﻿1
00:00:01.900 --> 00:00:19.000
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى اله وصحبه اجمعين

2
00:00:19.600 --> 00:00:37.350
اما بعد روى الامام مسلم في صحيحه عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول اللهم اني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى

3
00:00:37.950 --> 00:01:01.950
هذا دعاء عظيم جامع اشتمل على اربعة مطالب عظيمة وهي الهداية والتقوى والعفاف والغنى ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم بها مجتمعة يدل على شرفها وعظيم اهمية الالتجاء الى الله

4
00:01:01.950 --> 00:01:27.550
عز وجل بسؤاله هذه المطالب في سائر الاحوال قال النووي رحمه الله ومما يستحب الدعاء به في كل موطن اللهم اني اسألك العفو والعافية اللهم اني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى والله اعلم

5
00:01:28.350 --> 00:01:52.450
والهداية تتناول الهداية الى كل مصالح العبد من امر دينه ودنياه والتقى يتناول البعد عن كل ما يسخط الله من الشرك والمعاصي والاخلاق الذميمة والعفاف وفي رواية العفة هو التنزه والبعد عن كل ما لا يحل ولا يباح

6
00:01:52.950 --> 00:02:24.000
والغنى غنى النفس وقناعتها بما قسم الله سبحانه فجمع هذا الحديث خير الدنيا والاخرة فمن رزقه الله الهدى والتقى والعفاف والغنى نال السعادتين سعادتي الدنيا وسعادة الاخرة قال الطيبي رحمه الله اطلق الهدى والتقى ليتناول كل ما ينبغي ان يهتدى اليه من امر المعاصي

7
00:02:24.000 --> 00:02:46.900
عادي ومكارم الاخلاق وكلما يجب ان يتقى منه من الشرك والمعاصي ورذائل الاخلاق وطلب العفاف والغنى تخصيص بعد تعميم وقال النووي رحمه الله اما العفاف والعفة او التنزه عما لا يباح والكف عنه

8
00:02:47.250 --> 00:03:12.000
والغنى هنا غنى النفس والاستغناء عن الناس وعما في ايديهم وفي شرح لطيف لهذا الحديث يقول الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله هذا الدعاء من اجمع الادعية وانفعها وهو يتضمن سؤال خير الدين وخير الدنيا

9
00:03:12.150 --> 00:03:32.850
فان الهدى هو العلم النافع والتقى العمل الصالح وترك ما نهى الله ورسوله عنه وبذلك يصلح الدين فان الدين علوم نافعة ومعارف صادقة فهي الهدى وقيام بطاعة الله ورسوله فهو التقى

10
00:03:33.550 --> 00:03:59.400
والعفاف والغنى يتضمن العفاف عن الخلق وعدم تعليق القلب بهم والغنى بالله وبرزقه والقناعة بما فيه وحصول ما يطمئن به القلب من الكفاية وبذلك تتم سعادة الحياة الدنيا والراحة القلبية وهي الحياة الطيبة

11
00:03:59.700 --> 00:04:19.650
فمن رزق الهدى والتقى والعفاف والغنى نال السعادتين وحصل كل مطلوب ونجا من كل مرهوب وقال رحمه الله ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى

12
00:04:20.350 --> 00:04:38.350
فجمع الخير كله في هذا الدعاء فالهدى هو العلم النافع والتقى هو العمل الصالح وترك المحرمات كلها هذا صلاح الدين وتمام ذلك بصلاح القلب وطمأنينته بالعفاف عن الخلق والغنى بالله

13
00:04:38.850 --> 00:05:00.600
ومن كان غنيا بالله فهو الغني حقا. وان قلت حواصله فليس الغنى عن كثرة العرض. انما الغنى غنى القلب وبالعفاف والغنى يتم للعبد الحياة الطيبة والنعيم الدنيوي والقناعة بما اتاه

14
00:05:00.600 --> 00:05:19.350
وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله عز وجل بهذا الدعاء اللهم اني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى الهدى هنا بمعنى العلم

15
00:05:19.700 --> 00:05:41.200
والنبي صلى الله عليه وسلم محتاج الى العلم كغيره من الناس لان الله سبحانه قال له ولا تعجل بالقرآن من قبل ان يقضى اليك وحيه وقل رب زدني علما وقال الله له وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما

16
00:05:41.700 --> 00:06:00.100
فهو عليه الصلاة والسلام محتاج الى العلم فيسأل الله الهدى والهدى اذا ذكر وحده يشمل العلم والتوفيق للحق اما اذا قرن معه ما يدل على التوفيق للحق فانه يفسر بمعنى العلم

17
00:06:00.200 --> 00:06:19.500
لان الاصل في اللغة العربية ان العطف يقتضي المغايرة ويكون الهدى له معنى وما بعده مما يدل على التوفيق له معنى اخر واما قوله والتقى فالمراد بالتقوى تقوى الله عز وجل

18
00:06:19.550 --> 00:06:36.550
فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه التقى اي ان يوفقه الى تقوى الله لان الله هو الذي بيده مقاليد كل شيء فاذا وكل العبد الى نفسه ضاع ولم يحصل على شيء

19
00:06:36.800 --> 00:06:58.850
فاذا وفقه الله عز وجل ورزقه التقى صار مستقيما على تقوى الله واما قوله العفاف فالمراد به ان يمن الله عليه بالعفاف والعفة عن كل ما حرم الله عليه فيكون عطفه على التقوى من باب عطف الخاص على العام

20
00:06:59.250 --> 00:07:17.100
ان خصصنا العفاف بالعفاف عن شيء معين والا فهو من باب عطف المترادفين. فالعفاف ان يعف عن كل ما حرم الله عليه فيما يتعلق بجميع المحارم التي حرمها الله عز وجل

21
00:07:17.450 --> 00:07:39.750
واما الغنى فالمراد به الغنى عما سوى الله اي الغنى عن الخلق بحيث لا يفتقر الانسان الى احد سوى ربه عز وجل والانسان اذا وفقه الله ومن عليه بالاستغناء عن الخلق صار عزيز النفس غير دليل

22
00:07:39.900 --> 00:07:59.150
لان الحاجة الى الخلق ذل ومهانة والحاجة الى الله عز وجل عز وعبادة فهو يسأل الله عليه الصلاة والسلام الغنى فينبغي لنا ان نقتدي بالرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الدعاء

23
00:07:59.400 --> 00:08:22.850
وان نسأل الله الهدى والتقى والعفاف والغنى وفي هذا دليل على ان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. وان الذي يملك ذلك هو الله وفيه دليل على ابطال من تعلق بالاولياء والصالحين في جلب المنافع ودفع المضار

24
00:08:23.200 --> 00:08:43.450
كما يفعل ذلك بعض الجهال لان هؤلاء المدعوين هم بانفسهم لا يملكون لانفسهم شيئا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لا اقول لكم عندي خزائن الله ولا اعلم الغيب ولا اقول لكم اني ملك

25
00:08:43.700 --> 00:09:02.200
وقال له قل لا املك لنفسي نفعا ولا ضرا الا ما شاء الله وقال له قل اني لا املك لكم ضرا ولا رشدا قل اني لن يجيرني من الله احد ولن اجد من دونه ملتحدا

26
00:09:02.600 --> 00:09:25.450
فالانسان يجب ان يعلم ان البشر مهما اوتوا من الوجاهة عند الله عز وجل ومن المنزلة والمرتبة عند الله فانهم ليسوا بمستحقين ان يدعوا من دون الله بل انهم يتبرأون تبرأ تاما ممن يدعوهم من دون الله عز وجل

27
00:09:25.800 --> 00:09:43.400
قال عيسى عليه الصلاة والسلام لما قال الله له اانت قلت للناس اتخذوني وامي الهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق ليس من حق عيسى

28
00:09:43.650 --> 00:10:02.150
ولا غيره ان يقول للناس اتخذوني الها من دون الله ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك انك انت علام الغيوب. ما قلت لهم الا ما امرتني به ان

29
00:10:02.150 --> 00:10:32.500
الله ربي وربكم انتهى كلامه رحمه الله الامر كله لله وطوع تدبيره هو المعطي المانع فالهدى والتقى وتوابعها كلها من صفة العطاء والاضلال والعذاب وتوابعها كلها من صفة المنع وهو سبحانه يصرف خلقه بين عطائه ومنعه. وذلك كله صادر عن حكمة بالغة

30
00:10:32.550 --> 00:11:00.750
وملك تام وحمد تام. فلا اله الا الله ولا رب سواه والهدى اول هذه المطالب الاربعة وهو اجلها واعظمها واجمعها للخير قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله ولهذا كان انفع الدعاء واعظمه واحكمه دعاء الفاتحة. اهدنا الصراط المستقيم

31
00:11:00.800 --> 00:11:22.750
صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فانه اذا هداه هذا الصراط اعانه على طاعته وترك معصيته فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الاخرة لكن الذنوب هي من لوازم نفس الانسان

32
00:11:23.100 --> 00:11:41.750
وهو محتاج الى الهدى في كل لحظة وهو الى الهدى احوج منه الى الاكل والشرب ليس كما يقوله طائفة من المفسرين انه قد هداه فلماذا يسأل الهدى وان المراد بسؤال الهدى

33
00:11:42.100 --> 00:11:59.900
الثبات او مزيد الهداية بل العبد محتاج الى ان يعلمه ربه ما يفعله من تفاصيل احواله والى ما يتولد من تفاصيل الامور في كل يوم والى ان يلهم ان يعمل ذلك

34
00:12:00.100 --> 00:12:20.400
فانه لا يكفي مجرد علم ان لم يجعله الله مريدا للعمل بعلمه والا كان العلم حجة عليه ولم يكن مهتديا والعبد محتاج الى ان يجعله الله قادرا على العمل بتلك الارادة الصالحة

35
00:12:20.500 --> 00:12:43.450
فانه لا يكون مهتديا الى الصراط المستقيم صراط الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء الاعداء والصالحين الا بهذه العلوم والارادات والقدرة على ذلك ويدخل في ذلك من انواع الحاجات ما لا يمكن احصاؤه

36
00:12:43.600 --> 00:13:05.500
ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة لفرط حاجتهم اليه فليسوا الى شيء احوج منهم الى هذا الدعاء وانما يعرف بعض قدر هذا الدعاء من اعتبر احوال نفسه ونفوس الانس والجن المأمورين بهذا الدعاء

37
00:13:06.150 --> 00:13:25.150
ورأى ما في النفوس من الجهل والظلم الذي يقتضي شقائها في الدنيا والاخرة في علم ان الله بفضله ورحمته جعل هذا الدعاء من اعظم الاسباب المقتضية للخير المانعة من الشر

38
00:13:25.750 --> 00:13:45.900
واما التقوى فهي اعظم الوصايا والقرآن من اوله الى اخره يأمر بالتقوى ويحض عليها حتى لم يذكر في القرآن شيء اكثر منها وهي وصية الله للاولين والاخرين من خلقه لم تزل

39
00:13:46.300 --> 00:14:08.500
منذ اوجد العالم كما قال تعالى ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم واياكم ان اتقوا الله وهي اول دعوة الانبياء وشعار الاولياء واهلها اصحاب العاقبة الحميدة اهل مقعد الصدق عند مليك مقتدر

40
00:14:09.250 --> 00:14:25.250
وهي خير ما يستفيده العبد في هذه الحياة روى ابو نعيم في حلية الاولياء عن محمد ابن يزيد الرحابي قال قيل لابي الدرداء رضي الله عنه ما لك لا تشعر

41
00:14:25.450 --> 00:14:42.900
اي لا تقولوا الشعر فانه ليس رجل له بيت من الانصار الا وقد قال شعرا قال وانا قد كنت فاسمعوا يريد المرء ان يعطى مناه ويأبى الله الا ما اراد

42
00:14:43.050 --> 00:15:06.900
يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله افضل ما استفاد وما من خير عاجل ولا اجل الا والتقوى سبيل موصل اليه وما من شر عاجل ولا اجل ظاهر ولا باطن الا والتقوى حرز حصين للسلامة منه والنجاة من

43
00:15:06.900 --> 00:15:25.450
برة ده وليست تقوى الله مجرد ترك السيئات بل التقوى كما فسرها الاولون والاخرون فعل ما امرت به وترك ما نهيت عنه كما قال طلق بن حبيب رحمه الله لما وقعت الفتنة

44
00:15:25.500 --> 00:15:45.350
قال اتقوها بالتقوى قالوا وما التقوى؟ قال ان تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وان تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله وقد قال الله تعالى في اكبر سورة في القرآن

45
00:15:45.500 --> 00:16:07.400
الف لام ميم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون الى اخرها فوصف المتقين بفعل المأمور به من الايمان والعمل الصالح من اقامة الصلاة وايتاء الزكاة

46
00:16:08.050 --> 00:16:28.600
وقال تعالى يا ايها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون وقال تعالى ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من امن بالله واليوم الاخر والملائكة

47
00:16:28.600 --> 00:16:52.950
والكتاب والنبيين واتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب واقام الصلاة واتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون

48
00:16:53.350 --> 00:17:14.200
واما العفاف والغنى وكثيرا ما يقرن بينهما لما بينهما من تلازم فان المتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنيا من التعفف يغنيه الله فيجعله غنيا اي بالقلب فليس الغنى عن كثرة العرب

49
00:17:14.350 --> 00:17:32.800
وانما الغنى غنى النفس. قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين العفة والغنى في عدة احاديث منها قوله في حديث ابي سعيد المخرج في الصحيحين

50
00:17:32.850 --> 00:17:56.000
من يستغني يغنه الله. ومن يستعفف يعفه الله ومنها قوله في حديث عياض المجاشع في صحيح مسلم اهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم

51
00:17:56.150 --> 00:18:25.800
وعفيف متعفف ذو عيال ومنها قوله في حديث الخيل الذي في الصحيح ورجل ارتبطها تغنيا وتعففا ولم ينسى حق الله في رقابها وظهورها فهي له ستر ومنها ما روي عنه من طلب المال استغناء عن الناس واستعفافا عن المسألة لقي الله ووجهه

52
00:18:25.800 --> 00:18:46.450
قمري ليلة البدر ومنها قوله في حديث عمر وغيره ما اتاك من هذا المال وانت غير سائل ولا مشرف فخذه فالسائل بلسانه وهو ضد المتعفف والمشرف بقلبه وهو ضد الغني

53
00:18:47.550 --> 00:19:05.700
قال في حق الفقراء يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف اي عن السؤال للناس وقال ليس الغنى عن كثرة العرب وانما الغنى غنى النفس فغني النفس الذي لا يستشرف الى المخلوق

54
00:19:05.900 --> 00:19:30.650
فان الحر عبد ما طمع والعبد حر ما قنع وقد قيل اطعت مطامعي فاستعبدتني فكره ان يتبع نفسه ما استشرفت له لئلا يبقى في القلب فقر وطمع الى المخلوق فانه خلاف التوكل المأمور به

55
00:19:30.750 --> 00:19:55.250
وخلاف غنى النفس هذا واسأل الله عز وجل ان يوفقنا اجمعين لكل خير وان يصلح لنا شأننا كله والا يكلنا الى انفسنا طرفة عين انه سميع قريب مجيب وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد

56
00:19:55.350 --> 00:20:02.050
واله وصحبه اجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته