:11:12.726
فسألتْ: هل كان رسول الله يُفضِّل نفسه عليكِ أحيانًا في الطعام أو الشراب؟

197
00:11:12.726 --> 00:11:16.554
بدا على عائشة علامات الاستغراب والاستنكار

198
00:11:17.050 --> 00:11:20.944
- أبدًا؛ كان لنا جارٌ فارسيٌّ طعامه طيِّب،

199
00:11:21.078 --> 00:11:24.513
فصنع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- طعامًا،

200
00:11:24.570 --> 00:11:32.596
ثم جاء يدعوه، فقال رسول الله: "وهذه عني؟" (أي مُضَيَّفة معي؟ مدعوة معي؟)

201
00:11:33.075 --> 00:11:36.390
فقال: "لا"، فقال رسول الله: "لا"،

202
00:11:36.390 --> 00:11:40.809
(أي لا أستطيع تلبية الدعوة ما لم تكن عائشة مُضَيَّفة معي)

203
00:11:40.809 --> 00:11:50.745
فعاد جاره يدعوه، فقال رسول الله: "وهذه؟" قال: "لا"، فقال رسول الله: "لا"،

204
00:11:51.622 --> 00:11:55.970
ثم عاد في مرَّةٍ أخرى يدعوه، فقال رسول الله: "وهذه؟"

205
00:11:55.970 --> 00:12:00.887
قال: "نعم"، فقمتُ مع رسول الله إلى منزل جارنا هذا.

206
00:12:01.905 --> 00:12:04.246
- حسنًا، لماذا رفض أن يذهب وحده؟

207
00:12:04.610 --> 00:12:08.820
- عرف أنّي أحب هذا الطعام وقد كان الطعام عندنا قليلًا،

208
00:12:08.820 --> 00:12:13.429
فأراد أن يُّشاركني حالي فإمّا أن نَّأكل معًا أو نجوع معًا.

209
00:12:13.765 --> 00:12:16.933
هزّ الموقف ندى وعنى لها الكثير.

210
00:12:16.933 --> 00:12:20.008
- حسنًا، لماذا كان الطعام عندكم قليلًا؟

211
00:12:20.008 --> 00:12:25.039
- كان المالُ والهدايا والطعامُ يأتي النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-

212
00:12:25.429 --> 00:12:28.052
فيعطي الفقراء وأهل الصُفَّة،

213
00:12:28.052 --> 00:12:34.174
ويصبر وأصبر -أنا- معه وكيف لا أصبر وأنا أراه يرفض أن يّأكل بدوني؟

214
00:12:35.684 --> 00:12:40.812
- آسفة على السؤال: شابّةٌ جميلةٌ ذكيةٌ مثلكِ،

215
00:12:40.812 --> 00:12:46.056
هل أُعطيتِ يومًا من الأيام الفرصة لتعيشي حياةً أكثر تنعيمًا

216
00:12:46.056 --> 00:12:47.880
ولو بعيدًا عن رسول الله؟

217
00:12:48.475 --> 00:12:51.797
أي هل فكرتِ في فِرَاقه؟

218
00:12:51.797 --> 00:12:56.721
- فِرَاقه! ضحكت عائشة ثم قالت: سأخبركِ بشيء...

219
00:12:57.460 --> 00:13:02.832
كنتُ أنا وأزواج النبيِّ نطلب منه متاعًا من الدنيا وألححْنا عليه في الطّلب كثيرًا،

220
00:13:03.810 --> 00:13:08.234
وكنّا نغار عليه، كلٌّ منّا تريد أن تستأثر به ما استطاعتْ،

221
00:13:08.234 --> 00:13:10.558
وحصل أن يكيد بعضُنا بعضًا لأجل ذلك؛

222
00:13:11.148 --> 00:13:16.278
فغضب منّا النّبيُّ وكفَّ عن الحديث معنا شهرًا، ثم أنزل الله آيةً

223
00:13:16.410 --> 00:13:22.588
يُخيِّرنا فيها بين البقاء مع النَّبيّ على خشونة العَيش أو الطلاق مع الإحسان

224
00:13:22.588 --> 00:13:24.743
وإعطائنا شيئًا مّن مّتاع الدنيا.

225
00:13:24.743 --> 00:13:30.670
فبدأ النَّبيّ بي وقال: "يا عائشة إنّي أريد أن أعرض عليكِ أمرًا،

226
00:13:30.935 --> 00:13:34.960
أُحبُّ أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبوَيكِ"

227
00:13:35.390 --> 00:13:40.060
فقلتُ: "وما هو يا رسول الله؟" فتلى عليَّ قول الله -تعالى-:

228
00:13:40.060 --> 00:13:44.363
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ

229
00:13:44.363 --> 00:13:47.713
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ

230
00:13:47.713 --> 00:13:49.976
وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴿28﴾

231
00:13:49.976 --> 00:13:54.413
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ

232
00:13:54.413 --> 00:13:59.089
أَجْرًا عَظِيمًا ﴿29﴾﴾ [القرآن 33: 28-29]

233
00:14:00.469 --> 00:14:06.558
وانتهى النَّبيُّ وهو ينتظر ألّا أجيبه حتى أستشير أبَوَيّ، فقلتُ له:

234
00:14:06.558 --> 00:14:09.480
"أفيكَ يا رسول الله أستشير أبوَيّ؟

235
00:14:09.480 --> 00:14:15.493
أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة"

236
00:14:15.950 --> 00:14:17.416
ففرح رسول الله بذلك.

237
00:14:17.416 --> 00:14:21.090
أفيك يا رسول الله أستشير أبوي!

238
00:14:21.090 --> 00:14:27.144
ما أحلاها من كلمة رنَّت في كيان ندى وهي ترى هذا الحب الذي لا رجعةَ عنه

239
00:14:27.144 --> 00:14:33.817
من فتاةٍ ترى نفسها مع زوجها روحًا حلّت في جسدَين فلا يمكن أن يَنفصلا.

240
00:14:33.817 --> 00:14:37.110
تذكَّرتْ ندى كيف أنَّها طلبتْ الانفصال من شادي،

241
00:14:37.110 --> 00:14:39.545
لكنَّه لمَّحَ إلى أنَّه لن يُّسامحها

242
00:14:39.545 --> 00:14:43.134
بأيٍٍّ مِّن الأشياء التي اشتراها لها ولم يكتبها باسمها،

243
00:14:43.247 --> 00:14:48.129
فهي تبقى معه تعلّقًا بهذه الأشياء، ليس اهتمامًا به،

244
00:14:48.129 --> 00:14:53.913
لكن عائشة أُعطِيت الفرصة لتفارق النَّبيّ وتستمتع بالدنيا وزينتها،

245
00:14:54.238 --> 00:14:56.525
لكنها اختارتْه بلا تردد.

246
00:14:56.525 --> 00:15:01.199
قالت ندى في نفسها: الوقت الذي يُمضِيه شادي معي ليس “Quality time”،

247
00:15:01.199 --> 00:15:10.096
ليس وقتًا نوعيًا، بل يكون شارد الذهن فسألَت: رسولُ الله كانت مهمّاته عظيمة ومشاغله كثيرة

248
00:15:10.096 --> 00:15:15.330
هل كنتِ تُحسّينَ مع ذلك أنه متفرِّغٌ لكِ عاطفيًا وهو معكِ؟

249
00:15:16.637 --> 00:15:22.073
- كان يعطيني حقِّي كاملًا وهو معي حاضرًا ببدنه وذهنه،

250
00:15:22.073 --> 00:15:28.865
يستغلُّ كل فرصةٍ للتَّفاعل معي والتَّقرُّب منّي، يقوم بلفَتات لطيفة تعني لي الكثير،

251
00:15:29.258 --> 00:15:36.498
لذلكَ ترَيْنَ أحاديثَ كثيرةً أرويها عنه فإنّي لم أكن على هامش حياته؛ بل في صميمها.

252
00:15:37.021 --> 00:15:40.244
كان النَّبيّ يقرأ القرآن في حجري وأنا حائض

253
00:15:40.279 --> 00:15:43.130
- سيقرأهُ، سيقرأه على كل حال،

254
00:15:43.130 --> 00:15:46.309
بدل أن يقرأه بعيدًا عنِّي يقرأه في حجْري.

255
00:15:46.309 --> 00:15:52.981
تصوَّرتْ ندى هذه الصورة الطاهرة الراقية تصوَّرتْ رسولَ الله يقرأ بصوت عذب،

256
00:15:53.040 --> 00:16:00.285
رأسُهُ في حجْر عائشة تمسح بيدها على شعره وتستمع له في قِمّة المحبَّة والانسجام.

257
00:16:01.090 --> 00:16:07.067
قالت عائشة: كنّا نمضي أوقاتًا مرحة، حتى في الاغتسال نغتسلُ من إناءٍ وَاحدٍ

258
00:16:07.067 --> 00:16:13.381
نَتسابق على الماء مُتَمازحَيْن أقول له: "دعْ لي دعْ لي" ويقول هو: "دعِي لي دعِي لي"

259
00:16:13.503 --> 00:16:16.532
بمودّةٍ وَّأُنسٍ وَّخفَّة روحٍ وَّملاطفة.

260
00:16:16.979 --> 00:16:22.156
تبسَّمَتْ عائشة ثم قالت: سافرتُ معه مَرّةً وكنتُ صغيرةً خفيفةَ الوزن،

261
00:16:22.260 --> 00:16:29.998
فقال لأصحابه: "تقدَّموا" فتقدّموا، ثم قال: "تعالي أُسابقكِ" فسابقتُه فسبقتُه،

262
00:16:30.635 --> 00:16:36.036
ثمَّ كبرتُ وزاد وزني ونسيتُ سباقنا الأوَّل وخرجتُ معه في سفر،

263
00:16:36.036 --> 00:16:41.351
فقال لأصحابه: "تقدّموا" فتقدّموا، ثم قال: "تعالي أسابقكِ"،

264
00:16:41.351 --> 00:16:48.634
فقلت: "كيف أسابقك يا رسول الله وأنا على هذا الحال؟" فقال: "لتفعلِنَّ" فسابقتُه فسبقني،

265
00:16:48.634 --> 00:16:52.098
فجعل يضحك، وقال: "هذه بتلك السبقة".

266
00:16:52.488 --> 00:16:57.038
قالت ندى في نفسها: شادي ينقل مشكلاته في العمل إلى داخل البيت،

267
00:16:57.038 --> 00:17:02.410
فسأَلتْ: ألم تكن أعباء الحياة ومكائد الكفار والمنافقين ضدَّ النَّبيِّ

268
00:17:02.410 --> 00:17:04.730
تؤثِّرُ على حياتكم واستقراركم؟

269
00:17:05.796 --> 00:17:10.467
- بل كان كأنَّه يخلع الهموم على عتبات البيت حين يدخل عليّ،

270
00:17:10.467 --> 00:17:15.027
فلا أرى منه سوى الودّ والطمأنينة وهدوء النفس وحُسْن العِشْرة.

271
00:17:15.027 --> 00:17:19.600
- أي كنتِ تُحسِّين معه بالأمان مع كلِّ هذه الظروف!

272
00:17:19.998 --> 00:17:22.395
- بلا شك وأيُّ أمانٍ أكثرُ من هذا؟

273
00:17:22.870 --> 00:17:27.450
قالت ندى في نفسها: في المقابل شادي لا يشاركني فرحاته،

274
00:17:27.692 --> 00:17:31.834
فسألتْ: هل كان النَّبيّ يشارككِ ما يسرُّه؟

275
00:17:32.390 --> 00:17:36.148
- بلا شك، مثلًا: دخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

276
00:17:36.148 --> 00:17:39.446
مرةً مسرورًا تَبْرُق أساريرُ وجهه،

277
00:17:39.725 --> 00:17:44.770
فقال: "ألمْ ترَيْ أنّ مُجَزَّزًا نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد،

278
00:17:44.970 --> 00:17:47.640
فقال: إنَّ هذه الأقدامَ بعضها من بعض"

279
00:17:47.640 --> 00:17:52.444
أي كان مستغربًا مسرورًا من أنَّ رجلًا ممن يَقتفون الأثر

280
00:17:52.444 --> 00:17:58.969
عرف وجود علاقةٍ بين زيدٍ وّابنه أسامة من قدميهما مع أنَّه لم يَرَ وجهيهما؛

281
00:17:58.969 --> 00:18:05.517
لأنَّهما كانا مُغطِّيين وجههما، ومع أنّ رِجلَي أسامة كانتا سوداوين تمامًا لأمّه،

282
00:18:05.517 --> 00:18:07.678
ورجلَي زيدٍ كانتا بيضاوَيْن.

283
00:18:08.280 --> 00:18:12.193
قالت ندى في نفسها: إذا أطلتُ الحديث مع شادي في موضوع

284
00:18:12.193 --> 00:18:14.903
فإنه يقاطعني ويطلب مني أن أختصر،

285
00:18:14.903 --> 00:18:21.206
ويتبرَّم من كثرة أسئلتي، فسألتْ: حسنًا، هل كان النَّبيّ يستمع إليكِ باهتمام؟

286
00:18:21.730 --> 00:18:23.361
- لم يقاطعْني يومًا

287
00:18:23.361 --> 00:18:29.568
جلستُ معه أحدِّثه عمّا قالته إحدى عشرة امرأةً في أزواجهنَّ في حديثٍ طويل،

288
00:18:29.630 --> 00:18:36.597
وكانت آخرَهنَّ زوجةُ أبي زرع الذي كان مكرِمًا لها، ورسول الله يستمع لا يقاطعُني،

289
00:18:36.680 --> 00:18:43.441
حتى إذا انتهيتُ قال لي مُتحبّبًا كنتُ لكِ كأبي زرع لأمِّ زرع (أي في الإكرام).

290
00:18:43.700 --> 00:18:48.429
كنت لا أسمع منه شيئًا لا أعرفه إلا راجعتُه فيه حتى أعرفه،

291
00:18:48.468 --> 00:18:51.469
مثلًا قال مرَّةً: "من حوسِب عُذِّب"،

292
00:18:51.469 --> 00:18:54.328
فقلتُ له: "أوليس يقول الله -تعالى-:

293
00:18:54.328 --> 00:18:56.626
﴿فَسَوفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسيرًا﴾؟ [القرآن 84: 8]

294
00:18:56.859 --> 00:19:01.400
فقال: إنّما ذلك العَرْضُ، ولكن مَّن نُوقش الحسابَ يهلك،

295
00:19:01.578 --> 00:19:03.756
وكان مسرورًا بحبّي للتعلُّم،

296
00:19:03.756 --> 00:19:07.929
سألتُه عشرات أو مئات الأسئلة الموجودة في الأحاديث المحفوظة،

297
00:19:08.190 --> 00:19:12.803
فكان يُجيب باهتمام لا يُبدي أيَّ انزعاجٍ من كثرة أسئلتي

298
00:19:12.803 --> 00:19:15.264
ولا يُقلِّل من شأن أيِّ سؤال.

299
00:19:16.075 --> 00:19:21.502
قالت ندى في نفسها: شادي بدأ يملُّني وتثور عصبيَّته عليّ سريعًا،

300
00:19:21.970 --> 00:19:28.637
والمؤلم جدًا أنّ هذا في مقابل اهتمامه بزميلاتِه في العمل وروحِه المرحة معهن،

301
00:19:28.637 --> 00:19:33.773
فسألتْ: هل كانت عصبيّةُ النَّبيّ تثور عليكِ إذا أخطأتِ؟

302
00:19:35.268 --> 00:19:36.659
- بل يعَلِّمني برفق،

303
00:19:37.260 --> 00:19:40.326
ذكرتُ زوجتَه صفيَّةَ مرّةً بانتقاص،

304
00:19:40.326 --> 00:19:45.648
فقال لي: لقد قلتِ كلمة لّو مُزجَتْ بماء البحر لمزجتْهُ

305
00:19:45.648 --> 00:19:50.069
(أي لَعكّرتْه)؛ لِيقويَّ الوازع عندي حتّى أخاف الله،

306
00:19:50.069 --> 00:19:57.628
ولم يُعنِّفْني وقُصارى الأمر إذا أخطأتُ أن تتغيّر ملامح وجهه فَرَبّى عندي إرهاف حسٍّ،

307
00:19:57.628 --> 00:20:01.734
بحيثُ أرصدُ ملامحه وأعدّل سلوكي على أساسها.

308
00:20:02.284 --> 00:20:04.900
- ما كان يصرخ؟ - مطلقًا.

309
00:20:05.140 --> 00:20:07.258
تبسَّمتْ عائشة وقالت:

310
00:20:07.258 --> 00:20:13.954
ذات مرة قال لي: "إني لَأعلم إذا كنتِ عنّي راضية وإذا كنتِ عليّ غضبى"

311
00:20:14.330 --> 00:20:16.126
فقلت: "من أين تعرف ذلك؟"

312
00:20:16.126 --> 00:20:21.581
فقال: "أمّا إذا كنتِ عني راضية فإنَّكِ تقولين: لا وربِّ محمد،

313
00:20:21.581 --> 00:20:25.149
وإذا كنتِ غضبى قلتِ: لا وربِّ إبراهيم"

314
00:20:25.149 --> 00:20:31.603
قلتُ: "أجل والله يا رسول الله، ما أهجرُ إلا اسمك" (أي ما أترك إلا ذِكر اسمك وقتها

315
00:20:31.603 --> 00:20:35.632
وإلا فمحبتك ثابتةٌ في قلبي لا تتغيَّر بحال).

316
00:20:35.632 --> 00:20:39.520
- حسنًا وما الذي كان يغضبكِ منه؟ - غَيرتي عليه.

317
00:20:39.680 --> 00:20:44.956
- ألهذه الدرجة تحبِّينه! تغارين عليه وتريدين أن تستأثري به؟

318
00:20:45.806 --> 00:20:49.201
- كيف لا أُحبِّه لهذه الدرجة مع أخلاقه هذه،

319
00:20:49.389 --> 00:20:53.869
مرَّةً كان نصيبي منه أن يبيت عندي، جاء فتمدَّدَ بجانبي

320
00:20:53.869 --> 00:20:56.716
فلمَّا ظنَّ أنّي نمتُ قام بهدوء،

321
00:20:56.716 --> 00:21:03.506
ولبس نعلَيْه بهدوءٍ وّخرج، فلبست سريعًا ولحقتُه لأرى إنْ كان سيذهب إلى زوجة غيري،

322
00:21:03.729 --> 00:21:09.282
فإذا هو يذهب إلى مقبرة البقيع التي دُفِن فيها عددٌ مّن أصحابه،

323
00:21:09.282 --> 00:21:15.461
فلما أراد أن يَعود ركضتُ حتى دخلتُ أمامه حتى لا يعرفَ أنّي خرجتُ أراقبه،

324
00:21:15.461 --> 00:21:21.919
فلما دخل رأى تحرُّك أنفاسي، فسألني، تهرَّبتُ من الجواب، ثم أخبرتُه،

325
00:21:22.230 --> 00:21:25.131
فأخبرني أنَّ جبريلَ أتى يخبره أنَّ الله

326
00:21:25.131 --> 00:21:32.103
يأمره بالاستغفار لأهل البقيع، فخاف أنْ يّوقِظني فأَستوحِشَ، فخرج بهدوء، ثم سألتُه:

327
00:21:32.103 --> 00:21:34.814
ماذا أقول إذا زُرْت أهل المقابر، فعلَّمني.

328
00:21:35.256 --> 00:21:39.485
أرادتْ ندى أنْ تسألَ عن تعامُلِ النَّبِيِّ مع غَيْرَةِ عائشةَ،

329
00:21:39.485 --> 00:21:42.380
استحتْ أنْ تذكُرَ وضْعَ شادٍ مع زميلاتِهِ،

330
00:21:42.380 --> 00:21:47.475
الَّذِي لا يُقارَنُ بالعَلاقةِ الحلالِ بينَ النَّبِيِّ وزوجاتِهِ، فقالتْ:

331
00:21:48.135 --> 00:21:51.774
كيفَ كانَ يتصرَّفُ معَ غَيرَتِكِ من زوجاتِهِ الأُخرياتِ؟

332
00:21:51.774 --> 00:21:53.857
تبسَّمتْ عائشةُ وقالتْ:

333
00:21:54.007 --> 00:21:57.230
دعا رسولُ الله أصحابَه يومًا إلى بيتِي،

334
00:21:57.230 --> 00:22:01.492
فأتَتْ أُمُّ سلَمَةَ زوجةُ النَّبيِّ بصحنٍ كبيرٍ فيهِ طعامٌ

335
00:22:01.492 --> 00:22:03.835
لِتُكْرِمَ بهِ النَّبيَّ وضيوفَهُ،

336
00:22:04.044 --> 00:22:07.008
فَغِرْتُ؛ فَكَسَرْتُ الصَّحنَ بحجَرٍ في يدِي

337
00:22:07.008 --> 00:22:11.699
فتحَتْ ندَى فَمَها وحملقت: ماذا فَعَلَ رسولُ اللهِ؟

338
00:22:12.417 --> 00:22:17.588
قالتْ عائشةُ: جمَعَ بينَ فِلْقَتَيْ الصَّحْنِ -وعليهمَا الطَّعَامُ-

339
00:22:17.588 --> 00:22:23.923
وقالَ لأصحابِهِ: "كُلُوا، غَارتْ أُمُّكُمْ. كُلُوا، غارَتْ أُمُّكُمْ"

340
00:22:23.966 --> 00:22:25.226
-يَقْصِدُني أنَا-،

341
00:22:25.226 --> 00:22:29.537
ثُمَّ أخذَ رسولُ اللهِ صحنًا من عندِي، وبعثَ بهِ إلَى أُمِّ سلمَةَ

342
00:22:29.711 --> 00:22:31.822
- وانتهَى الموضوعُ عندَ هذَا الحَدِّ؟!

343
00:22:32.284 --> 00:22:33.312
- نعمْ

344
00:22:33.312 --> 00:22:34.658
- لم يضرِبْكِ؟!

345
00:22:34.658 --> 00:22:37.288
ضحكَتْ عائشةُ: يضربُنِي؟!

346
00:22:37.288 --> 00:22:41.255
لم يضربْ النَّبِيُّ بيدِهِ امرأَةً، ولا خادِمًا، ولا شيئًا،

347
00:22:41.255 --> 00:22:43.393
إلَّا حِينَ يُجاهِدُ في سبيلِ اللهِ.

348
00:22:43.393 --> 00:22:48.011
قالتْ ندَى فِي نفسِهَا: أُحِسُّ أنَّ شخصيَّتِي طُمِسَتْ معَ شادٍ؛

349
00:22:48.011 --> 00:22:52.579
أشعرُ بضعفٍ وقلَّةِ تقديرٍ لِنفسِي أمامَ الآخرينَ إذَا كنتُ معهُ،

350
00:22:52.579 --> 00:22:58.327
فسألَتْ: هل كنتِ تتصرَّفينَ أمامَ النَّبيِّ بقوَّة شخصيَّتك، وروحِكِ المَرِحَةِ؟

351
00:22:58.510 --> 00:22:59.880
تبسَّمتْ عائشةُ:

352
00:23:00.090 --> 00:23:04.526
حضَّرتُ طعامًا مرَّةً وعندِي سودَةُ -زوجةُ النَّبِيِّ- جالسَةً في بَيْتِي

353
00:23:04.526 --> 00:23:07.515
فقلتُ لهَا:"كُلِي!" ورسولُ اللهِ بينَنَا،

354
00:23:07.937 --> 00:23:09.608
فقالتْ: "لا أشتهِي ولا آكُلُ"

355
00:23:09.608 --> 00:23:13.961
فقلتُ: "لَتَأْكُلِنَّّ أو لَأُلَطِّخَنَّ وجهَكِ" -أي بالطَّعامِ-

356
00:23:13.961 --> 00:23:17.305
فلمْ تأكُلْ، فلطَّخْتُ وجهَهَا بالطَّعامِ،

357
00:23:17.497 --> 00:23:18.857
فضحِكَ رسولُ اللهِ،

358
00:23:18.857 --> 00:23:22.953
فَأَخَذَتْ سودةُ من الطَّعامِ فلطَّخَتْ وجْهِي، ورسولُ اللهِ يضحَكُ.

359
00:23:23.503 --> 00:23:28.656
قالتْ ندَى في نفسِهَا: شادٍ يرُدُّ علَى غَيرَتِي بإظهارِ سوءِ الظَّنِّ فيَّ،

360
00:23:28.917 --> 00:23:33.229
أنِّي أتعمَّدُ الحديثَ معَ الزُّملاءِ، وأنِّي أميلُ عاطفيًّا تجاهَ أحدِهِمْ،

361
00:23:33.229 --> 00:23:36.962
فسألتْ: هلْ كانَ النَّبيُّ يُحسِنُ الظَّنَّ بِكِ؟

362
00:23:37.367 --> 00:23:40.857
- نعَمْ، عندمَا افْتَرَى عليَّ المنافقُونَ دافعَ عنِّي،

363
00:23:40.857 --> 00:23:45.168
وقال: "واللهِ ما علمتُ على أهلِي إلَّا خيرًا" -يَعْنِينِي-

364
00:23:45.168 --> 00:23:49.933
لكنَّه بَقِيَ شهرًا لا يُوحَى إليهِ شيءٌ مِنَ القُرآنِ فِي شأنِي،

365
00:23:49.950 --> 00:23:56.824
ومع ذلكَ، يستحِيي أنْ يُواجهَنِي بسؤالٍ يجرحُ شعورِي عمَّا يقولُهُ البعضُ،

366
00:23:57.030 --> 00:24:01.336
ثُمَّ لمَّا أرادَ أنْ يَسألنِي، قالَ: "أمَّا بعدُ يا عائشةُ،

367
00:24:01.336 --> 00:24:03.975
إنَّهُ بلغنِي عنكِ كذَا وكذَا...

368
00:24:04.060 --> 00:24:07.015
فإنْ كنتِ بريئةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ،

369
00:24:07.015 --> 00:24:11.312
وإنْ كنتِ ألْمَمْتِ بذنبٍ فاستغفرِي اللهَ، وتُوبِي إليهِ،

370
00:24:11.601 --> 00:24:14.967
فإنَّ العبدَ إذا اعترفَ ثُمَّ تَابَ، تابَ اللهُ عليهِ"

371
00:24:15.443 --> 00:24:17.386
ثُمَّ أظهرَ اللهُ براءَتِي.

372
00:24:18.146 --> 00:24:22.100
قالتْ ندَى في نفسِهَا: عندمَا تكونُ الخادِمةُ في إجازَةٍ،

373
00:24:22.100 --> 00:24:23.932
فإنَّ شاديًا لا يُساعدُ في البيتِ،

374
00:24:23.932 --> 00:24:27.755
مع أنَّهُ يكتُبُ منشوراتٍ عن حقوقِ المرأةِ ومَظْلُومِيَّتِها،

375
00:24:27.755 --> 00:24:32.997
فسألتْ: طبعًا ما أظنُّ أنَّ النَّبِيَّ كانَ يساعدُكِ في أمورِ البيت،

376
00:24:32.997 --> 00:24:34.079
فهو رسولُ اللهِ.

377
00:24:34.079 --> 00:24:37.847
- بلْ كانَ يساعدُنِي، فإذَا حضرَتِ الصَّلاةُ خرجَ إلَى الصَّلَاةِ.

378
00:24:38.147 --> 00:24:40.798
تَفَاجَأَتْ ندى وتصَوَّرتْ منظرَ النَّبيِّ

379
00:24:40.798 --> 00:24:44.672
وهوَ يُساعِدُ زوجتَه في شؤونِ البيتِ بتواضُعٍ ومودَّةٍ.

380
00:24:45.508 --> 00:24:50.967
قالتْ ندَى في نفسِها: أصبحَ شادٍ يُدخِّنُ مؤخَّرًا وأتأَذَّى منْ رَائحةِ دُخَانِهِ،

381
00:24:50.967 --> 00:24:55.868
أشياءُ يسيرة أصبحتْ تَستفزُّنِي؛ لماذا لا يتأنَّقُ لِي كمَا يتأنَّقُ للنَّاسِ؟

382
00:24:56.080 --> 00:25:02.076
فسألتْ: هل كان النَّبيُّ يتأنَّقُ لكِ ويعتنِي برائحتِهِ كمَا يفعلُ معَ النَّاسِ؟

383
00:25:02.076 --> 00:25:07.307
- كانَ إذا دخلَ بيتَه بدأَ بالسِّواكِ لأشُمَّ من فمِهِ رائحتَهُ الطَّيِّبةَ.

384
00:25:07.307 --> 00:25:09.546
تفاجأَتْ ندَى منْ هذَا المشهدِ:

385
00:25:09.546 --> 00:25:13.888
رجلٌ يَدخُلُ بيتَهُ، فيستعدُّ كما يستعدُّ الرِّجالُ اليوم

386
00:25:13.888 --> 00:25:16.782
لمقابَلَةِ عملٍ أو لِلِقاءِ شخصٍ مُهِمٍّ،

387
00:25:16.782 --> 00:25:20.747
قالتْ ندَى في نفسِهَا: أصبحتُ أُفضِّلُ غيابَ شادٍ عنِّي،

388
00:25:20.747 --> 00:25:25.505
فسألتْ: واضحٌ أنَّكِ كنتِ متعلِّقةً بالنَّبيِّ جدًّا،

389
00:25:25.505 --> 00:25:29.680
هل وصلتِ لمرحلةِ أنَّكِ لا تُطيقِينَ بُعْدَهُ عنكِ؟

390
00:25:30.870 --> 00:25:33.733
- لمَّا كانتْ ليلةٌ مِنَ اللَّيالِي قالَ:

391
00:25:33.733 --> 00:25:37.458
"عائشةُ، ذَرِينِي أتعبَّدُ اللَّيلَةَ لِربِّي"،

392
00:25:37.458 --> 00:25:42.127
فقلتُ له: "واللهِ إنِّي أُحبُّ قربَكَ، وأُحبُّ ما يسرُّكَ"،

393
00:25:42.239 --> 00:25:45.480
فقامَ فتطهَّرَ ثُمَّ قامَ يصلِّي.

394
00:25:45.480 --> 00:25:51.063
قالتْ ندَى في نفسِهَا: شادِي يَظْهَرُ أمامَ النَّاسِ بمظهرِ الخيريَّةِ والحنانِ،

395
00:25:51.063 --> 00:25:53.617
لكنَّ هذِه الخيريَّةَ تتلاشَى معِي،

396
00:25:53.617 --> 00:25:57.575
ويُبرِّرُ لِي بأنَّه مضغوطٌ ومشاكلُ الحياةِ كثيرةٌ،

397
00:25:57.791 --> 00:26:02.406
فسألتْ: هلْ كانَ النَّبِيُّ يعاملُكِ كمَا يعامِلُ النَّاسَ؟

398
00:26:03.620 --> 00:26:04.940
- بلْ أفضَلَ!

399
00:26:04.949 --> 00:26:07.083
فإنَّهُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-

400
00:26:07.083 --> 00:26:12.157
هو القائلُ: «خَيْرُكُمْ خيرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»

401
00:26:12.164 --> 00:26:15.590
فجعلَ مِعيارَ الخَيريَّةِ التَّعامُلَ معَ الأزواجِ.

402
00:26:16.250 --> 00:26:17.730
قالتْ ندَى فِي نفسِهَا:

403
00:26:17.730 --> 00:26:21.365
هناكَ جوانبُ منْ حياةِ شادٍ الخاصَّةِ أستحِيي أنْ أتكلَّمَ عنْهَا

404
00:26:21.365 --> 00:26:24.089
لأنَّهَا تُسيءُ لهُ جِدًّا، فسألتْ:

405
00:26:24.089 --> 00:26:25.719
سامِحِينِي علَى السُّؤَالِ،

406
00:26:25.719 --> 00:26:30.750
هلْ كانَ هُناكَ جانبٌ منْ حياةِ النَّبيِّ لا تُحبِّينَ أنْ يَطَّلِعَ عليهِ أحدٌ؟

407
00:26:30.750 --> 00:26:34.474
- بلْ كانَتْ حياتُهُ كلُّهَا صفحَةً مَكشوفَةً،

408
00:26:34.474 --> 00:26:37.219
وهَا أنَا أعْرِضُهَا للنَّاسِ بكُلِّ تفاصيلِهَا،

409
00:26:37.219 --> 00:26:41.933
حتَّى ما يلزَمُ منْ تعلِيمِ النَّاسِ في العِشْرَةِ الزَّوجيَّةِ أتَكلَّمُ عنْهُ،

410
00:26:41.933 --> 00:26:45.499
ماذا أُخْفِي منْ حياتِهِ وقدْ كانَ خُلُقُهُ القرآنَ؟!

411
00:26:45.499 --> 00:26:47.855
كلُّ ما في القرآنِ منْ أخلاقٍ وآدابٍ

412
00:26:47.855 --> 00:26:50.780
رأيْتُهَا في محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-،

413
00:26:50.964 --> 00:26:52.382
ظاهِرُهُ كباطِنِهِ

414
00:26:52.382 --> 00:26:54.951
كانَ لَبِقًا مَعِي كَمَا كانَ معَ النَّاسِ،

415
00:26:54.951 --> 00:26:59.586
حتَّى أنِّي ما رأيتُهُ يضْحَكُ ضحكًا مُفرِطًا، إنَّما كانَ يتبَسَّمُ.

416
00:26:59.702 --> 00:27:03.320
قالتْ ندَى فِي نفسِهَا: لاهتزازِ صورَةِ شادٍ لديَّ،

417
00:27:03.320 --> 00:27:06.488
أصبحتُ أنْفِرُ من عَلاقتِنَا الغريزِيَّةِ كزوجيْنِ،

418
00:27:06.488 --> 00:27:09.113
وأشعُرُ أَنِّي أفعلُ شيئًا مَعِيبًا،

419
00:27:09.113 --> 00:27:12.293
فسألتْ: اُعذُرينِي علَى السُّؤَالِ،

420
00:27:12.533 --> 00:27:15.971
قلتِ أنَّكِ لا تتحرَّجِينَ منَ الحديثِ عمَّا يَلزمُ

421
00:27:15.971 --> 00:27:18.589
منْ تعليمِ النَّاسِ فِي العِشْرَةِ الزَّوجيَّةِ،

422
00:27:18.589 --> 00:27:23.567
تعنِينَ... أنَّكِ ما كُنْتِ تُحسِّينَ بأيَّةِ غضاضَةٍ منْ حياتِكُمَا الخاصَّةِ؟

423
00:27:23.807 --> 00:27:29.673
- لا مطلقًا؛ العَلاقةُ الغريزيَّةُ بين الزَّوجَيْنِ قُربَى إلَى اللهِ في الإسلام

424
00:27:29.763 --> 00:27:31.971
يأخذُ الزَّوجانِ عليْهَا أجرًا،

425
00:27:31.971 --> 00:27:36.160
وهذَا شيْءٌ علَّمَنِي إيَّاهُ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-

426
00:27:36.308 --> 00:27:37.666
تابعَتْ عائشةُ:

427
00:27:37.686 --> 00:27:39.061
وفِي الوقتِ ذاتِهِ،

428
00:27:39.061 --> 00:27:43.372
أتدرِينَ بماذا وصفَنِي اللهُ أنَا والمؤمنَاتُ مثلِي في سورَةِ النُّورِ،

429
00:27:43.511 --> 00:27:46.408
عندَمَا افترَى عليَّ المنافقونَ الإفْكَ؟

430
00:27:46.408 --> 00:27:51.750
وصفَنَا اللهُ بأنَّنَا "غافلَاتٌ"، أتدرِينَ ماذَا تعنِي "غافِلَاتٌ"؟

431
00:27:51.750 --> 00:27:57.096
لا يخطُرُ ببالِنَا السُّوءُ والعَلاقَاتُ المحرَّمَةُ لبراءتِنَا وطُهْرِ معدَنِنَا،

432
00:27:57.096 --> 00:28:01.739
بلْ كنتُ حينَ أدخُلُ بيتِيَ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ رسُولُ اللهِ وأبِي (أبُو بكرٍ)

433
00:28:01.739 --> 00:28:04.547
أضعُ ثوبِي، فأقولُ: "إنَّمَا هوَ زوجِي وأبِي"،

434
00:28:04.547 --> 00:28:06.597
فلمَّا دُفِن عمرُ معهُمَا،

435
00:28:06.597 --> 00:28:11.726
فَواللَّهِ ما دخلتُهُ إلا وأنا مشدودةٌ عليَّ ثيابي؛ حياءًّ من عُمَر.

436
00:28:12.203 --> 00:28:17.653
أدركتْ ندَى أنَّهَا أمامَ شخصيَّةٍ مُتوازِنَةٍ رُبِّيَتْ تربيةً عجيبةً،

437
00:28:17.653 --> 00:28:22.515
وأدركتْ -معَ ذلكَ- أنَّ مفهومَ الجنسِ في الإِسلَامِ مختلِفٌ تمَامًا

438
00:28:22.515 --> 00:28:24.889
عن مَفهومِهِ في ظلِّ المادِّيَّةِ المُعَاصِرَةِ.

439
00:28:24.889 --> 00:28:28.849
تابعتْ عائشةُ: رسولُ اللهِ الَّذِي كانَ يتكلَّمُ

440
00:28:28.849 --> 00:28:32.144
عنِ العَلاقةِ بينَ الأزوَاجِ بأدبٍ لِتعليمِ النَّاسِ،

441
00:28:32.144 --> 00:28:33.702
ولا يستَحِيي من الحلالِ،

442
00:28:33.702 --> 00:28:38.335
هوَ نفسُهُ الَّذِي كانَ يستحِيي منَ النِّساءِ أن يَدخُلَ فِي تفاصيلَ؛

443
00:28:38.435 --> 00:28:44.238
سألَتْهُ امرأةٌ يَومًا أمامِي عنْ غُسلِهَا منَ المحيضِ، فأخبرَهَا كيفَ تغتسِلُ،

444
00:28:44.238 --> 00:28:47.011
ثُمَّ قالَ: "خُذِي فِرْصَةً منْ مِسْكٍ

445
00:28:47.011 --> 00:28:50.218
-يعنِي قطعةً مِنْ صوفٍ أو قطْنٍ- فتطهَّرِي بهَا"،

446
00:28:50.894 --> 00:28:54.733
فقالتْ: "كيفَ أتطهَّرُ؟" قال: "تطهَّرِي بهَا."

447
00:28:55.079 --> 00:28:56.041
قالتْ: "كيفَ؟"

448
00:28:56.379 --> 00:28:58.104
فقالَ: "سبحانَ اللهِ! تطهَّرِي!"

449
00:28:58.104 --> 00:29:02.040
فاستحَى رسولُ اللهِ أنْ يقولَ لهَا: "ضعيهَا على مخرَجِ الدَّمِ"

450
00:29:02.195 --> 00:29:06.609
فاجتذبتُ المرأةَ إليَّ فقلتُ لهَا: "تتبَّعي بهَا أثَرَ الدَّمِ".

451
00:29:07.057 --> 00:29:11.092
قالتْ ندَى في نفسِهَا: شادٍ يستكبِرُ أنْ يُظهِرَ أمامِي ضَعفَهُ،

452
00:29:11.092 --> 00:29:16.226
بل بدلًا من ذلكَ يصُبُّ جامَ غضَبِهِ عليَّ إذَا تعرَّضَ لما يُظهِرُه ضعيفًا،

453
00:29:16.666 --> 00:29:20.790
فسألتْ: هلْ كانَ رسولُ اللهِ يتجنَّبُ إظهارَ ضَعفِهِ أمامَكِ؟

454
00:29:21.650 --> 00:29:24.884
- بلْ عندمَا مَرِضَ مَرَضَ موتِهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-

455
00:29:24.884 --> 00:29:27.969
استأذنَ نساءَهُ أنْ يُمرَّضَ في بيتِي.

456
00:29:28.038 --> 00:29:33.099
هُنَا تهدَّجَ صوتُ عائشةَ، جمعتْ أنفاسَهَا بصعوبةٍ،

457
00:29:33.099 --> 00:29:37.418
ثُمَّ تابعَتْ: تُوفِّيَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-

458
00:29:37.418 --> 00:29:40.157
في بيتِي علَى صدرِي، بينَ سَحْرِي ونَحْري،

459
00:29:40.157 --> 00:29:46.163
كانَ أخِي عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبِي بكرٍ قد دخلَ علينَا قبلَهَا ومعهُ سِواكٌ،

460
00:29:46.360 --> 00:29:50.242
فنظرَ إليهِ رسولُ اللهِ، فأحسَسْتُ أنَّهُ يودُّ استخدامَهُ،

461
00:29:50.540 --> 00:29:55.855
فأخذتُ السِّواكَ فمضغتُهُ وأعدَدْتُهُ لهُ، ثُمَّ أعطيتُهُ للنَّبيِّ،

462
00:29:55.857 --> 00:29:59.523
فاستنَّ بهِ كأحسنِ ما رأيتُهُ مُستَنًّا قطُّ،

463
00:29:59.523 --> 00:30:03.468
ثُمَّ حاولَ أنْ يرفعَ السِّواكَ إليَّ، فسقطتْ يدُهُ،

464
00:30:03.526 --> 00:30:07.481
فأخذتُ أدعو لهُ بدُعاءٍ كان يدعُو بهِ لهُ جبريلُ،

465
00:30:07.481 --> 00:30:11.895
وكانَ هوَ يدعُو بهِ إذَا مرِضَ، فلمْ يدْعُ بهِ فِي مرضِهِ ذاكَ،

466
00:30:12.304 --> 00:30:18.224
فرفعَ بصرَهُ إلَى السَّماءِ وقالَ: "الرَّفيقَ الأعْلَى" وفاضَتْ نَفْسُهُ

467
00:30:18.525 --> 00:30:24.581
فالحمدُ للهِ الَّذِي جَمَعَ بينَ ريقِي وريقِهِ في آخِرِ يومٍ مِنَ الدُّنيَا.

468
00:30:24.935 --> 00:30:31.602
- هلْ أَوصَيْتِ أنْ تُدْفَنِي بجانِبِهِ؟ - تمنَّيْتُ ذلكَ، لكنِّي آثَرْتُ عُمَرَ؛

469
00:30:31.822 --> 00:30:34.386
لـمَّا طُعِن عُمَرُ جاؤُونِي وأنَا أبْكِي،

470
00:30:34.386 --> 00:30:38.777
وقِيلَ لِي: يستأذِنُ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ أنْ يُدْفَنَ معَ صاحبَيْهِ

471
00:30:38.777 --> 00:30:42.905
-أي زوجِيَ وأبِيَ (أبِي بَكْرٍ)، زوجِيَ رسولِ اللهِ، وأبِيَ-

472
00:30:42.905 --> 00:30:48.253
فقُلْتُ: واللهِ كنتُ أردتُهُ لنفسِي، ولأُوثِرَنَّهُ اليومَ علَى نفسِي.

473
00:30:49.081 --> 00:30:52.845
قالتْ ندَى فِي نفسِهَا: لم أعُدْ أهتمُّ باهتماماتِ شادٍ،

474
00:30:52.845 --> 00:30:57.426
أصبحتُ أتعمَّدُ مخالفتَهُ فِي كُلِّ شيءٍ، ولا أريدُ أنْ أُشبِهَهُ فِي شيءٍ،

475
00:30:57.426 --> 00:31:01.073
فسألَتْ: تفتقِدِينَ زوجَكِ رسولَ اللهِ؟

476
00:31:01.253 --> 00:31:03.315
- هُوَ حيٌّ في كِيَانِي،

477
00:31:03.315 --> 00:31:06.483
وأُبقي ذكرَاهُ حيَّةً لديَّ بالحديثِ عنهُ،

478
00:31:06.483 --> 00:31:09.833
عنْ كلماتِهِ، حركاتِهِ، سَكَناتِهِ، قَسَماتِ وجهِهِ...

479
00:31:09.833 --> 00:31:11.884
تشرَّبتُ علمَهُ وحكمتَهُ،

480
00:31:11.884 --> 00:31:17.356
وأُحسُّ بأنفاسِهِ الطَّاهرَةِ بينَ ضُلوعِي حين أبُثُّ علمَهُ، وتفاصيلَ حياتِهِ،

481
00:31:17.795 --> 00:31:21.685
وأصبحتُ بفضلِ الزَّواجِ بهِ أُمًّا لِلمؤمنِينَ أجمعِينَ،

482
00:31:21.685 --> 00:31:23.813
وإنْ لم أُنجبْ منْ رَحِمِي،

483
00:31:23.813 --> 00:31:28.774
فآلاف آلاف المُسلمينَ -إِلى يومِ القيامةِ- يحبُّونَنِي ويترضَّوْنَ عَنِّي،

484
00:31:28.774 --> 00:31:31.828
ويسيرونَ بالنُّورِ الَّذِي ورَّثتُهُ لهُمْ،

485
00:31:31.828 --> 00:31:36.646
فأنَا الآنَ همِّيَ الأكبرُ أنْ ألتقِيَ بحبيبِي منْ جديدٍ في الجنَّةِ؛

486
00:31:36.983 --> 00:31:38.708
أفعلُ مثلمَا كانَ يفعلُ،

487
00:31:38.708 --> 00:31:43.110
كانَ أكرَمَ النَّاسِ، وأنَا على خُطاهُ وعلَى خُطَى أبِي أسيرُ،

488
00:31:43.110 --> 00:31:47.366
بعدَ أنْ كنتُ أُطالِبُ النبيَّ يومًا بمزيدٍ من النَّفَقَةِ،

489
00:31:47.366 --> 00:31:50.740
أصبحتُ الآنَ أُنفِقُ وأكادُ لا أُبقِي لنفسِي شيئًا،

490
00:31:50.915 --> 00:31:51.906
قالَ رسولُ اللهِ:

491
00:31:51.906 --> 00:31:55.096
«وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ» (أخرجه مسلم)،

492
00:31:55.096 --> 00:31:58.747
فأنَا الآنَ إذَا عملتُ عملًا لزِمتُهُ وداومْتُ علَيْهِ.

493
00:31:58.747 --> 00:32:05.022
قالتْ ندَى فِي نفسِهَا: نفسيَّتِي معَ شادٍ مُضطربةٌ، معَ أنَّنِي طبيبةٌ نفسيَّةٌ،

494
00:32:05.253 --> 00:32:09.000
استحيتْ ندَى أنْ تسأَلَ عائشَةَ عنْ نفسيَّتِهَا لتُقارِنَ بحالِهَا؛

495
00:32:09.000 --> 00:32:13.518
فكانَ سيبدُو سؤالًا مُضحِكًا وهِيَ ترَى هذِهِ الشَّخصيَّةَ الفذَّةَ،

496
00:32:13.518 --> 00:32:16.210
الَّتي قَالَ فيها ابنُ أخيها عُروَةُ بنُ الزُّبيرِ:

497
00:32:16.210 --> 00:32:18.236
"لقد صَِحبتُ عائشةَ

498
00:32:18.236 --> 00:32:24.803
فما رأيتُ أحدًا قطُّ كانَ أعلمَ بآيةٍ أُنزلَتْ، ولا بفريضةٍ، ولا بسُنَّةٍ،

499
00:32:24.803 --> 00:32:30.128
ولا بشِعرٍ ولا أروَى لَهُ -أي للشِّعرِ-، ولا بيومٍ من أيَّامِ العربِ،

500
00:32:30.128 --> 00:32:35.849
ولا بنسَبٍ، ولا بكذَا ولا بكذَا...، ولَا بقضاءٍ، ولا طبٍّ منهَا!"

501
00:32:36.302 --> 00:32:39.528
فقلتُ لهَا: يا خالةُ، الطِّبُّ من أينَ عُلِّمْتِهِ؟

502
00:32:39.528 --> 00:32:44.144
فقالتْ: كنتُ أمرضُ، فَيُنْعَتُ ليَ الشَّيء -أي يُوصفُ على سبيلِ العلاجِ-،

503
00:32:44.301 --> 00:32:46.362
ويمرضُ المريضُ فَيُنعَتُ لهُ،

504
00:32:46.362 --> 00:32:49.515
وأسمعُ النَّاسَ يَنعتُ بعضُهُمْ لبعضٍ، فأحفَظُهُ.

505
00:32:50.140 --> 00:32:51.974
انتهتْ المقابَلَةُ

506
00:32:51.974 --> 00:32:55.983
كانتْ السَّاعةُ الواحدَةَ ليْلًا حينَ انتبَهتْ ندَى

507
00:32:55.983 --> 00:32:58.329
أنَّهَا صرفَتْ ساعاتٍ مُتَتَاليَةً

508
00:32:58.332 --> 00:33:01.347
تقلِّبُ صفحاتِ السِّيرةِ دونَ أنْ تشعُرَ،

509
00:33:01.576 --> 00:33:06.408
أغلقتِ الكتابَ وهيَ مَصدُومةٌ مذهولةٌ،

510
00:33:06.588 --> 00:33:10.990
مَا هذَا النَّبيُّ الذي جعلَ حُجرَةً صغيرةً عامرةً

511
00:33:10.990 --> 00:33:14.860
بآلافِ المواقفِ والذِّكرياتِ الجميلةِ بهذا الشكلِ؟!

512
00:33:14.860 --> 00:33:17.515
ما هذَا النَّبيُّ الَّذِي صنَعَ من فتاةٍ

513
00:33:17.515 --> 00:33:22.027
هذِهِ الشخصيَّةَ القويَّةَ المحبَّبَةَ المتوازنَةَ الواثِقَةَ المُنسجِمَةَ؟!

514
00:33:22.146 --> 00:33:24.690
أغلقتْ ندَى الكتابَ،

515
00:33:24.690 --> 00:33:28.746
وقامتْ منْ غرفةِ المكتَبِ مرورًا بِرَدهاتِ بيتِهَا الواسِعِ،

516
00:33:29.060 --> 00:33:32.926
شعرتْ بالبردِ معَ أنَّهَا كانتْ مُلتحِفَةً بمعطفِهَا الفاخِرِ،

517
00:33:33.036 --> 00:33:35.743
فالتَّدفئةُ مُعطَّلَةٌ بالبيتِ من فترةٍ؛

518
00:33:36.062 --> 00:33:39.148
لأنَّ شاديًا لم يُحضِرِ الوقود بعدَ نفادِهِ

519
00:33:39.148 --> 00:33:43.760
طمَعًا في أنْ تدفعَ ندَى منْ مَالهَا،

520
00:33:43.760 --> 00:33:48.568
وهيَ بدورِهَا كانتْ تتجاهَلُ رغبتَهُ لأنَّهَا تُحِسُّ أنَّ هذَا طمَعٌ منهُ.

521
00:33:49.158 --> 00:33:51.238
مرَّتْ ندَى بالمطبخِ،

522
00:33:51.238 --> 00:33:58.273
ألقَتْ نظْرةً على الطَّاولةِ: آثارُ وجبةٍ أكلَهَا شادٍ ولم يُحضِرْ لها وجبةً

523
00:33:58.920 --> 00:34:06.426
وصلَتْ غُرفَةَ نومِهَا، الإسوارةُ ما زالتْ على الطاولة تنتظِرُ شاديًا ليُصلِحَهَا.

524
00:34:06.790 --> 00:34:10.521
كانَ نائِمًا يشْخُرُ وبيدِهِ هاتِفُهُ،

525
00:34:10.521 --> 00:34:12.625
تمدَّدَتْ ندَى علَى السَّريرِ،

526
00:34:12.625 --> 00:34:18.255
وتمنَّتْ لو أنَّ المقابلةَ لمْ تنتهِ، وأنَّهَا عاشَتْ كمَا عاشَتْ عائشةُ،

527
00:34:18.885 --> 00:34:22.697
هذهِ قِصَّةُ ندَى، قصَّةٌ تُمثِّلُ كثيرًا منْ نِساءِ اليومِ

528
00:34:22.785 --> 00:34:25.347
ألقيتُهَا أمامَ مجموعةٍ مِنَ الإخوَةِ والأخواتِ،

529
00:34:25.347 --> 00:34:29.721
فقالت إحداهنَّ: "أنا أعملُ منْ فترةٍ طويلةٍ في الإرشادِ الأُسريِّ،

530
00:34:29.721 --> 00:34:34.218
وأستطيعُ أنْ أقولَ لكَ أنَّ مشكلات الثلاثةَ والعشرِينَ الَّتِي ذكرتَهَا

531
00:34:34.218 --> 00:34:37.202
تُلخِّصُ ما أراهُ منْ مشكلات الأزواجِ اليومَ"

532
00:34:37.762 --> 00:34:42.247
العجيبُ -إخوانِي وأخواتِي- أنَّ الجاهليَّةَ الماديَّةَ المعاصرَةَ،

533
00:34:42.247 --> 00:34:46.348
الَّتِي سَلَبَتْ المرأةَ راحتَهَا وسعادتَهَا، وأهدرَتْ كرامتَهَا،

534
00:34:46.348 --> 00:34:52.709
تجعلُ منْ زواجِ النَّبيِّ بعائشةَ شُبْهةً؛ لِصِغَرِ سِنِّهَا عندَ الزَّواجِ!

535
00:34:52.760 --> 00:34:56.353
وإنَّ المرءَ لَيَعجَبُ من تَطاوُلِ النَّجاسَةِ على الطُّهرِ

536
00:34:56.353 --> 00:34:58.295
وذمِّ الفشلِ للنَّجاحِ،

537
00:34:58.295 --> 00:35:04.887
العجيبُ أنْ نقبلَ -نحنُ المُسلمينَ- بتسميةِ أنجحِ وأجملِ زِيجةٍ "شُبهةً"،

538
00:35:05.005 --> 00:35:07.749
نضعُهَا فِي خانةِ الشُّبُهَاتِ ثُمَّ نُدافِعُ

539
00:35:07.749 --> 00:35:13.644
وكانَ ينبغِي لنَا أنْ نَسأَلَ من البدايةِ: أينَ الإشكالُ تحديدًا حتَّى نرُدَّ عليهِ؟

540
00:35:13.776 --> 00:35:20.074
وبأيِّ حقٍّ -يا مَنْ تعترضُونَ- تفترضُونَ أنَّنَا نُسَلِّمُ لكمْ بمعاييرِكُمْ؟

541
00:35:20.215 --> 00:35:25.779
العجيبُ أنْ نَسمَحَ للعدُوِّ -الَّذِي يهزمُنَا عسكرِيًّا بكُلِّ أُسلوبٍ قَذِرٍ-

542
00:35:25.990 --> 00:35:31.254
أنْ نسمحَ لهُ بأنْ يهزمَنَا نفسِيًّا ويَحتلَّ عقولَنَا وأرواحَنَا،

543
00:35:31.469 --> 00:35:36.946
فإذَا بنَا نُحاكِمُ دينَنَا وتاريخَنَا وسُنَّةَ نبيِّنَا بمعاييرِ أعدائِنَا!

544
00:35:37.043 --> 00:35:42.520
عندمَا تَقْبلُ بتصنيفِ شيءٍ مَا منْ دينِكَ على أنَّهُ "شبهةٌ"، فقد خسرت نصفَ المعركة،

545
00:35:42.520 --> 00:35:47.791
وعندما تُحاولُ أنْ تُدافعَ عنهُ بمعايِيرِ عدوِّكَ، فقدْ خسرتَ النِّصفَ الآخَرَ.

546
00:35:48.065 --> 00:35:53.061
عائشةُ تزوَّجَهَا النَّبيُّ صغيرةً وعمِلَ علَى مَا لديْهَا منْ مُقَوِّماتٍ،

547
00:35:53.061 --> 00:35:55.891
فصاغَ منهَا أجملَ نفسيَّةٍ أُنثويَّةٍ

548
00:35:55.891 --> 00:36:00.638
أكثرَ نفسيَّةٍ توازُنًا، وطُمأنينَةً، وقوَّةً، ووثوقًا،

549
00:36:00.784 --> 00:36:03.934
أكثرَ نفسيَّةٍ إيمانًا، ورضًا، وهُدًى

550
00:36:03.934 --> 00:36:06.912
شحنَهَا بالعلْمِ وسوِيَّةِ النَّفسِ علَى صِغَرٍ،

551
00:36:06.912 --> 00:36:09.502
ثمَّ مدَّ اللهُ فِي عُمُرِهَا بعدَهُ،

552
00:36:09.502 --> 00:36:13.666
فبقيَتْ منارًا يبثُّ العِلْمَ للعالمِينَ إِلَى يومِ الدِّينِ.

553
00:36:14.146 --> 00:36:16.358
لمْ يكُنْ مِنْ هدفِنَا فِي هذهِ القِصَّةِ

554
00:36:16.358 --> 00:36:19.852
مُناقشَةُ تزويجِ الصَّغيراتِ فِي أيَّامنَا وظُرُوفِنَا،

555
00:36:19.852 --> 00:36:24.461
ولا أنْ نُحيطَ بموضوعِ زواجِ النَّبيِّ بعائشةَ صغيرةً،

556
00:36:24.461 --> 00:36:28.435
ونطرحَ كلَّ مَا رُدَّ بهِ على مَنْ يَستشكلونَ هذَا الزَّواجِ،

557
00:36:28.540 --> 00:36:30.567
وإنَّمَا أردنَا تسليطَ الضوءِ

558
00:36:30.567 --> 00:36:36.214
علَى جانبِ الصِّياغةِ النفسيَّةِ الَّتِي صِيغَتْهَا عائشةُ في بيتِ النُّبوَّةِ،

559
00:36:36.804 --> 00:36:39.045
والمعاملةِ الَّتِي تلَقَّتْهَا،

560
00:36:39.045 --> 00:36:44.570
لنرَى حقيقةَ الجاهليَّةِ الحديثة وأبواقِها الَّذينَ اغتالُوا المرأةَ ونفسيَّتَهَا،

561
00:36:44.630 --> 00:36:51.229
ثُمَّ راحُوا يتطاوَلُونَ علَى أنقَى وأجملِ أُنْموذجٍ في قصَّةِ محمدٍ وعائشةَ،

562
00:36:51.607 --> 00:36:57.134
زواجُ النَّّبيِّ منْ عائشةَ مصدرُ فخْرٍ واعتزازٍ نُباهِي بهِ الأُمَمَ التَّائهةَ،

563
00:36:57.134 --> 00:37:00.748
نُعلِّمُ بهِ البشريَّةَ منْ جهلٍ ونهدِيهَا منْ ضلَالٍ،

564
00:37:00.930 --> 00:37:05.206
ونمحُو بهِ آثارَ الجاهليَّةِ المعاصرَةِ في الأُسَرِ والمجتمعَاتِ.

565
00:37:05.206 --> 00:37:11.810
نسألُ اللهَ أنْ يَجعلَ حياتَنا في أُسَرِنا كحياةِ رسولِ اللهِ معَ عائشةَ

566
00:37:11.810 --> 00:37:13.971
والسَّلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ